«التموضع» الروسي في سوريا: إلى إيران دُر!

حجم الخط
2

حتى قبل أن تكمل روسيا سحب «الجزء الرئيسي» من قواتها من سوريا، وصلت إلى دمشق طلائع من «القوات الخاصة» الإيرانية لتكون على أهبة الإستعداد لملء أي «فراغ عسكري» ربما يُخلفه قرار الرئيس الروسي فلادمير بوتين، الذي فاجأ الكثيرين، لكنه لم يفاجئ طهران التي علمت به وتناقشت حوله وتفاهمت بشأنه عن دورها فيه، مع نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف الذي زار طهران، وعقد الاثنين 7 الجاري جولة مفاوضات مع نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان وباقي كبار المسؤولين، وصفت بالحاسمة. وكان لافتأ أن المشاورات الإيرانية الروسية شهدت « تبادلا صريحا للآراء حول حزمة من المسائل الملحة على جدول الأعمال الشرق أوسطية» كما ورد في النص الرسمي الروسي الذي أعادت نشره وزارة الخارجية الإيرانية على موقعها الرسمي، في إشارة إلى أن شيئا ما سيحدث في سوريا.
وعُلم من دهاليز وصالونات صنع القرار في إيران أن المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يرأسه ـ وفق الدستور- الرئيس حسن روحاني، أُحيط علما بالقرار الروسي، وأرسلت إيران على الفور دفعة من قواتها الخاصة، إلى سوريا، لتطمين الحليف المشترك الرئيس بشار الأسد، ان شيئا ما لن يتغير على الأرض، حيث تريد الأطراف الثلاثة سوريا وإيران وروسيا تسجيل المزيد من الانتصارات العسكرية، لاستثمارها في صنع عملية السلام المنشود عبر المحادثات في جنيف.
وقد استقبل الرئيس الإيراني روحاني زيارة بوغدانوف قبل وصوله، بتصريح لافت كان سبقه بتصريح مماثل، رئيس تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني، عندما قال روحاني الأحد 6 الجاري إن علاقة بلاده مع روسيا متميزة وتقوم على التناغم والتنسيق بين البلدين. لكنه شدد على أن ذلك لا يعني أن إيران توافق على أي خطوة تقوم بها روسيا في سوريا. وأكد روحاني، أن إيران مع وحدة الأراضي السورية، وسيادة الدولة على كامل أراضيها، مشددا على أن مستقبل سوريا يقرره شعب البلد، وهي إشارة قد تفسر أن اختلافات طهران وموسكو تتمحور حول رفض إيران الفيدرالية في سوريا بينما لا تعارضه روسيا، إضافة إلى آلية إجراء الانتخابات الرئاسية وموعدها بين 2017، و2020 نهاية ولاية بشار الحالية.
ونقلت الأوساط السورية والإيرانية على السواء أن الأسد رفض فكرة إجراء انتخابات رئاسية في العام 2017 باشراف الأمم المتحدة، وهو يصر(حتى الآن) على أن تجري الانتخابات في 2020 وتحت إشراف الحكومة السورية.
وليس خافياً على العارفين بتضاريس الرواق الإيراني المعقد، أن المجلس الأعلى الإيراني قد يشهد بعد عيد النوروز أو خلال أيامه الطويلة «خضة» لاعادة ترتيبه إلى جانب حكومة الرئيس روحاني وإيجاد تغييرات ربما تطال الأمين العام الحالي علي شمخاني لصالح نائب وزير الخارجية عباس عراقجي الذي كان كبير المفاوضين النوويين، وهو استحقاق انتخابي بعد حصول التيار المعتدل الذي يضم الإصلاحيين ومعتدلي الاصوليين المحافظين، لكن الملفت فيه هو ما نقلته أوساط عليمة، عن «نقل» نائب وزير الخارجية للشؤون العربية والافريقية حسين أمير عبداللهيان، وفسح المجال أمام شخصية أخرى تنسجم أكثر مع طبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا واليمن بشكل خاص نحو المزيد من «التفاهمات « في الملفين السوري واليمني ، مع جيران إيران خصوصا المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر والإمارات.
طهران التي رحبت رسمياً بقرار بوتين، بحثت في المجلس الأعلى للأمن القومي الذي عقد أيضا جلسة يوم الأربعاء الماضي أي بعد يوم من بدء الانسحاب «الجزئي» التعاطي الإعلامي مع «القرار الروسي» رغم أنها كانت تعلم به من قبل، وقرر الأعضاء العسكريون في المجلس، أن يُصعد الحرس الثوري وعموم القيادة العسكرية من لهجة التصريحات إزاء سوريا، حيث أعلن نائب قائد القوات البرية اللواء علي آرستة يوم الأربعاء أيضا، أن إيران سترسل قوات خاصة وقناصين إلى سوريا والعراق، بصفة مستشارين، بينما كان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري المسؤول عن الدعم العسكري الإيراني في سوريا، اللواء قاسم سليماني مشغولاً بالقاء خطب بدت «دينية» في مساجد مدينته كرمان، ركز فيها على دفع تهمة «الطائفية» ونشر «التشيّع «عن إيران، و»تعليم» خطباء المنبر الحسيني، كيف يكون أداؤهم في مناسبات تاسوعاء وعاشوراء والأربعين والأيام الفاطمية، لتعبئة الجماهير نحو الأهداف المنشودة، دون أن يتطرق حينها، إلى «الانسحاب» الروسي «الجزئي»من سوريا!.
وعموماً لابد من الإشارة إلى أن طهران تفهم أن حقيقة «التموضع» الروسي في سوريا، إنما هو «تخفيض» قوات لدفع عملية التسوية إلى أمام والسماح لإيران للعب دور أكبر على الأرض في إطار صراعات الإقليم بالوكالة مع السعودية، وأن القوات اﻟﺮﻭﺳﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ تعود إلى روسيا ﻣﻦ ﺳﻮريا، ستعود مرة أخرى في أي لحظة إذا استدعت الضرورة.
لكن المفيد بالنسبة لإيران هو أن ما قررت روســـيا إعادته يشمل فقط: ﻧﺼﻒ ﺍﻟﻠــﻮﺍﺀ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻗﻮﺍﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﺍﻟﺘﺎﺑﻊ ﻟﻠﺠﻴﺶ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﺍﻟﺮﻭﺳﻲ، ﺍﻟﻐـــﻮﺍﺻﺔ ﺍﻟﻨﻮﻭﻳﺔ ﺗﻴﺮﺳﻜﻮﻑ، وﺍﻟﺴﻔﻴﻨﺔ ﺍﻟﺮﻭﺳﻴﺔ ﺗﻮﻟﺪﺳﻮﻑ ﺍﻟﺤﺎﻣﻠﺔ ﻟﻠﺼﻮﺍﺭﻳﺦ، و20ﻃﺎﺋﺮﺓ ﺳﻮﺧﻮﻱ ﻣﻦ أﺻﻞ 100 ﻃﺎﺋﺮﺓ، و25ﻃﺎﺋﺮﺓ ﺣﻮﺍﻣﺔ ﺻﺎﺋﺪ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻣﻦ أﺻﻞ 125، وﺣﺎﻣﻠﺔ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺍﺕ ﺍﻟﺮﻭﺳﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺳﺘﺼﻞ ﻟﺴﻮﺭﻳا ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺨﻤﻴﺲ الماضي، وﻃﺎﺋﺮﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻟﻠﺮﺻﺪ ﻭﺍﻹﻧﺬﺍﺭ ﺍﻟﻤﺒﻜﺮ c155 ﻣﻦ ﺃﺻﻞ ﺛﻼﺙ ﻃﺎﺋﺮﺍﺕ، مع بقاء أنظمة الصواريخ اس 400، وبقاء قاعدتي طرطوس حميميم في الخدمة، إلى جانب تواصل شن غارات على جبهة النصرة وداعش، والمشاركة الفعالة في تحرير تدمر.
وعليه فان الثابت لدى الإيرانيين أن الرئيس بوتين، وهذا هو المهم بالنسبة لهم، لن يتخلى عن الأسد، ولا ينسحب من سوريا، وأن حكاية «الإنسحاب» سياسية وليست عسكرية.
بالنسبة لإيران وسوريا، فان مصلحتهما أن تتحرر روسيا من الكثير من القيود لتظل الداعم القوي خلف الكواليس في التفاهمات مع أمريكا، بعد أن أنهت المهمة وهي حفظ النظام ومؤسسات الدولة والرئيس بشار الأسد، والتصريح علناً ورسميا أن الحديث عن رحيله «مضحك» خصوصا وأن النظام بات يملك الآن كافة الأدوات من أجل مواصلة العمل على المسارين العسكري والسياسي، ويساهم في المصالحات التي تجري بعيدا عن الكاميرات، إضافة إلى دوره المباشر في التوصل لاتفاق الهدنة، مع استمرار عملياته العسكرية ضد النصرة وداعش، كما هو واضح في المعارك الأخيرة خصوصا بشأن تدمر.
وبدا واضحا أيضا أن القرار الروسي الذي جاء مع إعلان بدء العمليات العسكرية لضرب داعش في الرقة، يشير إلى أن العملية العسكرية كلها ستكون بإشراف وتنفيذ أمريكي، لمنح الرئيس أوباما «نصرا» يحلم به ضد داعش، يمهد له وفق إطار يحدده مجلس الأمن بموافقة روسيا، من التدخل «غير العشوائي» في لييبا، حسم موضوع الموصل في العراق، وكل ذلك يجري في إطار من تقاسم أدوار أمريكي روسي بعد نجاح «وقف العمليات العدائية» وإطلاق المسار الدبلوماسي والمفاوضات في جنيف التي بات النظام هو من يصرعلى تمثيل كل «أطياف»بين المعارضة، مصرا بشكل ملفت أيضا على رغبته في تطبيق بنود القرارات الأممية لضم كافة «أطياف المعارضة» إلى جنيف، مع استعداد للجلوس وجها لوجه مع ممثلي «المعارضات».
وقدم الوفد السوري إلى جنيف جملة من الأفكار والمقترحات في مقدمتها رفع الحصار والعقوبات على سوريا، وتثبيت أسس الحوار على قاعدة القرارات الدولية المتعلقة بتسوية الأزمة السورية، وهذا كله بعد قرار «الإنسحاب الروسي الجزئي» من سوريا الذي كان تمت مناقشته قبل حصوله مع دمشق، وتم الاتفاق أن يتزامن الإعلان عنه مع بدء إطلاق محادثات جنيف، بما يؤكد أن الأزمة تتجه نحو حل سياسي، تريده دمشق وطهران وموسكو، «شاملا» في سوريا، يقطع الطريق على دول الإقليم، ومنعها من عرقلة السلام والتدخل العسكري المباشر في سوريا خصوصا تركيا والسعودية، ويفتح صفحة جديدة في العلاقات بين روسيا وهذه الدول.
وبدا لافتأ أن قرار بوتين جاء بعد المقابلة المثيرة للرئيس الأمريكي باراك أوباما مع مجلة «ذي أتلانتيك» ودعوته الواضحة السعودية وإيران إلى التعايش وتقاسم النفوذ في المنطقة، وزيارة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الرياض، وإبلاغها بصوت عال بعد أن التقى الملك سلمان وولي ولي العهد ووزير الخارجية في قاعدة عسكرية بالسعودية «أن الوقت قد حان الآن لمواصلة المضي قدما لإنهاء الصراعات في سوريا واليمن» حيث يجري بالفعل وقف العمليات العسكرية الكبرى، بعد تفاهم «الحدود» بين السعودية والحوثيين.
كما جاء القرار بعد تفاهمات غير معلنة بين طهران وانقرة خلال زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد أوغلو إلى العاصمة الإيرانية مفادها أن تركيا وافقت على بقاء الرئيس الأسد، والعمل على قبول «التسوية السياسية بأدوات جديدة».
وحتى قبل الخطوة الروسية «المثيرة» فان كيري كان أبلغ إحدى لجان الكونغرس أواخر شباط/فبراير أن إيران سحبت «عددا ًمهما» من عناصر الحرس الثوري من ساحات المعارك في سوريا، وذلك قبل يومين من إعلان وقف إطلاق النار في سوريا، موضحا أن تدخل إيران المباشر يتراجع في سوريا، ومؤكداً أن الحرس الثوري سحب عناصره بالفعل من سوريا، قائلا: «لقد سحب آية الله خامنئي عددا مهما من الجنود هناك، تواجدهم يتراجع فعليا في سوريا».
وطبعا فإن إرسال إيران وحدة قوات خاصة جديدة إلى سوريا بعد تــصــريح كــيــري جاء بالتفاهم معها للحـــيـــلولة دون فرض عقوبات جديدة عليها بسبب تجارب صواريخها الباليستية، هو إجراء إحترازي من قبل الحرس الثوري الإيراني لضمان نجاح العملية السياسية، ما يؤكد أن الخطوة التالية، إذا تقدم المسار السياسي دون «منغصات» ستكون تخفيض وجود قوات حزب الله في سوريا خلال الفترة القريبة، أو ملأ كل «الفراغات» بقوات بديلة!.

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية