في سجن بوكا، ومن بين جماعة الزرقاوي التي كانت تنتمي للسلفية الجهادية، ظهرت مجموعة غاية في التطرف والغلو، تمرست بتنفيذ هجمات ضد من تتهمهم بالعمالة من بين المعتقلين، وغالبهم كانوا بالحقيقة خصوما حزبيين وفكريين ليس إلا.
وفي اواسط عام 2005 وبينما كنت معتقلا في سجن العامرية ببغداد على خلفية عملي الصحافي، نقل لي بعض السجناء الاسلاميين، مشاهد مفزعة من افعال هؤلاء المهووسين بالانتقام من خصومهم بأي تهمة، وإن لم تثبت حتى مع تأويلاتهم الشرعية التي انتهجتها عقولهم الانتقائية المختلة، ونفوسهم المأزومة، حيث كانوا يلجأون الى فقء عيون خصومهم داخل السجن، ورغم معاقبتهم بالسجن الانفرادي وعزلهم كانوا يعودون لهجماتهم كلما سنحت لهم الفرصة.
ومن هذه الاجواء خرج من يؤمن بما يسمى «التكفير بالسلسلة»، ومختصرها يدعو لتكفير كل من لا يكفر المشركين، اعتمادا على الناقض الثالث الذي تحدث عنه الشيخ محمد عبد الوهاب، وصولا لإخراج كل المسلمين من الملة، فاصطدموا برفاقهم من جماعة التوحيد والجهاد باشتباكات، في الوقت نفسه الذي كانت فيه مواجهات اخرى تندلع مع معتقلي جيش المهدي الشيعة في السجن. ومن ذلك الحين، ورغم ضآلة تأثير هذه الجماعة واتباعها، تناوبوا على الظهور عدة مرات في صفوف تنظيم «الدولة» وصولا ليومنا هذا، ووقع الصدام معهم عسكريا وتحجيمهم أمنيا، كما جماعتهم الشقيقة التي تدعى الحازمية، ولكن مؤخرا، تمكن مؤيدون لهم من إصدار بيان شرعي من اللجنة المفوضة للتنظيم، يتحدث عن تكفير عوام المسلمين الذين يشاركون بالانتخابات، وأيضا جرت إقالة هؤلاء الشرعيين، وهم ليسوا بالضرورة مرتبطين بجماعات اخرى ولكنهم يؤمنون مثلهم، بـ»التكفير بالسلسلة»، خصوصا أن الغلو بالتكفير، بالتعيين والإطلاق، هو أمر وقع فيه تنظيم «الدولة» أيضا، فقائد تنظيم «القاعدة» في العراق ابو مصعب الزرقاوي مثلا هو من تم اعتماده كمرجع في بيان المفوضية الشهير، باستحضار كلام منسوب له يقول بخروج المسلمين الذين يشتركون بالانتخابات عن الملة، ولو نظرنا لهذه المرحلة، لرأينا ان قادة التنظيم استخدموا التكفير لتبرير نزاعهم السياسي في كثير من الاحيان، فرموا بعض منافسيهم السلفيين بالكفر، خصوصا «من خالفهم» سياسيا وخرج عنهم حزبيا من الجهاديين، كجبهة النصرة التي كانت يوما جزءا منهم، والتي لم تتحالف مع قوات التحالف ضدهم في أي مواجهة. وبسبب وجود مرجعية فكرية مشتركة بين التنظيمات الجهادية التي تتمسك بما يسمى نواقض الاسلام عند عبد الوهاب، فإن التأويل والاشتقاق يصل باتباع هذه المدرسة احيانا لغلو فوق الغلو، وبسبب وجود جذور لهذا الفكر داخل تنظيم «الدولة»، فإن عشرات المناظرات والجلسات عقدت بين شرعيين للنقاش بالامر، ذكر فيها احد شرعيي التنظيم انه يجب عليهم بهذه المسائل الكبرى ان لا يأخذوا بقول مشايخ النجدية، بل بصريح الكتاب والسنة. ولكن المسألة أبعد من ذلك، فهناك أيضا تيار متشدد، اعتاد الطعن بعدد من كبار علماء مذاهب السنة، مثل يحيى بن شرف النووي وغيره الكثير، بل يصل بهم الامر لتكفير ابو حنيفة، اعتمادا على اقوال خلافية قديمة عنه، ثار حولها نقاش مستفيض، تتعلق برفض طريقة الامام ابو حنيفة، التي تستخدم الرأي والعقل، اكثر من بعض النصوص والاحاديث، لهذا فالقضية تتصل بجذور مديدة من التنازع الفقهي والكلامي، بين اصحاب مدرسة الرأي والعقل والمقاصد ومدرسة النص والحديث والظاهرية.
والمتتبع لحال الفصائل الجهادية المسلحة في سوريا، يراها وعلى الرغم من اجادتها للعمل العسكري وادارتها الصلبة للصراع وتمسكها بهوية عميقة بمواجهة نزاع طائفي جارف، إلا أن الشق الآخر ذا النزعة القبلية، فقها وممارسة يقودها لمآلات أكل الذات، من تنابز ومهاترات فكرية يؤججها النزاع السياسي، وتحت تبريرات شرعية فقيرة، لتغطية التنافس الحزبي، وصولا للاقتتال الماحق، بين اصحاب المرجعية نفسها بل التنظيم نفسه، بين «الدولة» والنصرة، وبين النصرة وجند الأقصى، ومن ثم النزاع داخل تنظيم «الدولة» نفسه، أي ان جذر العقل القبلي الاقصائي يقودهم بالنهاية لقتال انفسهم، تماما كما يظهر في احد الكاريكاتيرات.. مقاتل سلفي يحمل سيفا بيده وسيفا اخر بقدمه، يقاتل بعضه، بعضه الآخر .
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام