التقارب الروسي – التركي : شراكة مستديمة أم هدنه مؤقتة؟

حجم الخط
3

موسكو ـ «القدس العربي»: صورت وسائل الإعلام الروسية نتائج زيارة الرئيس فلاديمير بوتين لتركيا، حيث شارك في أعمال مؤتمر قمة الطاقة في اسطنبول في العاشر من تشرين الأول/اكتوبر الجاري، والمباحثات التي أجراها مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان وما أسفرت عنه من التوقيع على اتفاقية تقضي بمد أنابيب عبر تركيا لتوصيل الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوروبا، على انها نجاح سياسي واقتصادي كبير، نال أيضا اعترافا دوليا. في الوقت نفسه دعا بعض الخبراء إلى عدم الاسراع في المبالغة بأهمية التوقيع على مشروع أنبوب الغاز نحو أوروبا. كما ان الخلافات السياسية الخارجية بين البلدين ما زالت باقية.
وبالرغم من ان الاتفاق بشأن مد الأنابيب ما زال مجرد اتفاق نوايا، ولم تحدد بعد الجهات الممولة ولا تواريخ تنفيذه، فانه حقق عددا من أهداف الكرملين على صعيد تطوير العلاقات مع تركيا في المرحلة السياسية الراهنة. فاتفاق موسكو مع تركيا يمثل بالنسبة للكرملين اختراقا لحلف الناتو من خلال أحد الدول من أعضائه، ويشكل سابقة تصب في التصدي الروسي للعقوبات الغربية على روسيا على خلفية التطورات في اوكرانيا التي اعترف الرئيس بوتين خلال كلمته في محفل لجذب الاستثمارات «روسيا تدعو» الذي جرت أعماله الاربعاء في موسكو، بتداعياتها السلبية على الاقتصاد الروسي، وتأكيده ان بمقدور روسيا التخفيف من حدتها. والمثل التركي بالنسبة للكرملين هو خير دليل على ذلك. كما ان مد الأنابيب عبر البحر الأسود لتركيا واليونان، وفقا للحسابات الروسية، سوف يضفي الصعوبات على سياسة الولايات المتحدة الإقليمية.

اقتصاد وسياسة

وليس ثمة شك لدى روسيا بشأن خضوع تركيا لسياسة الناتو والالتزام بخططه على المستويين الدولي والإقليمي. ولا تتوهم موسكو أيضا باحتمالات انسحاب تركيا من الناتو. ولكنها تدرك ان لتركيا مكانة خاصة في الأطلسي. فمثلا لم تسمح أنقرة للتحالف الدولي استخدام أجوائها خلال الهجوم على العراق في 2003. وكذلك لم تسمح لبريطانيا وأمريكا إجتياح العراق من خلال أراضيها. كما ان تركيا لم توافق ابان أزمة اللاجئين الأخيرة على دخول قوارب الناتو مياهها الإقليمية. وتمنح كل تلك الأمثلة موسكو القناعة بان تركيا في الوقت الذي هي عضوة في الناتو، فان مواقفها من المشاكل الملحة، غالبا ما تختلف عن مواقف الشركاء في الحلف. ان موسكو أبدا لم تتجاهل هذا الجانب، وتسعى لإستعماله بما يخدم مصالحها.
وتسعى موسكو إلى تعزيز جبهة الدول التي ترتبط بعلاقات متوترة مع الولايات المتحدة والغرب عموما، وتنظر إلى تركيا على انها احدى تلك الدول. ولذلك فان روسيا ترى ان هذا عامل هام يوحدها مع تركيا. فالرئيسان بوتين وأردوغان يشعران بالاستياء (لأسباب مختلفة) من علاقات الغرب مع بلديهما. فعلى الرغم من ان سبل علاقات الاتحاد الأوروبي سارت بصور مختلفة مع روسيا وتركيا، فان غالبية المحللين واثقين من ان البلدين يريان ان تصرفات الغرب غير عادلة بحقهما، ويؤكدان انعدام الاحترام بالتعامل معهما. وهذا من دون شك يوحد روسيا مع تركيا.
وبالإضافة إلى ان الاتفاقات الرامية أيضا لإنعاش التبادل التجاري مع تركيا تعتبر وسيلة لتخفيف تداعيات العقوبات الغربية، فانها أيضا ستساهم في احتواء أنقرة على صعيد التحرك الخارجي بالمسارات التي تهم موسكو. ان روسيا معنية جدا في ان لا تقوم أنقرة بأي تحرك أو خطوة في مناطق القفقاز وآسيا الوسطى يمكن ان تلحق الأضرار بالمصالح الروسية هناك. وكانت تركيا قد نَشَطَت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي أدوارها في المناطق السوفييتية سابقا، لاسيما مع الأمم ذات الأصل التركي في اذربيجان وكازاخستان واوزبكستان، فضلا عن دورها، الذي أثار استياء موسكو، في الشيشان إبان الحربين هناك. وتدرك موسكو بجلاء ان لتركيا أوراقا رابحة يمكن ان تلعبها هناك بدعم القوى القومية أو الإسلامية المتشددة في تلك المناطق التي تريد أنقرة إعادتها إلى محورها التاريخي. وتأوي تركيا الكثير من الانفصاليين الشيشانيين ومن جمهوريات أخرى تتهم روسيا بممارسة الإرهاب.
وتباينت مواقف المحللين بشؤون الطاقة حول آفاق المشروع التركي القاضي ببناء أنابيب الغاز لضخ الغاز الروسي لدول الاتحاد الأوروبي عبر تركيا واليونان من دون المرور باوكرانيا. ويشكك البعض باحتمالات إنجاز المشروع. وفي حديث مع موقع «صوت أمريكا» على الانترنت وصف خبير شركة «روس انيرجي» ميخائيل كروتيخين التوقيع على المشروع بانه «تعبير عن حسن النوايا «. موضحا: «ان كل ما في الامر هو ان الحكومتين الروسية والتركية وعدتا بالمساعدة على انجاز المشروع». وعلى حد قوله فان دخول المشروع حيز التنفيذ يتطلب الاتفاق على الجهة التي ستتولى تنفيذه وتمويله.

سوريا كعقبة

في الوقت نفسه لاحظ المراقبون الدوليون ان موسكو لم تحقق مع أنقرة خلال المباحثات في اسطنبول تقدما ملموسا بشأن التغلب على الخلافات بشان القضية السورية. ويرجح اؤلئك المراقبون ان الخلافات الروسية ـ التركية ازاء سبل تسوية النزاع في سوريا ما زالت قائمة.
ويرى المحلل السياسي ونائب وزير الطاقة الروسية السابق فلاديمير ميلوف ان لدى روسيا وتركيا حزمة كبيرة جدا من الخلافات على الساحة الدولية. وفي رأيه فان المباحثات حول تحسين العلاقات ولاسيما القضية السورية، نابعة من السعي لضمان كل طرف أمنه بعقد هدنة مؤقتة بينهما، ولكن تناقض المواقف حول سوريا عميقة جدا وان تداعياتها ستظهر أكثر من مرة. وفي الوقت نفسه ذهب المحلل إلى ان الغرب بوعي أو بغير وعي منه، ساعد على تقارب تركيا وروسيا.
وكما يرى رئيس مجلس الشؤون الدولية اندريه كورتونوف فإلى حد الآن لا يوجد أساس لتطابق مواقف روسيا وتركيا بشأن سوريا، حيث ان الخلافات ما زالت مستمرة. وهو على قناعة ان أزمة العلاقات بين روسيا وتركيا أظهرت ان العلاقات بين البلدين، هشة، وهناك طيف واسع من تباين المواقف بما في ذلك حول قضايا الشرق الأوسط والقوقاز وتتار القرم.
ووفقا لرؤية خبيرة معهد الاستشراق ايرينا زفياجيلسكايا، مؤلفة كتاب «روسيا وأزمة الشرق الأوسط» فان نهج تركيا نحو التعددية في علاقاتها على الساحة الدولية وتحسين العلاقات مع روسيا، نابعة من الصعوبات التي تواجهها أنقرة بعد ان وجدت نفسها بوضع صعب بسبب تفاقم مشكلة علاقاتها بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

التقارب الروسي – التركي : شراكة مستديمة أم هدنه مؤقتة؟

فالح الحمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية