عندما كانت القمة العربية الثامنة والعشرون الملتئمة في البحر الميّت بالأردن تدين تدخل إيران في أكثر من بلد عربي، كان وزير الثقافة الإيراني رضا صالحي أميري يقوم بزيارة رسمية للجزائر طغى عليها الحديث عن «تجربتَي» الجزائر وطهران في الحرب على «الإرهاب التكفيري».
أي صدفة عجيبة رتبت لهذه الزيارة كي تتزامن مع قمة عربية لم يكن لها همّ غير إيران؟
من حق أيّ مراقب فطن أن يربط بين توقيت هذه الزيارة واللغة التي أحاطت بها من الجانبين، وبين الغياب الجزائري في القمة العربية على الرغم من مشاركتها بوفد رفيع قاده الرجل الثاني في الدولة، رئيس الغرفة الثانية بالبرلمان، عبد القادر بن صالح.
هناك سؤالان لا بد من طرحهما: الأول، كيف خُطط لهذه الزيارة لتتزامن مع القمة؟ الثاني، كيف سُمح للخطاب عن محاربة «التكفيريين» أن يطغى عليها؟
لا بد أن شيئا ما أصاب الدبلوماسية الجزائرية والتخطيط في أعلى هرم السلطة قاد إلى هذه المصادفة غير المريحة للجزائر كدولة.
دون الخوض في مستنقع الطائفية والمذهبية والتراث العقائدي، لا يوجد أيّ وجه شبه بين محاربة الإرهاب بالمفهوم الجزائري، ومحاربة الإرهاب بالمفهوم الإيراني. «التكفيري» عند الإيرانيين هو كل من يعمل على الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، ولو كان ملحداً. هناك خلط متعمد من إيران و»محور المقاومة» لسلب السوريين حقهم في الحلم بالحرية. والإرهابي عند الجزائريين هو إلى حد ما المتعارف عليه هناك وهناك، من دون ألوان عقائدية ومذهبية.
وبعيداً عن المذهبيات مرة أخرى، لا يوجد أيّ وجه شبه بين الحرب التي تقول السلطات الجزائرية إنها خاضتها على الإرهاب وتتباهى بنتائجها ورصيدها فيها، وبين تجربة إيران في الحرب على من تعتبره ومحورها إرهابا: تجربة الجزائر انتهت، والتجربة الإيرانية مستمرة لا أحد يضمن نتائجها. تجربة الجزائر داخلية، والتجربة الإيرانية عابرة للحدود. تجربة الجزائر «مجردة»، والتجربة الإيرانية طائفية. تجربة الجزائر مباشرة، والتجربة الإيرانية مباشرة وبالوكالة. الجزائر خاضت تجربتها لحماية نفسها، وإيران تخوض تجربتها لمد نفوذها الديني والاستراتيجي.
هناك خلل هيكلي فادح يقتل في المهد أيّ محاولة تشبيه. ويلغي أي كلام عن تعاون وتبادل تجارب وخبرات! أسوأ من ذلك، في تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت السلطات الجزائرية في مواجهة دموية مع الجماعات المتشددة، كانت إيران، منذ البداية، متهمة بأنها تدعم تلك الجماعات. صحيح لم يثبت أي دور إيراني داعم لتلك الجماعات، لوجيستيا أو سياسيا أو إعلاميا، لكن موقفا تشكل بين النخب السياسية الإعلامية يدين إيران. ربما كان ذلك ضمن مرحلة بحث الجزائريين عن أي شمّاعة يلومونها ويعلقون عليها بعض أسباب محنتهم، لكن المحصلة أن صورة إيران كانت سلبية ونزلت العلاقات بين البلدين إلى فتور كبير.
في مقابل أميري في الجزائر، كان بن صالح يقود وفد الجزائر إلى القمة العربية بالبحر الميّت. في كلمته أمام القادة تحدث بن صالح عن الإصلاحات السياسية والدستورية التي أقرتها الجزائر، وعن الانتخابات النيابية المقبلة وتوفر شروط نزاهتها! أما وزير الخارجية المكلف بإفريقيا والمغرب العربي والجامعة العربية، عبد القادر مساهل، فوجه نداءً، لم يسمعه أحد، لإصلاح الجامعة العربية. كلام بن صالح في غير محله وهروب عن سياق القمة، ونداء مساهل معلّب يتكرر منذ عشر سنوات.
من حق الجزائر أن يكون لها موقف من إيران يختلف عن الموقف العام الذي تؤثر دول الخليج بقيادة السعودية في اتجاه صناعته. والجزائر فعلا كذلك وعلى مسافة من الموقف الخليجي تجاه إيران، لكنها لم تلتحق بعد بالمعسكر الآخر الداعم لإيران. هي الآن تقف محتشمة في الوسط. لو تأكد أن زيارة وزير الثقافة الإيراني، كما حدثت بالتفصيل، مقصودة ومخطط لها، سيسهل إدراك أن الموقف الجزائري الرسمي في القمة العربية بالبحر الميّت مقصود هو الآخر ومخطط له (هذه ستفسّر تلك)، خصوصا أن بن صالح «رسول» مخلص لا يحيد عن النص ولو بحرف. آنذاك سيسهل التصفيق للقيادة الجزائرية لأنها يكون قد أصبح لها موقف جريء تجاهر به.
بيد أن الأمر ليس كذلك بالضرورة، لأن هناك معضلة في أعلى السلطة اسمها الفراغ.
على الأغلب، الارتباك والتراجع الذي أصاب الدبلوماسية الجزائرية هو ما يفسر هذه «الخالوطة». والسبب الأعمق هو مرض الرئيس بوتفليقة الذي عزله عن العالم. فلو كان الرئيس حاضرا ومتابعا، ما كان سيسمح بموقف مناوئ لقادة دول الخليج ويثير غضبهم أو ريبتهم، مثل تزامن زيارة وزير إيراني للجزائر وحديثه عن «الإرهاب التكفيري» عشية انعقاد قمة عربية ترعاها دول الخليج، إيران عنوانها الأول.
المسؤولية تقع أيضا على بوتفليقة، فقد أمسك بكل شيء في فترة عنفوانه وقوته، وأخذ معه كل شيء عندما أقعده المرض وعزله فلم يترك شيئا لأحد. والنتيجة: خبط عشواء.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي