التنوير العربي… مراجعة جديدة لدفاتر قديمة

تبدو قيم التنوير المتمثلة في، الحرية، العدالة، المواطنة، المساواة، استقلال السلطات، الانتصار للعقل إلخ، نبراسا رائعا اهتدت به كثير من شعوب الأرض، خاصة الشعوب الأوروبية خلال ثوراتها المتتالية منذ القرن الثامن عشر. ولكن التنوير في العالم العربي يمرّ بأزمة عميقة، متعددة الجذور والأبعاد والمظاهر والنتائج، ولعل هذا ما جعل الكثيرين يتساءلون عن المحصّلة النهائية مقارنة بشعوب نهضت بعدنا وتقدمت كثيرا قبلنا.
بداية، فإن جذور التنوير العربي بدأت بجهود فردية، كما في كتابات رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك، وإن تبنته الدولة في مراحل لاحقة، وعينت التنويريين في مواقع قيادية وفكرية، ومن هنا يكمن جسم الأزمة، فالفردانية في البداية، أخضعت التجربة لتوجهات الأشخاص، فتم تبني نماذج تنويرية غربية وإهمال نماذج أخرى، فالكثيرون يتخذون من التنوير الفرنسي نموذجا، لأنهم تعلموا في فرنسا، وأحبوا الثقافة الفرنسية، وهناك من أعجب بالتجربة الأنكلو ساكسونية وتسلح برؤاها، وهناك من تعلّق بالنموذج السوفييتي، وهو تعلق أيديولوجي. وفي العقود الأخيرة، تبنت الأجيال الجديدة الثقافة الأمريكية وفلسفتها. وعلى الرغم من وجود تجارب تنويرية أكثر ثراء وغنى في الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وسويسرا وإيطاليا وغيرها. ولا نقصد هنا اتخاذها نماذج وقدوات نحتذيها، وإنما دراسة هذه التجارب، للخروج برؤية جامعة مشتركة، وعدم التعلق بنموذج واحد، وفلاسفة بعينهم، ومن ثم الترويج لثقافتهم بوصفها حقا مطلقا، وليست مجرد تجارب تطبيقية في إطار أكبر وأعمق. وبعبارة أخرى، فإننا في حاجة إلى دراسة التنوير الغربي في إطار شامل، يستعرض التنظير ويتعمق التطبيق، ولاشك أن تعدد التجارب يفيدنا لأنه في نهاية الأمر جهود بشرية. فالثمرة، كما نراها الآن، أجيال متعددة من التنويريين، مختلفي المشارب والأيديولوجيات والتوجهات، ومن ثم اختلفت التطبيقات في عالمنا العربي، وإن تعاظمت الفروق بين المثقفين أنفسهم، فالمرجعيات مختلفة والمنطلقات متناقضة، وهذا انعكس على رسالة التنوير ذاته، فبدلا من نشر قيم التنوير ومبادئه، صار الأمر نشر ثقافة وفلسفة ولغة بعينها، بل تبني النظم السائدة في الدولة الغربية ذاتها.
الأمر الثاني يتصل بالتنويريين ومدى توحّدهم مع القضايا المجتمعية والهموم الوطنية، ففي الأجيال الأولى في القرنين التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كان التنويريون على رأس الحركة الوطنية، متوحدين مع مشاكل الفقر والجهل والمرض، ينتدبون أنفسهم للقيام بالحملات التوعوية، وحل المشكلات الاجتماعية، وتأسيس الجمعيات والهيئات والأندية، وخوض الانتخابات، ومعاداة الاحتلال الأجنبي، وممارساته والمطالبة بالاستقلال، فكان سببا في توحّد الشعب خلفهم، واعتبارهم زعماء له، أي أنهم احتفظوا بمسافات بعيدة نسبيا أو تماما عن السلطة، كي لا يتم حرقهم. ولكن الآن، ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين، ومع خروج المحتل الأجنبي، نجد جلّ التنويريين يتسابقون للتقرب من السلطات، طامعين في المناصب الثقافية، مبتعدين عن حركة الشارع وهموم المواطن، بل ينادي أحدهم، وهو أكاديمي مرموق بتجسير العلاقة بين المثقف والسلطوي، وهو يعلم تماما أن السلطوي ليس بريء الغاية وهو ملوث في المقصد والممارسة. فبات المشهد: النخبة التنويرية في منأى عن هموم الوطن والأمة والشعوب، تلوذ بالسلطات، وتستعديها أحيانا على فئات أو تيارات فكرية تخالفها، وتسكت عن الضيم، وتسوغ عشرات الأسباب لسكوتها، أبرزها الرغبة في الإصلاح والتطوير، وهي تعلم يقينا أنه سكوت الموافقة وليس سكوت الإدانة.
الأمر الثالث يتصل بخطاب التنويري وسلوكه نفسه، فبعد أن قدم التنويريون الأوائل نماذج رائعة في الذود عن الضعاف وذوي الحاجة، والتقرب من مختلف الشرائح الاجتماعية، خصوصا الفقيرة، مستخدمين خطابا بسيطا سهلا، أساسه العدالة الاجتماعية، ومنع الظلم، والتحرر من الاستعباد والاستبداد، وما أكثر المقالات والأحاديث الإذاعية والخطب والمحاورات التي دونتها كتب كثيرة عن نشاط هذه الأجيال، وتفاعلاتها مع الجمهور، وبساطة مفرداتها، ووضوح أفكارها، ما جعل الجماهير – غير المتعلمة – من العمال والفلاحين والطلاب متوحدة خلفها. والآن، بات التنويريون متبنين خطابا نخبويا، غامضا، متعاليا، يعبر عن انعزالهم عن الشعب، وغرقهم في الكتب والأبحاث النظرية، متهمين العامة والخاصة في آن أنهم جاهلون، غير مثقفين ولا قرّاء. فازداد البون اتساعا، وتعمق الشرخ، وهجر الناس الكتب، مكتفين بالسهل والسطحي في الأدب والفن. رغم انتشار المدارس ووسائل التعليم والإعلام، فصارت الصورة: نخبة منعزلة في أبراجها، وعوام تغلب يلوذون بموروثاتهم الدينية والطائفية والعرقية والقبلية، وتأخر الثقافة، وتحوّل مؤسسات التنوير إلى أجهزة بيروقراطية.
الأمر الرابع، يتمثل في الموقف التنويري من الدين، ففي الأجيال الأولى كان حاملو التنوير من خريجي المؤسسات الدينية الرسمية مثل الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والقرويين في المغرب، فكانوا ينهلون من الفكر التنويري ويعيدون إنتاجه في ضوء ثقافة المجتمع العربي الإسلامية وتقاليده، مراعين التدرج في تبني الفكرة وطرحها للنقاش، داعين إلى إصلاح منظومة التعليم الديني، وتحديث فكره ومناهجه التعليمية وخطابه الدعوي، كما نرى مع الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، ومن قبلهما رفاعة الطهطاوي، فتقبل الناس الخطاب التنويري مؤصلا دينيا، واعين أنه يهدف لنهضة الأمة وليس تغريبها. ولكن مع حركة الابتعاث للخارج والترجمة والأدلجة، اتسعت الهوة فبات التنويري متخندقا في مرجعيته الغربية أو الشرقية، متبنيا طروحاتها، غير عابئ بإعادة إنتاج خطابه في سياق ثقافي واجتماعي يتقبله، ناهيك عن سلوك بعض التنويريين الشخصي (أنانية، دوغماطيقية، استبداد، انتفاع، عدم تحديث الخطاب، ولا الاقتراب من الشعب)، في الوقت الذي نشأت فيه حركات إسلامية ودينية تندد بهذا الخطاب المتغرب، الطامح إلى تحويل الشرق غربا، فظهر دعاة وشيوخ معادين للتنوير، وتعمق الخلاف. فلم يجد كثير من التنويريين ملاذا إلا في السلطة ومؤسساتها، متخذين موقفا تحريضيا ضد من يخالفهم في الرأي، مستعدين الحكومات ضد مخالفيهم، لتصبح المعركة ليست صراعا للنهضة والاستنارة، وإنما صراع فكري ووجودي.
ويكون السؤال: متى يمكن أن تعاد اللحمة بين التنوير في مبادئه العليا وكل من الشعب في همومه وآماله، والدين في مرجعياته وقيمه، والوطن في مستقبله ومآله؟

كاتب وأكاديمي مصري

التنوير العربي… مراجعة جديدة لدفاتر قديمة

مصطفى عطية جمعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية