بغداد ـ «القدس العربي» ـ من صفاء ذياب: برزت في السنوات القليلة الماضية ظاهرة جديدة في النقد العراقي يمكن أن نسميها (الملائية في النقد العراقي)، وهو أن هناك مقاطع نقدية ثابتة تتكرر مع كل مقالة يكتبها هذا الكاتب أو ذاك، وكل ما يقوم به هو تغيير النماذج المدروسة، من دون تغيير التحليل أو الطرح إن وجدا… حاله حال المُلاَّ الذي لديه قصائد ثابتة يقرؤها في كل مأتم مع تغيير اسم الشخصية التي ينشد قصيدته من أجلها.
فما الذي أوصل نقدنا العراقي لهذه الملائية؟ وكيف يمكن إبعاد مَلالي النقد من ساحتنا الثقافية؟
مؤثرات نقدية
يشير علي داخل فرج إلى أنه مما يؤسف له اليوم أنَّ هذه الظاهرة (الملائية) تشغل اليوم حيزاً مهماً من المساحة النقدية العراقية، ولعل المتابع يستطيع أنْ يرصدها بسهولة في العديد من الكتب والدراسات والمقالات (النقدية) التي تنشر يومياً. مضيفاً لعلنا لا نحيد عن الصواب إذا ما قلنا إنَّ من أهم أسباب شيوع هذه الظاهرة السلبية هو سهولة النشر، وافتقار عدد كبير من دور النشر ومكاتب الطباعة ومحرري الصحف والمجلات الثقافية والأدبية إلى الرصانة والمهنية. فمن المعروف اليوم أنَّ عدداً غير قليل من تلك الدور والمكاتب التي انتشرت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، فضلاً عن مساحة واسعة من الصحافة الورقية والإلكترونية تكاد تكون مفتوحة لكل من يريد النشر بصرف النظر عن أصالة المادة المنشورة أو علميتها، ومما زاد الطين بلة، أنَّ كثيراً من تلك النتاجات (النقدية) غير الأصيلة كانت ذات مردود مادي ومعنوي لمنتجيها، ما شجعهم على الاستمرار، على الرغم من خوائهم، ولاسيما بعد أنْ تسلق كثير منهم اتحاد الأدباء الذي يتحمل هو الآخر جانباً مهماً من المسؤولية عما وصل إليه حال النقد العراقي اليوم، بسبب سياسته اللامسؤولة في منح هويات العضوية لهؤلاء (الملالي- النقاد).
وحسب ما يرى فرج، فإن المؤسسة الأكاديمية تشترك مع اتحاد الأدباء في تحمل جانب مهم آخر من المسؤولية عن هذا التردي في الواقع النقدي العراقي، إذا كرست هذه المؤسسة عدداً من الأسماء التي لا تمتلك الحد المقبول من المؤهلات للكتابة النقدية، وبرزتهم في الساحة بوصفهم نقاداً أكاديميين، وإذا ما فتشت في هذه النتاجات، لن تجد رؤية واضحة أو شخصية نقدية، بل كتابات تطغى على جانب كبير منها المجانية والاعتباطية وروح المجاملة، لكاتب أو شاعر تربطه علاقة بهذا الناقد أو ذاك. و«لست أبالغ إذا قلتُ إنَّ أسلوب الكتابة النقدية (الملائية) قد يكون متأثراً في جانب منه بالخطاب الأكاديمي نفسه، الذي شهد هو الآخر تردياً لا يمكن إنكاره، فكثير من الرسائل والأطاريح الجامعية كتبت بهذه الطريقة (الملائية) إذ يعمد بعض الباحثين إلى استلال نصوص أو مقاطع نقدية متفرقة من رسائل سابقة قد يكون سطا عليها أكثر من باحث قبله، وهكذا يمكن رصد تلك المقاطع أو النصوص المستلة في عدد غير قليل من الرسائل والأطاريح التي كتبت في السنوات الاخيرة.
وطالب فرج من أجل الخلاص من هذا النقد الملائي، بمراجعة الطرائق التي منح بموجبها هـــؤلاء الطــارئون هويات العضوية.
أما الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، فينبغي عليها العمل على إعادة ترصين الخطاب النقدي الأكاديمي، وتأكيد أهمية أنْ يكون الباحثون فيها بالمستوى الذي ينتج خطاباً نقدياً أكاديمياً أصيلاً.. ولعل من المهم تشجيع الجهــــود التي تحاول كشف هذه الظاهرة ورصدها وتحليلها وفضح المتورطين فيها، وكشف الزيف الذي يسوقونه إلى الساحة الثقافية العراقية، و«أجزم أنَّ هذه المهمة صعبة وتتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، ولكنها ليست مستحيلة».
خطابات استهلاكية
يقول الناقد والروائي أسامة الناشي، لا يبدو غريباً أن تشهد الساحة العراقية وجود شخصيات ومؤسسات تعتاش على انتعاش الخطابات الاستهلاكية التي استقرت لفترة طويلة في الذهنية العراقية، التي ما زالت تعيد فكرة وتاريخ الديكتاتورية بقصد أو من دون قصد وبحجج أقل ما يقال عنها إنها قبيحة. وليس بمستغرب أيضاً أن تتماشى نماذج تمثل استنساخاً مقصوداً أو امتداداً طبيعياً لظل التثوير الانتفاعي، الذي تحكمه انفعالات لسانية لا تلبث أن تخلع جلدها إذا ما توفرت لها بيئة ولو بنصف دسم… هذه الحالة تتماشى مع حالة الخيانة الطاغية التي يشهدها العراق في مفاصله كلها. فالثقافة التي بنت وجودها على الخطابات الشفاهية الترويجية المخادعة، تعد من المساحات الأولى التي يسهل أن تعتاش فيها فطريات الخداع، لأنها تحمل في ذاتها وذات أصحابها طعمين لذيذين.. الأول طعم الظهور الثقافي أمام أكثرية ما زالت تعتقد أن المثقف مختلف. والثاني الآليات التي توفرها اللغة والمخيال للإيقاع بالطرائد..
ويضيف الناشي أننا لا يمكننا أن نخفف من ثقافة الضجيج والدبكات لأنها بالأساس جزء من واقع اجتماعي يبني مناسباته جميعها على الطبل ورمي الرصاص.. وهذه الأدوات التي تصدر أصواتاً عالية تتفق مع اللغة التي هي بالأساس مجموعة أصوات.. فلا نحتاج سوى إلى الصراخ لنمارس الطقوس نفسها.. هذه ليست سلبية بقدر ما هي حقيقة.. بشيء من الجرأة يمكن أن أصف مبضع الجراح وهو يقطع جسدي لكنني لا أستطيع أبداً أن أقول فيه قصيدة غزل.
نقد النقد
وحسب الكاتب والمترجم نجاح الجبيلي فإن الخطاب النقدي العراقي يسوده الكثير من الظواهر الشاذة والطارئة، التي تقف بالضد من المسار المؤدي إلى تطويره وتفعيله، منها استفحال الكتابات الانطباعية المليئة بالأحكام والصيغ الجاهزة، لكن ثمة ظاهرة أخرى برزت في الآونة الأخيرة تسيء إلى الأدب ونقده على وجه الخصوص هي ظاهرة «الملائية»، فنجد بعضاً مما هو محسوب على النقد يتبنى مصطلحات معينة وطروحات وأوصافاً محددة يطبقها على كل النماذج التي يتناولها، فنجد أن المقاربة هي نفسها في كل مقالة نقدية يكتبها.
إن هؤلاء (النقاد) لا يمتلكون قاعدة تمكنهم من تبني مناهج نقدية متنوعة وتطبيقها على نماذج من القصة أو الرواية أو القصيدة وغيرها من الأعمال الإبداعية.
ويتساءل الجبيلي: هل اطلع هؤلاء على مدارس النقد وما تقدمه من مقاربات على صعيد المنهج النفسي أو الفينومنولوجي أو البنيوي أو ما بعد الكولونيالية، كي يوسعوا من مساحة فهمهم ويطوروا ذائقتهم النقدية؟ ويشك الجبيلي بذلك، وإلا ما الداعي إلى التكرار والدوران في الفلك نفسه حول نصوص متعددة تختلف في ما بينها على صعيد التجربة والبناء الفني. مضيفاً: إن تعدد المداخل والمقاربات النقدية هو مصدر غنى للناقد المجتهد، فالمنهج السايكولوجي يقدم لنا الأدب كبنية نفسية وحين نبحث عن عقدة أوديب في نص معين فلا يمكن أن نكرر ذلك في نص يدور مثلاً ضمن عقدة الكترا، فنكون بذلك قد اقتربنا من مشكلة «الإملائية»، وكذلك الحال مع بقية المناهج التي تقرأ الأدب كبنية جمالية أو اجتماعية أو أسطورية.
ويبين الجبيلي أن ما جعل النقد في العراق يبلغ هذا المستوى من الهزال وشيوع الملائية هو فقر ثقافة الناقد والحاجة إلى التخصص والدرس النقدي وحلول الطارئين على هذا المجال المهم بسبب التقليد والتبعية وعدم الأصالة وانحدار الثقافة في العراق على نطاق عام.
أما الحلول المقترحة من وجهة نظره لوقف شيوع هذه الظاهرة فتكمن في تبني وتفعيل ما يسمى «نقد النقد» أو «نقد الملائية في النقد» وهذا يطلب حضور نقاد معروفين جادين للرد على زيف هؤلاء وتعرية أدواتهم الإجرائية عن طريق استعمال الخطاب النقدي نفسه لتحليل هذه (النقود الملائية) وفضحها بما يعود بالغنى والفائدة على الخطاب النقدي في العراق.
تخادم ثقافي
من جانبه، لم يستغرب الناقد علي شبيب ورد مما يجري في وسطنا الثقافي من خراب شامل، لاسيما ونحن نعيش في راهنٍ مريب تعمُّه الفوضى ويصيبه الشلل الظاهر للعيان وعلى مختلف المستويات. فالخراب أنشب مخالبه في جسد حياتنا الاجتماعية، بسبب خمول النشاط الاقتصادي، الذي يلعب دوراً حاسماً في التأثير على الأنشطة الاجتماعية الأخرى ومنها النشاط الثقافي. فالحياة الثقافية تفتقد إلى مرتكزات اقتصادية ضرورية لكل تنويعات الحراك الثقافي العملية والنظرية، ومنها المنجز الإبداعي وما يتبعه من منجز نقدي. وما من شك أن وسط ثقافي مرتبك كهذا، سوف يستقبل حشود من أنصاف المثقفين، وفي كل تنويعات الأجناس الإبداعية. وعلى ما تقدم، يكون النقد قد ابتلى بتدخل (السابلة) في شؤونه، كما ابتلت مجالات الإبداع الأخرى بتدخل المتطفلين، بالإضافة إلى هذا، فإن تعدد وسائل الإعلام، وغياب الرقيب الجمالي على المنجز الإبداعي، أدى إلى اختلاط الحابل بالنابل، وهيمنة الكتاب الطارئين.
ويوضح ورد أن تفشي الفساد في مجمل حياتنا العامة، لعب دوراً كبيراً في وقوع بعض النقاد الباحثين عن الشهرة السريعة، وغيرهم من النفعيين، الذي حولوا النقد إلى وسيلة لمآرب غير إبداعية. والأنكى من ذلك أن بعض النقاد المعروفين، حولوا شغلهم النقدي إلى عمل وظيفي، فهم يكررون رؤاهم النقدية في كل منجز يتعرضون له.
فتبدو كتاباتهم تقريرية خالية من حسن قراءة ومن ثم خصوبة تأويل، وكأنهم اعتمدوا نموذجاً كتابياً يطبقونه على مختلف الأعمال الإبداعية. وهذا التعامل الملاّئي في الإجراء النقدي، ليس جديداً، بل هو ممارسة قديمة وطاغية، وقد مارسها (موظفو الثقافة) على مر العصور. خاصة بعض الكتاب الذين يتعاملون مع أكثر من جهة إعلامية، فتظهر كتاباتهم متشابهة وذات صيغة ملاّئية. وبات من العسير إيجاد حلول سريعة ومجدية لهذه الظاهرة الثقافية المرضية، كونها تتطلب معالجة شاملة لحياتنا الاجتماعية التي تسودها علاقات غير إنسانية. ولتحقيق ذلك يتطلب بناء مجتمع مدني تدير شؤونه مؤسسات متنوعة نابعة منه وهادفة إلى تطويره نحو الأفضل، وفق مبدأ التخادم الثقافي بين الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني. وهنا تنتج علاقات ثقافية جديدة، قوامها الحوار التفاعلي، والنقد البناء، القائم على احترام الإنسان لعمله اليدوي والفكري. حينها لن تعود هناك ضرورة تستدعي من الكاتب، تسفيه عمله الإبداعي، وتحويله إلى نص مستهلك ومكرر وهابط وذي طابع ملائي.
تراكيب لغوية
أما الشاعر والأكاديمي عماد كاظم العبيدي، فيؤكد أن هذه الظاهرة تنبئ عن خواء روحي ونقدي في آن، وهي محاولة لاستغفال المتلقي بواسطة تراكيب لغوية تبهرج المعنى ولا تستوطن فيه وبذلك يسعى (النقاد) الجدد؛ من هذا النوع، لتعويض النقص الحاد في وعيهم النقدي، إذ إن لديهم جملاً جاهزة لا تشير إلى معنى خاص في بنية النص الأدبي بقدر ما تنحاز نحو عموميات دلالية تطفو على سطح (الدراسة النقدية) تسهم في عملية هدم التلقي عن طريق هدم البناء النصي الأدبي حين تسحب النص نحو متاهات لفظية تغري المتلقي باصطلاحيتها الرنانة لكنها قائمة على التشتت، ظنا من (نقادها) بأنهم قادرون على خداع الآخر حين يوهمونه بأنهم عملوا على تفكيك النص وكشف شيفراته بهذه اللغة المبهرجة متناسين أو متغافلين أن أغلب المتلقين يكتشفون هذه اللعبة، خاصة إذا ما عرفنا أن الأدب لا يتواصل معه إلا المثقفون أنفسهم الذين يحكمون صنعتهم في التلقي والإنتاج.
ومن هنا، يكشف العبيدي أن من أسباب هذا الظاهرة محاولة البعض ركوب موجة النقد بعد فشلهم في بقية الأجناس الأخرى، خاصة الشعر- ولنا أمثلة كثيرة في الساحة النقدية العراقية من هذا الصنف- منطلقين من خطأ فادح مفاده أن النقد آراء تعطى وليس بالضرورة أن تكون هي التي أرادها منتج النص، فيسعون إلى الخزعبلات اللفظية الجاهزة التي تنطبق على أي شاعر… وأيضاً بسبب صعــــود ظاهــــرة (النقاد) الأميين الذين ساعدت المؤسسات الثقافية (المؤدلجة) على صناعتهم ليكونوا لسان حال تلك المؤسسات، وأيضاً الحالة المزرية التي تمر بها الثقافة العراقية الراهنة من هبوط الوعي الثقافي بشكل عام بعد غياب الحقيقيين ولا يمكـــن إغفـــال قضــــية المتلقي (الأمي) الذي ساعد على انتشار الظاهرة، لأنه يضن هذه الخزعبلات فتحاً نقدياً بسبــب جهله المتأصل فيه، بل وصل الحال أنهم راحوا يجاهرون في تمجيد هؤلاء النقاد (الخدعة) في الجلسات الأدبية أو في المقالات المنشورة، فصرنا نسمع عبارات مثل (الناقد الكبير) و(شيخ النقاد) ومن هذا المهازل التي لا طائل لها سوى تخريب الذائقة النقدية العراقية وتخريب المنجز النقدي الذي أسسه عمالقة من النقاد العراقيين الأصلاء من الستينيات وحتى الآن.