التموقف بالتخييل أو السرد العاري

حجم الخط
0

حينما يصبح التخييل الأدبي بجماليات أساليبه وبلاغة استعاراته وصوره، آلية إبداعية خادمة لإيديولوجية الكاتب وانتمائه الفكري، وموقفاً أدبياً مسفراً عن تحيزه المذهبي، يساند فيه أو يعارض قضايا عصره بصورة معلنة، يحق للقارئ هنا أن يجعل القيمة الفنية لهذا التخييل الأدبي موضع تساؤل، أي حينما تجتاز بلاغة النص جماليتها التلميحية إلى الدلالية التصريحية المباشرة بالمواقف الأيديولوجية. وفي المقابل؛ هل هناك تخييل أدبي يبقى معلقاً في الهواء، بدون أن يفضي في كليته إلى أي انتماء فكري، أو تعبير عن رؤية أو موقف من العالم؟ وهل من الخير لأديب ما أن يبقى على مسافة حياد واحدة ومتساوية من جميع القضايا والأصوات المتحاورة في نصه؟

أولاً- التموقف الأيديولوجي
التسريد الواعي واللاواعي

من زاوية المواقف الواعية لصاحب النص؛ هل ينتمي إلى مفهوم المثقف؛ كاتب لا منتمٍ يطرح فكره الإبداعي بصورة حوارية متكافئة الأصوات، ومتساوية المسافات من جميع المواقف والرؤى المعبر عنها في النص؟ حين يركن إلى سلبية الحياد؟ تاركاً أصوات شخصياته وزوايا النظر الفكرية في نصه تتضارب بدون حسم أو تغليب فئة أو صوت أو موقف عن البقية؟
وفي زاوية الانكتاب اللاواعي للنص؛ وما يتسلط على ذهن كاتبه من ميولات وانتماءات فكرية سكنت عبارات الكاتب ومواضيعه؛ هل يُحسب ذلك التموقف الأيديولوجي المعلن من طرف الكاتب في نصه لمصلحة الفكر الروائي، حين تفضحه بلاغة صوره واستعاراته المتسلطة؟ أو عندما تتحيز وجهة نظره بصورة مباشرة ومعلنة، فتنحو إلى إعلاء صوت ما على حساب بقية الأصوات في النص؟ وذلك يبدي انتصاره لوجهة نظر معينة على بقية المنظورات والرؤى الفكرية المطروحة، فتنهدم هناك الحوارية، ويميد توازن مبدئها التشاركي المتكافئ وتختل مسافاتها المتساوية في سيرورة السرد.

ثانياً- التموقف الاستلابي الغربي بين أدورنو (جدلية السلبية) وباختين (الحياد الحواري)

في الحالتين (الواعية واللاواعية لتجلي الفكر السردي) سنكون أمام «جدلية سلبية» الأطراف (بمصطلح ثيودور أدورنو)، يقود فيها التخييل الأدبي وجمالياته، إما إلى أدلجة يقينية تخالف الطبيعة اللايقينية للأدب الذي ينكتب بها وفيها، وإما إلى حياد سلبي يقود إليه مبدأ الحوارية الذي يدعو إلى التكافؤ في طرح مختلف أصوات النص ورؤاه، وعوالمه وعدم التحيز لطرف على حساب البقية، درءاً لأحادية الصوت (الشعرية)، وانتصاراً للتعددية الحوارية السردية (باختين).
إننا بالأحرى أمام أطروحتين عريقتين فكرياً وأدبياً، لكل منهما أسانيدها الحجاجية؛ طرفها الأول يجعل من السلبية في الطرح رهاناً للمثقف اللامنتمي، ويمكن هنا أن نجاور سلبية أدورنو (الجدلية السلبية للمثقف الانسحابي) وسلبية باختين (مبدأ الحوارية الحيادي- أو اللاتموقف). على الرغم من ميتافيزيقية فكرة «اللامنتمي» التي تعد شكلا من أشكال الانتماء بدورها.

ثالثاً- التموقف الاستلابي للكاتب العربي
(السلبية الثالثة- التخييل التصريحي)

متموضعاً بين طرفي هذه الجدلية السلبية (الغربية)، يطرح الكاتب العربي موقفه السردي على شاكلته، حين نلفي امتداد نصوصه بين طرفي جدلية مماثلة، شقها الأول: لغة دورانية حول ذاتها تغطي – في حال الحياد الفكري- استلابها الأيديولوجي بسحر العبارة وانسيابية اللغة وجرس الكلمات حد الهذيان الخواطري المعلق في الهواء، والشق الآخر من الكتابة العربية انتماء مقنّع يلعب فيه التخييل دوراً مضاداً للتخييل نفسه، باتخاذه منحى تصريحياً عن مواقف الكاتب بعيداً عن مهمة القناع أو ورقة التوت التخييلية، التي طالما ارتبطت به، وهي السلبية الثالثة التي حملها الروائي العربي إلى عالم السرد.
وعادة ما يتم فهم واستقبال هذا التموقف السلبي للتخييل لدى القراء والنقاد، باعتباره شجاعة مثقف وأدب قضية، ورسالة كاتب وأدبا هادفا، وشجاعة أدبية وغيرها من المفاهيم المتداولة كلما جاهر الكاتب بانتمائه الأيديولوجي، أو عجز عن إخفاء تطرفه لإحدى القضايا.
غير أننا نسميها بالسلبية من وجهة نظر فنية؛ ترى الإيجابية في أصالة فكرة التخييل وخدمة فنونه للأدب، وليس استغلال فنون التخييل لخدمة أجندات خارج أدبية، وهو ما يُمثل استلاباً طالما عاناه الفن عموماً تحت مسمى الرسائلية أو الهدفية، التي تجعل الكاتب نادلاً لدى مستخدميه ينفذ أجندات مصلحية ضيقة خارج فن الأدب، وهو ما يتجاوز السلبية والاستلاب إلى درك الاسترقاق، والسُّخرة.

رابعاً- استلاب التخييل
لدى فئة روائيي (شرق/غرب)

سنشترع مما سبق تسمية «السلبية التخييلية الثالثة التي تنقل وظيفة الأدب إلى بلاغة التصريح بالأدلجة، لعدة دواع؛ سواء ما كان منها بإرادة المؤلف أو عن عجز بشري عن مقاومة الاستعارات المتسلطة لأفكاره والتحكم في حوارية أصوات مجتمعه الروائي وتعطل آلة الإشارة والتلميح لديه، ويروج هذا النوع من الاستلاب: لدى فئة من الروائيين العرب، سنسميها «فئة الاتجاه (شرق-غرب)»، ممن استغلوا أزمات بلدانهم وشعوبهم ليركبوا بها شعارات دوائر إعلامية عالمية، تتعارض أيديولوجياتها مع هوياتهم، وقومياتهم، وتخدم بعض التكتلات والتيارات الاستقطابية الغربية، يتشفعون فيها إيصالهم للعالمية، إن هم استثمروا شعاراتها، ورددوا نداءاتها، وتمثلوا لها صوراً ونماذج في أعمالهم السردية، وهماً بأن العالمية لا تتحقق إلا بترديد شعار من يواليه الكاتب فكرياُ، في قابلية سافرة للاسترقاق وهرولة لا أدبية نحو الارتزاق، حتى إن كان على حساب هويته وأصوله ومبادئه التي لا يتردد في تحويلها من النقيض إلى النقيض، ونذكر هنا فئة هؤلاء الكتاب الذين جمعهم الرئيس الليبي المغتال معمر القذافي، وقدم لهم بعض الأموال، وعادوا إلى بلدانهم كتبوا في أعماله مقالات مدحية وتمجيدية، لينقلبوا على مواقفهم بعد الثورات العربية، ليصبحوا بين عشية وضحاها عرابي الشعوب المقهورة، ومناوئي الاستبداد الذين كانوا من سدنته وممجدي قادته قبل سنوات. (مقالاتهم المدحية الممجدة لهلاوس القذافي مثبتة لحد الساعة في الأرشيف الإلكتروني لملحق «الأثر» في جريدة الجزائر نيوز لمن يريد الاطلاع عليها).

خامساً- التخييل المضاد
لدى مُستغرِبة الرواية الجزائرية

ضمن الطبعة المفرنسة من روائيي (شرق/ غرب) حاول الجزائري كمال داود استئناف التحقيق الذي أوقفه ألبير كامو في نهاية روايته «الغريب» (جائزة نوبل1957)، في رواية اتباعية بعنوان «ميرسو تحقيق مضاد» صدرت معربة تحت عنوان «معارضة الغريب»، رواية ضاعف فيها كمال داود من صورة العربي المجرم والضحية معاً، وممجداً لقاتله الغربي، بشكل مباشر، لا رمزية فيه ولا تجريد فني، مانحاً التخييل السردي وظيفة التصريح بمواقف صاحبه الواقعية بدل التلميح والرمزية التي اعتدنا عليها في فن الرواية، وذلك سيراً على خطى مواطنه بوعلام صنصال، الذي جاهر بعدائه للتخييل السردي – هو الآخر- حين جعله منصة تصريحية وإعلانية لمواقفه الأيديولوجية والسياسية، مزيلاً كل الستائر الفنية بين التخييل والواقع. ولولا المبنى الروائي والشخصيات المتخيلة لنصوص هذين الروائيين لخرجت خطاباتهما نهائيا من مدار التخييل. وهما كاتبان تتطابق مواقفهما السردية تماماً مع تصريحاتهما الإعلامية، بدون أي مسافة جمالية أو تخييلية، خاصة في المشاهد والتمثلات السردية المناهضة للسامية العربية، الممجدة بصوتٍ عالٍ لنظيرتها غير العربية.
ولعل هذه النماذج قد ظنت في ذلك المبتغى أقصر الطرق لبلوغ بوابات العالمية التي رأت، أن الأدب والفن لا يقودان إليها بما يكفي، أو أنه اعتراف من هؤلاء بأن مؤهلاتهم الفنية غير كفيلة بإيصالهم إلى ذلك المبتغى، بل فيهم من اقتنع بأن العالمية بيد دوائر إعلامية وتكتلات أيديولوجية، تؤطرها مؤسسات مالية، تسير الثقافة في أوروبا والعالم، فتشمموا مواطنها، واستوعبوا خطوطها الافتتاحية، فأخلصوا نصوصهم لها ولونوها بألوانها، وصيروا رواياتهم وثائق أيديولوجية مباشرة وتصريحية بمحمولاتها التي عمدت إلى تسطيح خطاباتها أكثر من اشتغالها على العمق التخييلي، واضعين بذلك قطيعة سردية مع أي مسافة جمالية أو مفارقات أدبية بين الحالتين الواقعية والمتخيلة.
يستحيل السرد هنا بيان مساندة أو معاداة لقضايا معينة، حيث لا مكان ولا جدوى للتأويل ولا للتخييل، من فرط سطحية المكاشفة بالمواقف ووضوح الانتماءات والمواقع. ببساطة لأن السرد هنا وسيلة لغرض خارج أدبي، وليس غاية للإبداع في حد ذاته. ما جعل كتابات هذه الفئة تثير ضجات إعلامية وسياسية ونعرات طائفية، أكثر من إثارتها لسجالات نقدية ودراسات تحليلية ثقافية، نظراً لانمحاء روح الفن وافتقار التخييل السردي الذي يشتغل عليه النقاد ودارسو الأدب. وشتان – في خريطة الثقافة – بين النقد الفني والضجيج الإعلامي.
أما ضمن الطبعة العربية لفئة روائيي (شرق- غرب)، فيمكن أن نجد العديد من الأقلام والنصوص الروائية العربية ذات التخييل الاستلابي المضاد (مضاد لغائية التخييل الفني، حين يستحيل عريضة مساندة لمواقف أيديولوجية غيرية ومعلنة معادية للتخييل نفسه)، والفكر السردي الاتباعي، الذي رهن قيمة الكثير من الأقلام والنصوص الروائية التي سنخصص لنمذجتها مقالاً مقبلاً يُسائل المواقف التخييلية المُستلَبة بخياراتها السردية المُجتلَبة.

٭ كاتب من الجزائر

التموقف بالتخييل أو السرد العاري

محمد الأمين بحري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية