تونس ـ «القدس العربي»: «يا روسيا… هاو جايين هاو جايين… تونيزي (تونس بالفرنسية) يا تونيزي معاك ربي والنبي»، تلك هي العبارة الاشهر اليوم في تونس، وتكاد تكتسح كل الشوارع والاذاعات والقنوات التلفزيونية المحلية، حيث تتسابق جل الشركات التجارية اليوم في تونس على ابداع اعلانات تحظى بأكثر نسب متابعة وتكون ذات تأثير على المستهلك في آن معا، وليس هناك افضل من تأهل المنتخب التونسي لنهائيات كأس العالم ليكون مصدر الهام المنتجين وشركات الاعلانات في بلد تحتل فيه الرياضة على انواعها مكانة كبيرة في عقول واذهان المواطنين على اختلاف شرائحهم العمرية.
أهم إعلان تلفزيوني اشتهر اليوم في تونس هو ذلك الذي يظهر فيه رجل ملامحه روسية ويرتدي قبعة بلاد القياصرة في صقيع موسكو، يتكلم بلغة عربية ركيكة ويطالع صحيفة تتحدث عن قدوم المنتخب التونسي قريبا إلى روسيا، وهنا يتكلم الروسي بعدما يزيح الجريدة ويقول «يا روسيا التوانسة جايين هاو جايين هاو جايين» وكله سعادة وفرحة بقدومهم. وبعدها تظهر فتيات روسيا يرقصن باللباس التقليدي الروسي فرحا بمجيء التونسيين وبامتلاء شوارع موسكو قريبا برائحة البخور التونسي الزكية، ثم تتساءل عجوز روسية عمن يكون سيدي محرز وأم الزين «إلي جايين» (القادمين). وسيدي محرز بن خلف وأم الزين الجمالية هما من أولياء تونس الصالحين الذين يتبرك بهم التونسيون و لديهما مكانة هامة في الموروث الصوفي التونسي.
وأصبحت هذه الدعاية تتردد على ألسن الكثيرين، خاصة الاطفال الذين بات أغلبهم يتشوق لرؤية منتخب بلاده في المونديال يقارع كبار هذه اللعبة من مختلف القارات، خاصة أن بعض هؤلاء يعيش المونديال للمرة الأولى باعتبار حداثة سنه، كما أن تونس لم تتأهل إلى النهائيات منذ مونديال ألمانيا 2006 الذي أضاعت فيه تأهلاً إلى الدور الثاني كان في المتناول.
يشار إلى أن بعض القنوات الاذاعية اختارت التركيز على اهم المدن الروسية واستعراض تاريخها وحضارتها وحتى كيفية التنقل فيها، في اطلالة ثقافية وسياحية على اهم المعالم الروسيةـ وغاية هذه الإذاعات هي تعريف التونسيين، خصوصا أولئك الذين قرروا مواكبة المونديال على أرضه مباشرة، ببلد القياصرة، وتسهيلا لمواكبتهم للمونديال في أفضل الظروف ومن قلب الحدث.
ويمكن القول ان هناك حالة عامة من الجنون والهوس بالمنتخب الوطني، تمخضت عنها متابعة لكل التفاصيل المتعلقة باستعداداته الوثيقة لاولى المباريات في كأس العالم، ومن نتائج هذا الهوس هو الجدل الذي حصل حول الزي الرسمي الذي سيسافر به لاعبو المنتخب الى روسيا، فلا يترك التونسيون في هذا الإطار صغيرة ولا كبيرة تفلت عن أنظارهم المسلطة على لاعبي منتخبهم، ولان كان اعداد ملابس رسمية مزركشة بالاحمر والابيض مصدر سخرية وتهكم لدى البعض، الذين شبهوا نسور قرطاج بالصيصان وهم يرتدونها، فان اختيار العباءة (الجبة) التونسية التقليدية للاعبين، كان بالنسبة للبعض خيارا صائبا، فهو يعكس الخصوصية التونسية بكل حضارتها من قرطاج وما قبلها إلى يوم الناس هذا، ووصول المنتخب الوطني الى روسيا حدث استثنائي يتطـلــب طلة استـثنــائية صرفة من خلال الأزياء التونسية والمدرب والطاقم الفني التونسيين.
وبالتوازي مع كل هذا، هناك استعدادات وثيقة في الشوارع والمقاهي من اجل هذا الحدث الإستثنائي، ففي أحد أندية الرياضة والشباب في تونس، في باردو التابعة للعاصمة، ينشغل جلال المكناسي بوضع اللمسات الاخيرة على مقهاه، اذ خص المونديال بديكور خاص فيه، اضافة الى الشاشة العملاقة، صور عملاقة لأكبر ملعب كرة قدم في تونس وهو ملعب رادس، و للاعبي المنتخب التونسي، وكان للديكور التونسي التقليدي نصيبه، اذ لم ينس وضع بعض الأواني الفخارية التراثية على أطراف المقهى، اضافة الى اعلام بعض الفرق المشاركة وبالطبع في مقدمتها العلم التونسي، في محاولة منه لجذب المتابعين وعشاق كرة القدم الى مقهاه كي تزاحم المقاهي الاخرى في الاحياء القريبة.
ويكاد الحصول على تذاكر المونديال لمتابعة مباريات المنتخب التونسي حلما صعب المنال لعديد الشرائح المتوسطة والبسيطة بالنظر الى غلاء أسعار هذه التذاكر، وكذا الفنادق في بلاد القياصرة.
ودفع ذلك بالبعض إلى نيل قروض بنكية لتغطية مصاريف الاقامة في موسكو وعزاؤهم في ذلك ان تونس تستحق، وان الحدث تاريخي ولا يقدر بثمن. فهل لنسور قرطاج القدرة على إدخال الفرح والبهجة على قلوب التونسيين بعد كل هذا الحماس؟