لعل مفكراً في تاريخ الفكر الإنساني والتراث الغربي تحديداً لم يلق ما لقيه ماركس من تشويهٍ وتجريحٍ وتشهيرٍ ودعاية مضادة، كما أنني على قناعةٍ راسخة بأنه ليس من مفكرٍ شوهه من ادعوا اقتفاء منهجه وتبني أفكاره كماركس.
إذ تكفل هؤلاء باختزال أفكاره وتجفيفها ومن ثم حبسها مضغوطةً كسيحةً في علبٍ وصناديق معتمة، تضيق عليها – قصوا جناحيه وأغلقوا كل تلك المساحات الرحبة التي فتحها للتفكير والتحليل والتعامل، مع واقعٍ سائلٍ أدرك قبل غيره كم هو متغير ومن ثم تكفلوا بترويج تلك البضاعة المعلبة «المقولبة» من الأفكار، بتوجيهٍ من ستالين وأزلامه والدولة السوفييتية من بعد، على أنها الماركسية، لتتحور بذلك عن كونها وسيلةً ودليلاً للعمل والنضال والثورة والتحرر، ومنهاجاً للتحليل، إلى مجموعة من «المقولات « كالتي للفرق الدينية و»عقيدةً « شبه دينية (أو دينية بالفعل) يتلقاها الناس عن الأحزاب، حاكمةً أو غير حاكمة وممثليها.
وفقاً لتلك الماركسية المعلبة للاستهلاك، تم اختصار التطور التاريخي إلى صيغة ومعادلة رياضية حسابية، تفضي بمقتضاها كل مرحلةٍ من مراحل التطور المجتمعي إلى الأخرى بطريقةٍ آلية حتمية جامدة، بدءاً بالمشاعية الأولى وصولاً إلى الرأسمالية التي يفترض، يقيناً وفق تلك التقسيمة والمعادلة الجافة، أن تؤدي إلى المجتمع الاشتراكي؛ والحقيقة أنه ليس أبعد عن الحقيقة من تلك الصياغة التي لا تحتاج إلى كثيرٍ من التعمق، لتدرك كم تحمل من روح اليقين الديني.
لن أتطرق لشرح «حقيقة الماركسية» لأنني أولاً لست خبيراً، فثقافتي دون ذلك، وثانياً لأنه هذا ليس مجاله، وثانياً لأن الحديث عن «حقيقة « الشيء قد يجرنا إلى ما يشبه سجال النحل والفرق عقب التحكيم في موقعة الجمل وأشباهها في التاريخ في الديانات والنظريات الأخرى.
يكفي في هذا السياق وبعد هذه المقدمة الطويلة التي لا بد منها في رأيي، أن نقول بأن الثابت عن ماركس، الذي لا يختلف عليه اثنان، هو قناعته الراسخة بأن الرأسمالية نظامٌ مختلٌ في جوهره مأزومٌ، بمعنى أنه محكومٌ عليه بالأزمات دائماً وفقاً لطبيعته الأساسية التي لا فرار منها إلا بتخطيه؛ لكنه أبداً في أعماله الناضجة لم يسقط دور الفعل الإنساني، والأهم من ذلك لم يسقط من حساباته أبداً احتمالات الهزيمة. أن تكون القوى أو الطبقات المستغَلة المنوط بها والواقع على عاتقها التغيير التاريخي دون هذه المهمة، أن تقصر قدرتها عن ذلك نتيجة ما قد لا يحصى من العوامل المتضافرة كقلة الوعي و/أو تزييفه، تخاذل ( أو تآمر وتسليم) القوى التي تزعم أو تفترض في نفسها أنها طليعية تعبر عن المستقبل، أو القمع اللامحدود الذي يمنع تشكل هذه القوى.
فالهزيمة إذن ممكنة، والتقدم وتخطي الرأسمالية المأزومة ليسا باليقين ولا الحتمية التي تصورها وروج لها الستالينيون والسوفييت، والدور البشري اختياراً وفعلاً وتنظيماً، أساسي وفارق.
والهزيمة تعني استمرار الرأسمالية بأزماتها التي لن تني تتعاظم وتيرتها كما ستزداد اتساعاً وعمقاً، مدمرةً قاتلةً محطمةً البشر والبيئة والكوكب، والأمر ذاته، وبالتسلسل المنطقي، يمتد ليشمل الأنظمة الشمولية، أذرع رأس المال العالمي البائسة وضيعة الشأن، في بلداننا التي جرفت الحياة السياسية وصادرت المجال العام ودمرت وشوهت الحياة الثقافية، وزيفت وعي الناس وفرضت وسيدت ثنائياتٍ بغيضة، قاتلة ومدمرة كالتي بين الأنظمة والإسلاميين، القمع أو الفوضى.
هي الوحشية أو البربرية والهمجية بديلاً، كما عبر عنها إنجلز، في صياغته التي زادت من شهرتها روزا لوكسمبورج «الاشتراكية أو البربرية».
لسنا بحاجة إلى النظر بعيداً في تاريخ الثورات، وإنما يكفي تأمل ما حل في بلداننا، خاصة مصر، حيث تمكنت الثورة المضادة، وسوريا حيث دمر النظام فعلياً وبالمعنى الحرفي البلد.
في الحالة المصرية سنجد النظام معبراً عن الطبقات الحاكمة المستفيدة قد قرر لا أن يرفع سقف العنف، بل أن العنف لا سقف له، ومستفيداً مستظلاً بسلاح التخويف من مصائر الدمار الإقليمي، جعل كلفة المعارضة بمجرد الوقفات الصامتة أو الكلام احتجاجاً مبهظةً للغاية، في صورة محكومياتٍ طويلة بعد حبسٍ احتياطي طويل هو الآخر، وما ذلك إلا محاولة لترميم جدار الخوف وزيادته سمكاً وارتفاعاً.
من الملاحظ في هذا السياق أن الطبقات الحاكمة والمحافظة تتشابه في العالم أجمع، خاصةً في خضم أي ظرفٍ ثوري، فهي أولاً دائمة التركيز على الأخلاق وأولويتها، وثانياً الفقدان شبه التام لملكة الربط.
فلتسمعن وتقرأن دائماً مقولاتٍ (سخيفة لأكون صريحاً) من عينة أن «الناس صارت بلا أخلاق» وأن ما صرنا إليه نتيجة انعدام الأخلاق، وكأن الأخلاق تُكتسب من الفراغ دون أي تأثيرٍ للعوامل الاجتماعية والبيئة المحيطة، وكأن من نشأ في مزبلة أو ماخور (ليست لدي أدنى مشكلة مع كليهما وليس ذلك بحكمٍ عليهما) دون أدنى رعاية أو تعليم من المفترض أن يكون خلوقاً مهندماً، يتحدث الفرنسية ويتنادم مع خلانه متظارفاً عن مسرحيات موليير، ولا يكن أي حقد أو كراهية أو ضغينة لمن حباهم الحظ، الأعمى تماماً، بأن يولدوا في بيئةٍ أفضل وظروفٍ أيسر.
تجدهم دائماً يتندمون متحسرين على الزمن الماضي الأفضل والأجمل، دون سؤالٍ يطرح وإجابةٍ أبسط عمن أوصلنا إلى ما نحن فيه، خاصةً في حالة الطبقات الوسطى التي يزداد مستواها الاجتماعي انحداراً. أجل، قد لا تنجح الثورات ولكن البديل وحشي. البديل هو الأفكار الظلامية الهروبية (التي يؤول الكثير منها إجراماً وإرهاباً) والسرقة والسطو والقتل والمخدرات، مجتمعٌ يأكل بعضه ويقتات على نفسه، ضربٌ من حربٍ طبقية تخاض في معارك صغيرة متفرقة لكنها لا تؤدي سوى للتعفن والتحلل المجتمعي، لمزيدٍ من التشوه والانحطاط البشري والانمساخ، إلى مزيدٍ من القسوة والدم الرخيص والتوحش، وإننا لنرى الكثير من ذلك في مصر، والأمثلة في أماكن أخرى سابقة وعديدة، يحضرني منها الآن جنوب أفريقيا، حيث يعيش البيض والموسرون في معسكراتٍ يحميها حرسٌ مدججون بالسلاح فأي عيشةٍ تلك؟
ختاماً، نحن نعيش في عالمٍ قلت يقينياته وثوابته (إن لم تكن انعدمت) وفي زمنٍ مربكٍ للكثيرين تكثر فيه الأسئلة الوجودية الأساسية العويصة دون إجاباتٍ سهلة أو جاهزة، زمن اختياراته صعبة، ولكنها محتمةٌ وواجبة، لا فرار منها. زمنٌ تعمقت فيه أزمة الرأسمالية ففتحت أبواباً للجحيم، من صعودٍ لليمين المتطرف إلى حروبٍ ومجازر نكتوي بها نحن أكثر من غيرنا. في الثورة وتخطي هذا النظام يكمن الخلاص الوحيد للبشرية، إلا أن الهزيمة ممكنة…والبديل تردٍ في الوحشية.
كاتب مصري
د.يحيى مصطفى كامل