التنشئة خيار الرشد

حجم الخط
18

في زحمة الحياة، بآمالها وآلامها، بحلوها ومرّها، بواقعها المستعصي على الاستيعاب، كثيرا ما تستجدي الذاكرة أيام الطفولة وبراءتها، أبطالها المحسنون، كاستراحة، سلوى، نبحر فيها علّها تخفّف من ثقل واقعنا المتردي لتثبت، وفي كل مرّة دورها الحاسم في هندسة ما وصلنا إليه اليوم، على الصعيدين النفسي والفكري.
ممّا تنتقيه ذاكرتي كلّما اشتدت سهام القانطين من الوجود، المشككين في كل قيمنا وإرثنا الحضاري صدى الآخر في مجتمعاتنا، من ليبراليين متطرفين، لا همّ لهم سوى إثبات نظرة موغلة في الاستعلاء وتحقير الإيمان، ومعمّمين متطرفين، نفثوا من جهلهم في علوم الدين وألحقوا به من الأذى ما لم يقو على فعله كل عتاة الغزو والاحتلال عبر تاريخ أمّتنا الإسلامية.
أتذكّر أيام الكتّاب الجميلة الدافئة، أذكر إلى اليوم ، وجه معلّمنا (المسعود) عمامته البيضاء، ووجهه الصبوح و(قشابيته) البنية في الشتاء والرمادية في الصيف. كنت وصديقاتي من بنات الحي عند ذهابنا للكتّاب وعلى بعد أمتار عديدة، نسمع صوت أصحابنا وهم يتلون القرآن، يتخلّل الترتيل إلى روحك ويجعلك تسابق نفسك كي لا تفوتك نسمات الأنس والسكينة. كان الكتّاب عبارة عن قاعة يتوسطها قوس مزركش بنقش أندلسي، نتصدره نحن البنات، ويبقى الصبية في الجهة المقابلة لنا قبالة المدخل المفتوح على الشارع الضيق، الذي بقي إلى اليوم محافظا على عراقته.
نضع أحذيتنا عند المدخل، ونذهب إلى الألواح المسندة إلى الجدار، صوت لوحتك يناديك من بين الألواح وهي تزاحم بعضها بعضا، بصوت لايزال قرعه في أذني إلى اليوم تمسكها كأخ عزيز على قلبك فارقته يوما أو أياما، تحتفي بمقدمك إليه. نتربع ونبدأ في الترتيل بصوت عال، بل عال جدا، برواية حفص، نوقف اللوح على الأرض، ونمسكه بيد واحدة أو كلتا يدينا من الأعلى، أو نضعه في الحجر، ونميل في تناغم تام إلى الأمام ثم إلى الخلف مع الحفظ والتكرار، حتى يحين دور أحدنا في التسميع، كل هذا ونحن في زهو كأننا نبشّر الدنيا ونفاخر بما أنعم به المولى علينا.
يناديني العم سيدي، منى، دورك، أسمّعه ما حفظته في آنه، إذهبي وأمحي اللوح …تلك اللحظة التي ينتظرها الجميع، أخرج عند المدخل، وأجد إناء الماء الكبير فيه إسفنجة، أضع فيه لوحي وأغسله بالماء ، ومن ثم ّ أطليه بالصلصال ، وللمرء أن يتخيل ملمس الصلصال على اللوح الأملس. أتركه ليجف في دقائق معدودة، لأعود للشيخ، فيرسم بأقلام القصب قبّة في أعلى اللوح وينزل أعمدة فيها التواءات على جنبيه. أي أنني اتممت حزبي الأول، فأرمق الحضور بنظرة من أتى بما لم تأت به الأوائل؟
يعبر العم سيدي عبر باب صغير إلى بيته الملاصق للقاعة، ليحضر فنجان قهوة، فنستغل غيابه لدقائق وننشد بصوت واحد» يا عم سيدي سرّحنا، يسرّح قلبك للجنّة، لا حساب ولا عقاب، وربي يفتح لك الباب».
فيدخل شيخنا وكأنّه لم يسمع شيئا؟ فيشير إلينا أن ارفعوا أصواتكم بالترتيل حتى يبلغ النفس مداه، عندها نعرف أن الختمة قريبة.
نختتم المجلس بترتيل يبدأه الحفظة من جزء (عمّ) نزولا إلى المعوذتين فالفاتحة، بإيقاع مغاربي واحد، يقوده شيخنا، يبعث في أرواحنا طمأنينة، يلبّي بها داعية الفطرة في أفئدتنا.
لا أذكر أنّني غطّيت شعري يوما وأنا ذاهبة للكتاب. لم يكن شائعا بيننا في ذلك الوقت، لا أذكر أن نهرني الشيخ وقال لي البسي كذا ولا تلبسي كذا. كل ما أذكره عن شيخنا، أنّه كان يحفزّنا للاستمرار في الحفظ، فيقول: كلّما حفظتم أكبر عدد من السور بارك الله لكم في أعماركم، وتحصّلتم على المراتب الأولى في الدراسة. لم يكن الأفق ضيقا حتى أسأل هل هذا من أهل الجنة أم النار؟ حتى أنّ أبي حكى لي عن جندي فرنسي أيام الاحتلال، ضربه ببندقيته فأسقطه أرضا، فجاء رجل دين مسيحي ليسند أبي، ونهر في وجه الجندي وعنّفه فما كان من أبي إلاّ أن قال له بالفرنسية ما معناه «شكرا أبتي» فغرس أبي في معنى عميقا في التسامح ومعاملة الآخر بحب وود وإن اختلفت عنه في الدين. من منّا لم يسمع أو قصّت عليه قصة تثري جانبا إنسانيا فيه؟ من منّا لم يسمع أو يرى بأم عينه قيمة أخلاقية تنبئ بأصالة مجتمعاتنا؟ لما لا نعمل على تزكية هذه القيم ونسعى إلى تكريسها وإرسائها بالتعامل بها وغرسها في الأجيال القادمة؟
أسرد هذا القليل من كثير أحفظه في وجداني، عندما أسمع وأقرأ عن تحامل وتعميم جارف وتعصب مقيت، من قبل من يظهران بثوب مختلف، لكنهما يتماهيان كالروح في الجسد، ينقضّان علينا كل حسب تخصّصه، أحدهما عليه بالروح يمزقها، والآخر عليه بالجسد ينحره ويدميه.
نحن لم نشهد التعصّب والتطرّف بيننا، إلاّ بعد ظهور الوافدين إلينا من بين ثنايا الاستشراق، أولئك المتأفّفون من بني جلدتنا من انتمائنا الإسلامي «المتخلف». نعم فينا من الأمراض والعلل والجروح الكثير الكثير، تستدعي فكرا وطبا وحكمة متأصّلة نابعة من تجربتنا، كي تجلي درن الفكر الأسود، تساهم في إرساء قواعد صلبة تراعي ثوابتنا التي لن نزهد إلاّ في المكذوب فيها أو ألصق بها وهي منه براء.
فلما لا يعمل من يدّعي نية الإصلاح إلى إعادة روح تلك المعاني التي أعتقد جازمة أنّ جلّنا نشأ عليها. لم الانسلاخ التام والذوبان الفاني في ثقافة الغير؟ صدى الآخر في مجتمعاتنا العربية، لا يحمل همّ أمّة، بل يحمل نقمة على قدره الذي حاصره بملامح وجغرافيا مشرقية، يتبرّأ منها فكريا، كونه لا يقوى على سلخ وجهه.

كاتبة من الجزائر

التنشئة خيار الرشد

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية