التقافة الأيديولوجيّة: أُحاديّة الرؤية

حجم الخط
0

يبدو المثقّفون الماركسيون هزليين جدّاً، وهم يحاولون ردّ الإزار، على ما تبدّى من سوءاتهم… ثقافة الحدّ الواحد، هي ظاهرةٌ في حياتنا الثقافية، لا أحد يهجر خندقهُ القديم بسهولة!
المثقّف في كل الأحوال هو جزءٌ من الثقافة الاجتماعيّة، ثقافة العيب، الّتي تعتبر تراجع الرجل عن كلمته عيباً وسقوطاً وانتقاصاً، وفي النهاية يبدو أنّ كلمة الرجل هي العليا، ولا دور للرفيقات في أخذ زمام المبادرة، وكسر هذا التقليد الرجولي العتيد، فيبدو أنّهن يخضعن بالقول، داخل الكوادر الحزبيّة، على الرغم من أصواتهن العالية، ضدّ الذكورية خارجه! ليست الثقافة الاجتماعية الآخذة بتلابيب سلوكيّاتنا هي وحدها المسؤولة عن ظاهرة الحديّة الثقافية، فهناك أيضاً الأنظمة الداخلية الحديدية، التي تعتبر النقد والمخالفة، خدشاً للقداسة وتحديّاً لنظام الكهنوت السائد، ومن المقولات الثابتة داخل صفوف الأحزاب: «أننا نقبل أي نقد أو مراجعة ما لم يكن تشكيكاً أو اتّهاماً»، وما دام كُلّ نقد يمكن أن يؤوّل على أنّه تشكيكٌ أو اتّهام، فستبقى الأبواب موصدةً بإحكام، أمام أيّ دفعٍ باتّجاه المراجعة الذاتية!
لا يقتصر ذلك على الأحزاب الماركسيّة فقط، وإنّما تتسع الدائرة لتشمل الأحزاب القوميّة والدينيّة، ورُبّما بطريقة أشد وأنكى، فرموزٌ كحسن البنّا أو جمال عبد الناصر أو صدّام حسين أو حافظ الأسد، وحتّى وارث الصولجان الأخير، كان المساس بها دمويّاً وعالي الكلفة..
على الضفّة الغربيّة، أو شمال المتوسّط، تبدو الأمور أقل حديّة، فروجيه غارودي اعتنق الإسلام، ولم يثر ذلك غضب أحد، بقدر ما أثار حنق الماركسيين العرب، فكالوا له الاتّهامات، حتّى وصل بهم الأمر إلى حدّ اتهامه بالقبض من السعوديّة!
في معرض نقاش مع ماركسي قديم، سألته إن كانت السعودية قد أوحت أيضاً لغارودي بكتبه الّتي بسط فيها قناعاته الجديدة بعمق عزّ له نظير، وحلل أحداث العالم على ضوء هذه القناعات!
جورج لوكاتش، تحدّى الماركسيّة التقليديّة، وطرح مفهوماً جديداً للعلاقة بين الوعي والتاريخ، كفّره الماركسيون الحدّيون، داخل الأحزاب الشيوعيّة العربيّة بالذات!
التقاليد الاجتماعية القبليّة، وعقليّة القائد الملهم، سببٌ آخر من أسباب هذه الظاهرة، فتبني الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين للأيديولوجيا الماركسية، كان قراراً قيادياً لم تُستشر به القواعد والكوادر، ورغم ذلك حوّلت القواعد قبلتها من القوميّة إلى الماركسية، بدون كبير احتجاج، إنّه شيخ القبيلة يأمر فيطاع، حتّى لو غيّرْتَ مُسمّاه، إلى رفيق أو أمين عام حزب أو أي مُسمّى آخر! ولعلي أذكر أنّني كنت ممن أسهم في مناقشة هذا الأمر، عبر ندوة نظّمتها الجبهة لشرح هذا التحول للجماهير، ولم تُمهلني العقليّة الحدّية طويلاً، فقد صعد أحد الرفاق، إلى المنصّة حيث كنت أقف وتناول مصحفاً صغيراً من جيبي معلناً للملأ انّني «أخ مسلم» لا ينبغي أن يسمح له باعتلاء هذه المنصّة التقدّميّة!
ثار هرجٌ ومرج، وسارع منظّم الندوة إلى تدارك الأمر قائلاً: نحن حركة تحرّر وطني، صفوفنا مفتوحة للمؤمن والكافر، واضعاً «الكافر» بإشارة من إصبعيه بين قوسين، سرت موجةٌ من الضحك بين الجمهور، واستأنف الرفيق حديثه بجدّية، الماركسيّة بالنسبة لنا «أداة تحليل» وليست عقيدة! ساد صمتٌ، تبعته همهمة، وشعرت بأن الرفيق لديه تحفّظات مضمرة على الأيديولوجية الجديدة المُتبنّاة، ولكنّ الكلمة الأخيرة هي كلمة القائد الملهم، وهكذا أصبحت الجبهة الشعبيّة حركة ماركسيّة، وابتعدت كثيراً عن النهج القومي القديم، بقرارٍ ليس إلّا!
هذه العيوب الموروثة التي تنتاب بنيتنا الثقافيّة، وبدل أن تتكيّف وتتغيّر فإنّها تأخذنا معها إلى القبر! وتدمغ حياتنا السّياسيّة والثّقافية بدمغة شبه أبديّة! ويبدو أن ثقافة «كِلِمْتُه كِلْمِة» أو «ثقافة المرجلة» تجري في أوردتنا مجرى الدم، ففي حوار للتلفزيون المصري مع الرئيس الراحل السادات: سأله المذيع: إنت بتصوم يا سيادة الريّس؟!
طبعاً!أصل الصيام ده رجولة!
مِلتُ على صديقي المثقّف المصري لأفاجئه بالسؤال:
– مراتك بتصوم؟!
– طبعاً بتسأل ليه؟
– يعني انت متجوّز راجل على رأي سيادة الريّس!
ضحك حتّى اندلقت القهوة على ركبتيه والفنجان يهتزّ في يده، وسارع النادل إلى نجدته بفوطة مبلّلة!
هذه الظاهرة الحدّية، حَلّتها شعوبٌ أخرى بطرق أكثر بساطة، فحين انضمّ كثيرٌ من رجال الدين إلى الثورة الكوبيّة، كان تشي غيفارا يجيب على أسئلتهم ببساطة، ويُؤكّد لهم أنّ من يُقتل في سبيل وطنه يذهب إلى ملكوت المسيح! لم يكن يكذب عليهم بالطبع، ولكنّه أدرك أن الأسئلة الكبيرة لا تُحسم بسذاجةٍ حدّية، كما يحدث عندنا نحنُ بالذّات!
«جياب» قائد الثورة الفيتنامية، كان يقول إنّه معلّم تاريخ يحبّ وطنه، ولم يقل إنّه ماركسي حتّى النخاع أو العظم، كما يتباهى بذلك مثقّفونا! هذه المصالحة ترفضها العقليّة الحدّية ذات البعد الواحد، ففي الوقت الّذي تدور فيه رحى المواجهة في ساحات المسجد الأقصى، يرفع الشيوعيون أو من تبقّى منهم، شعار المنجل والمطرقة، في مدن فلسطين الداخل، ، متنكّرين للقداسة، ومولّين ظهورهم للجماهير المؤمنة، وللبعد الديني للمقاومة الجماهيرية، ومفضّلين قوقعتهم على الالتحام بالجماهيرالكادحة الّتي يدّعون تمثيلها! ولا يدركون حتّى أنّهم يحرجون المسيحيين الكثيرين المنتمين لصفوفهم، الّذين يقف إخوانهم وأساقفتهم مع المسلمين على أرضٍ واحدة، فيما يخصّ المقدّسات ومدينة القدس بالذات! وفاتحين بتنكّرهم هذا خراطيم الاتّهام على الطائفة المسيحيّة، الّتي هي جزءٌ أصيل من الحراك الوطني الفلسطيني!
السجين الاختياري كالعصفورالداجن لن يجرؤ على التحليق خارج القفص، في سماءٍ مفتوحة، ولكنّ حركة التاريخ وسنن الله فيه ستتجاوز أولئك الّذين يقفون في وجه تيّارها  العَرِم وأولئك الّذين ينسبون أنفسهم إلى ديناميّتها، بدون أن يأخذوا في سبيل ذلك بأدنى الأسباب!

كاتب فلسطيني

نزار حسين راشد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية