«التنصيبة» والصورة الفنية في أعمال التونسي برهان بن عربية

حجم الخط
0

تمثل الصورة الفنية رؤية تتجلى من خلال تشكلها وتلونها على يد الفنان المبدع دون غيرها من الصور، ولعل هذا مبني على قيمة الفن التشكيلي في حد ذاته باعتباره يمثل نتاجا بشريا فريدا، ويكشف عن قدرته الفائقة في توصيل الرسائل والتعبير عن شخصية الفنان وبيئته الاجتماعية والثقافية والتاريخية، التي تمثل منبعا مهما وعالما ينتمي إليه، باعتبار أن الفن يمثل وسيلة تعبيرية اتصالية متميزة تعد من أرقى ما أنتجه الإنسان طيلة مسيرته التاريخية والحضارية .
فالصورة الفنية التي تتجلى عبر اللوحة التشكيلية التي رسمت فيها يد الفنان خطوطا وأشكالا وألوانا، وضمنها عقله قيما وأفكارا وأهدافا، تتحدث مع المتذوقين بلغة العيون والأبصار مترجمة لهم أحاسيس الفنان ومشاعره ورؤاه في فترة زمنية معينة، ولعل هذا ما يتجلى من خلال أعمال الفنان برهان بن عربية خلال سنة 2014 تحت عنوان تشابه واختلاف الذي تجلى من خلال معرضه الخاص الذي انتظم في ساحة حقوق الإنسان في باب بحر، حيث أنه شكل العديد من الأعمال عبر تشكيل منحوتات فنية تشكيلية تراوح بين الشكل والمضمون . لذلك تتجلى التنصيبة عبر تشكيل مجموع الأفكار والرؤى التي يسكبها الفنان على سطح أشكاله فهي نتاج لثقافة الفنان وعقائده وعاداته وتقاليده في الحياة والمجتمع والطبيعة التي تتجلى عبرها الصورة الفنية باعتبارها تحمل قيما جمالية وقدرة على توصيل الرسائل إلى المتقبل.
إن أعمال الفنان برهان بن عربية تكشف عن تجليات تشكيلية تعكس، وتسجل وتوثق لها بأكثر من ثقافة وبيئة، فهي تظهر أساليب وطرق معالجة تقنية متعددة، يمر عبرها المبدع من حالة تخليص أفكاره من التسجيل المباشر، إلى التعبير والتجريد والترميز وغيره، حسب اتجاهات مدارس الفن المختلفة.
وكذلك يبدو التأرجح في تمثيل التشكيل، عبر استيعاب ما يواكب العصر والتطور العالمي المذهل في تناول الصورة ليكون واضحًا للعيان، ما استرعى اهتمام الفنان وأثار دافعيته للدراسة والاكتشاف والتأصيل، حيث «تملك من جاذبية ما يجعل أثرها يفوق أحيانا الكلام إنها قد تكون علامة ودليلا … يحملان مظهر دلالتها ومظهرهما».
إن لغة الفن التشكيلي لغة بصرية، يتعامل معها كل البشر بمختلف ميولهم، واتجاهاتهم العامة، والخاصة والنوعية، وذلك ما حاول برهان بن عربية الكشف عنه من خلال مشاهد هذه التنصيبة الفنية التي تحمل لغة أمام العين، حيث أنه تمت الاستعانة بالخيال، من خلال الفكرة، وشد الانتباه عن طريق الأشكال والألوان، عبر أساليب وأنواع من الصور التشكيلية المتعددة، والاستعانة بالخيال والأحلام، من خلال الرسوم التعبيرية، الإيضاحية، والمنحوتات، والأيقونات، وغيرها وهذا يشكل ”أحد الوسائط الإشارية…التي يستخدمها الإنسان في عملية خلق الثقافة وفي معرفة العالم الموضوعي وهو يمثل الشيء، ويعبّر عن المغزى المعمم، ولا يمت شكله بصلة إلى المضمون الذي يرمز إليه… إن الرموز الفنية تكشف للإنسان، عبر الشيء الحسي العياني وبفضل الخيال، الواقع الروحي، عالم القيم الجمالية». فالفن يقوم بدور كبير في تصحيح الأوضاع غير المتناسقة في الحياة، بخلق نوع من النظم التي يتجلى فيها العمل الخصب والجديد الممتع.
فالتجارب الفنية تساهم في إدراك الأشياء الطبيعية، ومعالجتها وابتكار أفكار متجددة؛ وتعمل على تنظيمها وضبطها، بهدف التوصل إلى معرفة متقدمة ومتطورة، حيث أن الفن يقوم بالكشف عن النفس البشرية، بالتوغل في أعماقها للتعرف على أسرارها، متيحًا للإنسانية آفاقا جديدة راقية، وعلمية، لذا كان الفن- ومازال- من أهم العوامل المؤثرة في تقديم العلم والعلوم ورقى الأمم.
ومن خلال التحليل والاستلهام في الأعمال التشكيلية، تبرز القيم ذات الدلالات النابضة والمعنى الحسي والعقلي للأوضاع التي يعيشها المجتمع، فيعمل على تعميق المعاني ذات الأثر البالغ والقوي للفن في تأصيل القيم والمثل العليا – لذا كان الفن وما زال- وسيلة التعبير عن الفردية والجماعية معا، لذا نرى الأعمال الفنية غالبا ما تجتذب أنظار المثقفين من المجتمع، لأن النظام الذي يتطلعون إليه يجدونه واضحا أمامهم في إبداعات الفنان. وبالتالي فإن العمل الفني في حقيقته يختلف من مجال إلى مجال، ومن زمان إلى زمان، يختلف في تضمينه آليات الواقــــع عن الصورة التشكيلية، وكذلك في الغرض من الاســـتخدام، لتعبر عن تسجيل كان أو تعبير أو صفة ذات صيغة إخبارية، أو إبداعية جمالية خصوصا أن الصورة التشكيلية تحتوي على واقع نسبي وليس واقعًا مطلقًا بدرجات متفاوتة بين الأنواع المختلفة.

٭ باحثة تونسية

«التنصيبة» والصورة الفنية في أعمال التونسي برهان بن عربية

نسرين غربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية