يصلني كثير من العتب واللوم من زملاء أحترمهم في الأردن و منهم أصدقاء على انتقادي المستمر للتلفزيون الأردني، مبررين أن هذه المؤسسة الوطنية العريقة لها تاريخها المحترم، وأن مآلها الراهن سببه قلة الموارد والإمكانات.
لا أجدني متجنيا، والتلفزيون تحت وابل القصف النقدي في الصحافة الأردنية المحلية عموما، لضعف محتواه وترهله الإداري منذ سنوات طويلة.
لكن، لكي أكون منصفا لا متجنيا، تابعت بشكل أكبر وبقدر ما تيسر لي من وقت بعض برامج التلفزيون الأردني، لأجد في المحتوى البرامجي ومضات وإضاءات لو توافرت لها أدوات إنتاجية أكبر لكانت الأفضل جودة، كما وجدت في ذات المحتوى البرامجي إخفاقات موجعة توافر لها إنتاج ضخم لكن الإعداد والتنفيذ من النوع الرديء.
باختصار، فإنتاج التلفزيون الأردني يشبه ما قاله الساخر الإيرلندي الراحل برنارد شو حين وصف رأسه الأصلع ولحيته الكثة فقال أن هناك غزارة في الإنتاج و سوء في التوزيع.
الدعم المادي ضروري
فلنبدأ من المحتوى الجيد وقد بخل عليه التلفزيون بالإنتاج الذي يستحق، فقد تفاجأت ببرنامج أسبوعي ينتجه التلفزيون الأردني اسمه «عين على القدس»، يقدمه الإعلامي المخضرم الباقي من الزمن الجميل «جرير مرقة»، (و قيل لي أن وزير الأوقاف الحالي كان يقدمه)، وكانت الحلقة تحتوي تقارير مصورة في الأرض المحتلة، ولقاءات ثرية مع ذوي الاختصاص في فلسطين، مع ضيف في استوديو عمان، وهو استوديو هزيل بإمكانات متواضعة يضفي على الحوار مزيدا من الملل رغم ثراء الموضوع، لكن الإنتاج الجيد دوما يمكن أن يحمل الموضوع إلى آفاق أوسع و أكبر.
جميل أن نرى في زمن التساقط والخذلان وخيبات الأمل العربية، تلفزيونا رسميا مؤمنا بالقدس، والحقيقة ان محتوى الحلقة التي تابعتها كان مفيدا وغنيا في المعلومات وبسقف مرتفع لا يتناسب وحالة الانبطاح العربي أمام إسرائيل و أوهام السلام.
التجهيز المسبق ضروري
في المقابل، لا يزال التلفزيون الأردني، بإدارته المعلنة أو الإدارة الشبح التي تديره خلف كواليس صناعة القرار، مصراً على رفد برامج بلا محتوى، وغير قابلة للمنافسة الحقيقية، بتمويل ورعاية إنتاجية ضخمة، رغم كثرة الإخفافات فيه.
الأردنيون، صاروا ينتظرون صباح كل جمعة، مترقبين العرض الكوميدي المسخرة لبرنامج «يسعد صباحك» والذي تحول من أيقونة من أيقونات التلفزيون الأردني من أطراف زمنه الجميل، إلى مسرح تهريج باهظ التكاليف يعكس واقع الاستهزاء بالمتلقي و تاريخ المؤسسة العريقة.
في حلقة الجمعة الماضية، ثارت سخرية « مثل كل أسبوع» على خطأ تقني قد يكون عاديا في أي محطة أخرى، فقد قدمت المذيعة باهظة التكاليف ولا يعلم أحد لماذا هي باهظة الأجر، ضيفتها الفنانة الأردنية الجميلة زين عوض لتغني في الستوديو، ليكتشف الجميع على الهواء ان لا أحد كان جاهزا لتحضير ميكروفون للفنانة الضيف، والتي كانت رغم حرجها متماسكة على الهواء، وفي الخلفية صوت المذيعة باهظة الأجر، تعطي التوجيهات وتحاول لملمة الموضوع، العادي والذي كان يمكن ان يكون مصنفا كأخطاء وعثرات في أي محطة أخرى، لكنه تم تصنيفه مسخرة بضجيج جماهيري مرتفع الصوت، والسبب هو حجم الغضب والحنق من البرنامج وما يدور حوله من إشاعات فساد ومحتوى لا يليق بحجم سمعته، ولا يحترم مشاهده الأردني، والأردني متلقي ذكي و ساخر بامتياز.
لو توقف التلفزيون عن إنتاج هذا البرنامج الذي يثير السخرية كل مرة، وحول إنتاجه لبرامج يتقنها أكثر مثل «عين على القدس»، فإنني على يقين أن التلفزيون الأردني حينها سيجد لنفسه طريقا للتميز على المستوى العربي وينافس بمحتوى برامجي محدد وواضح ومهم.
مظفر النواب
قبل أيام سرحت قليلا بأنباء رحيل مظفر النواب… و سواء صح الخبر ام لا، فإنني أتساءل عن سر هذا التعتيم الفضائي العربي على مظفر وأشعاره، وهو بحد ذاته تاريخ و جزء حيوي من أرشيف تاريخ النضال العربي من المحيط إلى الخليج، ومن الغريب أن لا تجد ولا محطة عربية تتحدث عنه او عن حياته و أثره على أجيال من اليسار العربي عبر عقود.
كان اليساريون، والثوريون، والمقهورون والمثقفون في أول تبرعمهم الثوري، يحملون أشرطة مظفر كمواد ممنوعة ومهربة في السر، وأنا ايضا كنت ممن يحملون اشرطة كاسيت مظفر وأخفيها داخل معطفي وفي أي مكان قصي في غرفتي وأستمع لها سراً و أنتشي لما أسمع.
أعتقد أننا كنا ننتشي للشتائم والمسبات المقذعة التي يصوغها مظفر للقيادات العربية والحكومات آنذاك لأن تلك المقاطع الشاتمة كانت تدغدغ قهرنا المكبوت في داخلنا، وكانت بلسما يخفف حروق هذا القهر في النفس.
لكن، بعد ان كبرت و نضجت – أتأمل أنني نضجت فعلا- أجدني لا أطرب لكل تلك الشتائم، ولا أرى فيها بلاغة ولا سحراً ولا بيانا، فعلى طريقة مظفر فإن الواقع الذي نحن فيه أكثر بذاءة من الواقع الذي شتمه مظفر حينها.
لكن…أجدني أنتبه، لتلك الصورة الساحرة في بعض الومضات المظفرية، هذا التكثيف في التشبيه والرمزية والاختزال ، مثلا… يتحدث عن نفسه في تلك الحانة البعيدة، وفي صورة تكشف طريقة جديدة في قياس ليل هذا الثمل الحزين يقول:
( ..يحزنك المتبقي من عمر الليل في كاسات الثملين).
وصف خرافي مدهش، يعكس حالة مغرقة في الوجد والتكثف والحزن. يقيس الليل عبر ما يتبقى في جوف الكاسات ، فإن فرغت كلها انتهى الليل..كله.
أي وحدة أكثر وحشة من تلك…؟
وهناك ومضات مظفرية عديدة تشبه هذا التجلي اللامع. لكن هي خاطرة…أحببت توثيقها لا أكثر، مستغربا مرة أخرى عن سر هذا التعتيم الإعلامي على شاعر عراقي عربي فعلا ملأ دنيانا وشغل الناس، ردحاً من زمن ولا يزال.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة