التنوير ومأزق الهوية

هل يمكن الحديث عن التنوير في حالة انقطاع البث نهائيا عن شاشة الوجود العملاقة العاكسة لروح العصر ومكوث المفكر التنويري العربي أمام رشّ حباتها البيضاء والسوداء، علّها تذكّره بشريط طموحاته المأسورة بين جملة من الادعاءات: ادعاء المعرفة وادعاء الحداثة وادعاء التنوير في مجتمعات لم تصل بعد إلى مرحلة إرساء الأسس العقلانية، لتحقيق إيٍّ من هذه الشروط على أرض الواقع؟
وماذا لو أن المشكلة التي تؤرق التنويريين في العالم العربي لا تعدو أن تكون مشكلة تنموية بالأساس لا علاقة لها لا بهيمنة الدين، ولا بزيف التديّن، ولا بسطوة التراث؟ وماذا لو أن مشكلة المجتمعات العربية هي مشكلة سياسيّة لا تتطلب من مفكريها المتنورين غير محاولة الانعتاق من زنزانة التفكير داخل أقبية النموذج الغربي، وتحرير أنساق التفكير العربية من الهيمنة الفلسفية الغربية والانتقال، من ثمّة، إلى الاشتغال الجاد والحازم على إيجاد حلول نظرية وآليات تطبيقية فعالة، تؤدي إلى احترام الإنسان وإعادة الاعتبار لقيمة العمل، والتسيير الشفاف لمصادر الثروة، وتوزيعها توزيعا عادلا، وتدوير الحوكمة، وترسيخ أهمية التعليم، والقضاء على الأمية الضاربة أطنابها في عمق التجمّعات السكنية في عواصم المدن الكبرى، ناهيك عن هوامشها الممتدة إلى عمق الريف، حيث لا ماء ولا كهرباء ولا مواصلات ولا عناية صحيّة؟
يستند الخطاب التنويري العربي في ما يقدمه من نقاشات تفاعلية متشنجة في الراهن الافتراضيّ على نعت مجتمعه بالتخلّف حتى ليبدو أنه الوحيد الذي يحقّق التقدّم، ويستند إلى نعت مجتمعه بالجهل المقدّس، بالنظر إلى ما يعتقد التحكم فيه من معرفة مدنّسة، ويستند إلى نعت مجتمعه بالظلامية المعشّشة في عمق أفراده حتى ليبدو أنه الوحيد القادر على إضاءة المدينة الفاضلة التي ستغرق في الظلمات إذا ما حدث وقرر أن يقطع عنها محرّكات أنواره. ولعل في ذلك ادعاءات كبيرة يراد منها أن تأخذ طريقها إلى الترسّخ في واقع الممارسة الفكرية والفلسفية، كما لو أنها حقائق ثابتة.
إنها أزمة الاختصارات الكبرى التي استقاها المثقف التنويري المتعالي من القراءة المستعجلة للتجربة الغربية، وهي تصف حالتها المنضوية تحت أزمنة متباعدة وسياقات تاريخية مختلفة، مُحاولا إلصاقها عنوةً بمجتمعه من خلال تلقيمٍ هجينٍ لشجرة الحداثة الغربية، في بيئة مناوئة تاريخيا واجتماعيا وحضاريا. لقد أصبحت هذه التوصيفات تحيل إلى بؤرة حساسة وخطيرة في بنية الخطاب التنويري، بما أضحى يرافقها من تمركز وأدلجة وإقصاء ونكران وانغلاق تدلّل كلّها على عمق المأزق المنهجي المرتبط بانسداد أفق المبادرة الفكرية، وتوقف الدوافع العقلانية عن النظر إلى المجتمعات العربية في تاريخها المسكوت عنه، وفي راهنها المأزوم، وإلى طبيعة حراكها المعقّد برؤية متوثبة وعقل ناقد، بسبب ما تكبّده الفكر العربي، شأنه شأن الأنظمة السياسية التي تحميه ويدعمها، من فشلٍ في مشاريعه الفكرية، ومن هزائم سياسية انعكست على واقع اجتماعيّ لم يعد من الممكن التحكم في مساراته، ولا اختزال هزّاته الغامضة في المقولات التنويرية الجاهزة.
ربما دلّت هذه الحالة على وصول الخطاب التنويري إلى محطة الوقوف وجها لوجه أمام هذا الجدار الكبير، نظرا لما صار يطرحه مسار التنوير في العالم العربي من أسئلة حرجة تتعلّق بمصيره المرتبط بمدى صلاحية منهجه، وما يعترضه من معوقات الانقذاف العقلاني في حركية القرن الجديد، بالنظر إلى الحلم الحداثيّ الذي راود جيلا كاملا من المثقفين ومن ممتهني الفلسفة في العالم العربي والإسلامي، طيلة ما يفوق القرن من الزمن، قضاها المفكرون الأكثرُ جديّةً وجرأةً في محاولة النقل الحرفي لقيم الحداثة الغربية والتنظير الاستعجالي المشوب بكثير من الرومانسية الحالمة لصدى تجربتها، ما أدّى إلى خلق تراكم كِتابيّ في موضوعات غير محسومة، لم تزد الغموض المحيط بإشكاليات الحداثة والعصرنة والتقدم إلا غموضا، ولم تزد مقارباته للتراث وللتاريخ وللهوية إلاّ تأزيما.
إنه الجدار الكبير الشبيه بالشاشة العملاقة التي لم تعد تبث محاولة جبر صورة الذات المكسورة بالنظر إلى تحديات التحرير والوطن والهزيمة التي كابدها الإنسان في العالم العربي الإسلامي خلال القرن العشرين، وإنما صارت تعكس حقيقة انقطاع البث نهائيا، بالنظر إلى ما آلت إليه هذه الذات من حالة تفكّك، وهي تقف أمام الفجيعة الكبرى المتولّدة عن الفشل الذريع لمشروع تحديثيّ دام أكثر من قرن، ادعى فيه كلّ مدعٍ أحقيته بالتفكير وأسبقيته بالتحرير وأولويته بالتنوير، ولم تعد كل هذه الادعاءات غير رجع صدى قاتل يعوي في فراغ هذه الذات المكسورة فلا يجد ما يواجه به واقعه غير العودة إلى ما كتبه أسلافه في حالة تشبه الحالة المرَضية التي ينتهي صاحبها الفيلسوف، لا بحرق أعماله التي أفنى عمره أو بعض عمره في كتابتها وحسب، وإنما بحرق مكتبة الذات الجمعيّة المتروكة لأَرَضةِ الوقت تفعل فيها ما لم تفعله في عصا النبيّ سليمان.
لقد رسم العديد من ممتهني الفلسفة في العالم العربي لأنفسهم ولقرائهم آفاقا يجب عدم تجاوزها، وسقوفاً يجب عدم التطاول عليها، ومن ضمنها الترويج لفكرة مغلقة وإقصائية عن التنوير، مفادها أن التنوير إما أن يكون علمانيا لائكيا لا دينيا أو لا يكون. وهم بذلك لا يختلفون عمّن اجتهدوا في نقد أفكارهم وتقويض أيديولوجياتهم المغلقة. إن حصر التنوير في هذه النظرة الضيقة لا يدخل في باب تضييق الواسع وحسب، وإنما يتجاوزه إلى السير بالمجتمعات وبنخبها إلى تأزيم الذات بمحدّدات تعطي صورة عن مؤشر الحرية الذي يتخفّى وراء المشاريع التنويرية، التي تصرّ على تسيير المنظورات المستقبلية. وهو يمثل، في أحد أوجهه، سطوا واضحا على آراء الآخرين، ونفيا للاختلاف الذي يدعون إليه، وتضييقا لدائرة التفكير التي ينادون بتوسيعها. وهو، في النهاية، إقصاء لعدد كبير من التجارب التنويرية التي شهدها القرن الماضي. وهي التجارب التي حاولت أن تعي العالم انطلاقا من الذات، كما هو الحال بالنسبة لمفكري عصر النهضة المعروفين، ونكران تجارب راهنة تحاول أن تطرح فكرة تحقّق الذات العربية المسلمة وجوديا، من وجهة نظر مختلفة، من خلال التأكيد على إمكانية تأسيس ممارسة فلسفية تقرأ العالم الغربي بعقل متسيّد لا يخون أصوله الفكرية ولا يقايض راهنه بمنطلقاته الحضارية.

٭ شاعر وأكاديمي من الجزائر

التنوير ومأزق الهوية

عبد القادر رابحي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية