التقدم والتقنية والثقافة الدينية

حجم الخط
1

■ استفاقت الأمة العربية بعد قرون من السبات على تأخر شديد في الميادين العلمية، خاصة في أمور التقنية، ما وضعها بموقف صعب للغاية من عدة جهات، حيث أنها لا تستطيع أن تؤمن حاجيات الحياة المعاصرة، لذا كان عليها أن تستورد كل شيء واستتبع هذا استنزاف الاقتصاد الهش، كما ان ذلك التأخر أغلق فرص العمل وفرص الإبداع أمام الأجيال الصاعدة، ما تسبب في انشغالهم في سفاسف الأمور، حيث تتوفر الأموال، أو الهجرة وطلب العلم والرزق في المهاجر في المجتمعات التي لا يتوفر فيها المال، وبالتالي حرمان تلك المجتمعات من طاقات البناء التي هي أثمن ما يملك. كما أن هذا التأخر التقني جعل تلك المجتمعات عاجزة عن حماية نفسها وانتهت بالرضوخ – المهين في حالات كثيرة – لمن يزودها بالسلاح، ولم يعد قرارها في يدها بل أصبح بيد من يتحكم بالسلاح. وقد حاولت تلك المجتمعات معالجة الأمر بإرسال الطلاب أفواجا أفواجا للخارج، لكي يأخذوا تلك العلوم ويتقنوها ويرفدوا مجتمعاتهم بها، إلا أن تلك الجهود لم تثمر وفشلت لحد بعيد في تحقيق أي تقدم معتبر يتوافق مع حجم التحديات والطموحات المتوقعة، مما يخلق ضرورة لتحليل المشكلة ومحاولة فهم العناصر الرئيسة فيها تمهيدا للتفكير في حلول مفيدة.
من وجهة نظرنا فإن الفشل هو فشل ثقافي بالدرجة الأولى يعود لعيوب أو أفكار هدامة تنخر في فكر الناس، وتحجب وتمنع نجاح مجتمعاتنا، وأول تلك العيوب هو ضياع الهدف. فعلى الرغم من أن النية يفترض أن تكون أصل كل عمل في حياة المسلم، إلا أننا نجد أن معظم الذين يدخلون في مضمار العلوم هدفهم الحقيقي هو تحصيل مصدر جيد للرزق ـ وهو كهدف قد لا يكون سيئا، بل قد يكون مناسبا تماما للبعض تحت الظروف الموضوعية – ولكنه عندما يترافق مع الأنانية والطمع في الإثراء السريع، وتحقيق مركز اجتماعي مرموق يصبح الجهد مركزا على جمع أكبر قـــدر ممكن من المال، من دون الأخذ بالاعتبار المصلحة المجتمعية، وهــــذا الانهــــماك بجمع وتحصيل المقتنيات المادية والمعنوية يستهلك الإمكانات، عندها لا يبقى متسع في الوقت ولا الطاقة الكافية التي تتطلبها عملية التطوير، التي هي من أهم عوامل التقدم، كما أن عملية التطوير بحد ذاتها عمــــلية متعـــبة وشاقة وتتطلب الكثير من الجهد والوقت، وهي غالبا غير مجدية كثيرا من الناحية المادية على الأقل، لذلك يتم تجنبها والتركيز على الأمور «الأكثر جدوى»، وفي هذه الحالة فإن مجتمعاتنا وبغياب القدرات المحلية على التطوير تصبح تابعة ومستوردة وغير مساهمة في التقدم العلمي.
وللأسف فإنه في هذه الحالة لا يتم استخدام الدين لإصلاح نية الناس وحضهم للطموح لأمور أجلّ وأسمى وتجنب أو تقليص النزعة المادية الفجة في النفوس، ليدخل الدين هنا بدور سلبي، حيث أن النزعة في هذه الأيام أن التدين هو القيام ببعض الطقوس والحرص على الظهور بمظاهر معينة تعكس «التزاما» ولو صوريا بتعاليم الدين، كما يفهمها «زعماء الرأي»، وبالتالي فإن اجتهاد الفرد في غير تلك الأمور قد يتم احتماله وقبوله على مضض ولكنه في المحصلة يعتبر من «علوم الدنيا» وليس له تلك القيمة أو الاعتبار أو حتى الفائدة المتوخاه التي تتمتع بها العلوم الشرعية، التي توافق « فكرهم» وبالتالي فهم يدّعون الالتزام بدراسة كتاب الله المكتوب ويهجرون كتاب الله المفتوح الذي درسه الآخرون واستفادوا منه، علما بأن القرآن حض كثيرا وحث الناس على التأمل في ما خلق الله وأبدع في هذا الكون، وربط آيات الآفاق والأنفس بحقائق الإيمان، مؤكدا وحدة المصدر لكلا الكتابين وتكاملهما، وبدلا من ذلك أصبح الدين أداة لتكريس التخلف وعائقا في وجه التقدم. ومن المفارقات المحزنة أن هؤلاء لا يفتأون يذمون الحضارة المعاصرة والتقدم الذي حققه الإنسان، وهم في سبيل ايصال رسالتهم تلك يستعملون انجازات ذلك التقدم مع حرصهم على اقتناء كل ما أبدعه والتمتع به، من دون نسيان لعن من أنتجه.
وحتى لا نكون سلبيين في طرحنا سنستعرض وجهة النظر المقابلة التي غطاها الإهمال والجهل. فالله قبيل خلق الإنسان أعلم الملائكة عن نيته، ولكن الملائكة بما تعلم كان رد فعلها سلبيا، حيث تنبأت بالفساد وسفك الدماء وهي لم تدرك بعدا آخر يريده الله، فأراد الله أن يطلعهم على ذلك البعد الفريد لهذا المخلوق الجديد، فعلمه عن الأشياء في الكون ثم اختبر الملائكة في ذلك المجال فلم يستطيعوا الإجابة وأخفقوا، وعندما طلب من الإنسان نجح بسهولة أوجبت على الملائكة السجود لذلك المخلوق الجديد بقدرته المتميزة بأمر الله، ولم يكن سجود الملائكة إلا علامة على تسخير الكون للإنسان وإعطائه مسؤولية عمارة الأرض وخلافة الرب فيها، فإن إبداع الإنسان وعبقريته دليل وشاهد على إبداع خالقه وقدرته وتجسيد لقدرة الرب وعظمته. ومع تلك القدرات يتسرب إلى النفس الغرور والتكبر والفساد والهوى فأرسل الله رسالاته للناس لتذكيرهم ومساعدتهم على الانتصار على تلك الميول الفاسدة التي تمنع أو تعيق تقدمهم ورقيهم الداخلي، وما يستتبع ذلك من فشل خارجي. والذي لا يدركه الكثيرون هو أن بناء الحضارة يتطلب الكثير من الرقي والتقدم في الأخلاق، وأن داخل الإنسان وخارجه لا يمكن الفصل بينهما لفترة طويلة، فإن الفساد في النفوس يتبعة الفساد في البيئة والمعيشة – حتى لو تأخر قليلا – والعكس صحيح وهذا ما نعيشه في هذه الأيام ولا يمكن لعاقل انكاره.
مما سبق نستنتج أننا بحاجة كبرى لإعادة فهمنا لهدف وجودنا وإعادة صياغة الفهم الديني الذي أدى انحرافه عن جوهره لكوارث لا نزال نكتوي بنارها ولن نستطيع الخروج منها حتى نغير ما بأنفسنا. إن كل واحد منا يستطيع البدء بنفسه بمراجعة وتقييم أهدافه والعمل على تصويبها أو تجديد الالتزام بالعمل والاجتهاد، وإذا توفرت الإرادة الصادقة والإخلاص والبذل فستلتقي تلك الجهود مثلما تلتقي جداول الماء الصغيرة والكبيرة لتشق لها مجرى ضخما لمنفعة الجميع.

٭ كاتب سوري

د. نبيل الطرابيشي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية