التنوير كهندسة للروح

حجم الخط
0

بأي معنى يمكن أن نستوعب مقاصد أن العقل هو المهندس الذي يوجه الروح نحو الوعي الذاتي؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يصل إلى كماله بدون هذا المهندس؟ وهل بإمكان الذات الفاعلة أن لا تكون حرة مفكرة من أجل بلوغ شاطئ الحقيقة؟ قد تكون هذه الرحلة الطويلة في تاريخ الحقيقة، قادرة على تحويل وتغيير وإنقاذ الذات الفاعلة في العالم العربي، كما أنقذتها في العالم الغربي، لأن معرفة الحقيقة لا تتم بومضة واحدة، لأن ذلك يسقط الوعي في الحقيقة الموروثة التي تتناقض مع توجهات العقل المهندس الذي لا يرى في الحقيقة سوى تطور ونمو مستقل للمعرفة التنويرية، بعيدا عن كل التأويلات السفسطائية والخطابية، التي لا تؤمن بأن الخطأ أصل المعرفة، وأصل الحقيقة:»إذ لا يمكن أن تكون هناك معرفة من دون تغير عميق في كينونة النفس». لأنه في ظل إصلاح العقل من الأعطاب، يتم إصلاح الفهم، باعتبار الطريق الذي يقود نحو الحقيقة، هكذا تستطيع كينونة النفس أن تسترجع عافيتها، وتتخلص نهائيا من الأوهام التي أبدعها العقل الأسطوري، لكن كيف يمكن للإنسان بدون معرفة أن يحول كينونة النفس نحو شروق نهار الحقيقة؟ وما هي الشروط التي يمليها مهندس الروح من أجل الوصول إلى مملكة الحقيقة؟ وكيف يمكن العثور على بذور الحقيقة خارج تغيير مسار الروح نحو عقل الأنوار؟.
من أجل تنوير الذات، لابد من البحث عن معنى جديد للمعرفة يضع كل الحقائق الممزقة أمام محكمة النقد التنويري، الذي سيميز بين المعرفة الخاطئة، والمعرفة العلمية التي تناغم مع المنطق وقواعد المنهج العقلي؛ الوضوح، والتمييز، والمراجعة، فبدونهم يصبح العقل أعمى، بلغة ديكارت الذي كان يقول بأن العقل أعدل قسمة بين الناس، والاختلاف لا يأتي إلا من خلال طريقة استعماله، فهناك من يستعمله في الدفاع عن الدين، وهناك من يستعمله في الدفاع عن العلم، ولماذا لا يمكن الجمع بينهما كما فعل ديكارت نفسه؟، ولماذا لا تتعايش الفلسفة والدين في نفس المجتمع؟، بل ولماذا لا تكون الفلسفة والشريعة أختين بالرضاعة كما قال ابن رشد؟.
إذ لا يكفي العقل وحده للبحث عن الحقيقة، بل يجب استعماله بشكل جيد، انطلاقا من قواعد في المنهج، والتي يقول عنها ديكارت:» بإمكان عين الفيلسوف أن تميز بين الخطأ والصواب، وذلك من خلال ثلاث قواعد؛ وهي البداهة، والتقسيم للقضايا المركبة، ثم أخيراً مراجعة الحقيقة».
والحال أن أهمية هذه التأملات التي تتخذ من علاقة العقل وبناء الحقيقة، والمعرفة، لا يمكن أن تفهم إلا في سياق سؤال المعرفة بمعناه الكلاسيكي، أي علاقة الذات بالموضوع، لأنه إذا عرض عليك إما أن تموت اليوم، أم أن تستمر في قضاء الحياة ليس فيها معرفة فماذا ستختار؟ يتساءل سقراط، ويترك السؤال معلقا بينه وبين محاوره، ذلك أن المعرفة هي الطريق إلى الحقيقة، والحقيقة هي الحياة في صورتها الجميلة التي تشع بأنوار الابتهاج السعيد. فكف تكون الحياة ممكنة بدون معرفة؟ وكيف تكون المعرفة ممكنة بدون شغف بالحقيقة؟ وماذا يمكن لعقل الإنسان أن يعرف؟ وما هي حدود معرفته؟.
الواقع أن الفلسفة قادرة على إعادة الكتابة إلى أصلها الميتافيزيقي، لأنها مجرد إمكانية تجرب فيها الروح حوارها الذاتي، إذ تراسل نفسها، وتتساءل عن انطولوجيتها، بعد أن تحدث ثقبا في كينونة الزمن، لأنه بمجرد إحياء الوجود في الروح، يتراجع النسيان، أمام وجودية الموجود، وبما أن هذا الصراع بين الإنسان والمدمر الأعظم يتم على مسرح الوجود، فان الإنسان يحتمي تحت ظلال الوجود من شراسة الزمن الذي يسعى إلى إلحاقه، بالعدم، فهذا الصراع المزدوج ضد الزمن وضد العدمية، لا يمكن أن ينجح بدون قدرة العقل على التفلسف مما: « يسمح له بالخروج من وضعية الفوضى والصراع».
مهما يكن هذا الصراع شرسا، فإنه يمكن العقل من إرغام التاريخ على الإجابة عن أسئلة، لأنه استطاع أن يمتلك أهم أداة، وهي النقد، هكذا يصبح نقد العقل الخالص، هو في حقيقته نقد أخطاء العقل، والعمل على إيقاظه من سباته الدوغمائي، ولذلك يقول كانت معتزاً بنفسه:» لقد سلكت الطريق.. وأفخر بأنني قد توصلت عبرها إلى إزاحة جميع الأخطاء التي كانت تسيطر على العقل.. وأجرؤ على القول أنه لم يبق سؤال ميتافيزيقي واحد لم يجد حلا له». لكن هل كانت هذه الثورة النقدية تريد أن تمنح للعقل العلمي السلطة المطلقة في الحكم على الحقيقة؟، وبعبارة أخرى، هل هذه الثورة تسعى إلى جعل الإنسان هو المشرع الوحيد وليست الطبيعة؟ وهل بإمكان الإنسان العاقل أن لا يحقق حريته عندما يفرض على الإرادة أن تشرع لنفسها بنفسها؟.

٭ كاتب مغربي

د.عزيز الحدادي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية