تبدو تجربة الشاعر التونسي شمس الدين العوني في الكتابة على تماس بين التقليد والحداثة. فهي عاشقة للشعرية العربية الحديثة ومنحازة إلى مفاهيمها وإلى أعلامها الذين يذكرهم الشاعر بالاسم والصفة في هذا الديوان الصادر منذ سنوات قليلة، وهي أيضا تكتب قصيدة النثر عسى أن يكون لها في عرف القراء وجود واعتراف.
المؤكد لدينا أن الشاعر لا يستطيع بمفرده أن يخلق عرفا جديدا في القراءة، لكنه مع ذلك يجتهد بأن يكون له صوت ووجه وتجربة خاصة، فإذا ما كانت كتابة الشاعر يوسف رزوقة قائمة على تحديث الحديث وعولمة المحلي، وتجربة الشاعر الراحل الصغير أولاد حمد يمعن في كتابة النص فإن العوني على مشروع في الكتابة تماس فيه لغة الشعر مع لغة الرسم مع لغة الموسيقى.
إن لغة الشعر لدى العوني ليست مقدودة من الأشياء والموجودات. مادتها هي الآخر والفنون التي يمارسها، ومن بين الفنون التي يستوحي منها الشاعر شعره الرسم والموسيقى، فقصائده جداريات بالباستيل وبالألوان التي تتكرر تقريبا في كل نص فكأنما الوجود لدى الشاعر لوحة تنتظر من الشاعر أن يرسمها بمادة الحلم وبلاوعي الشاعر.
المؤكد لدينا أن الشاعر لم يستحضر كل أسماء هؤلاء الأعلام على صعيد واحد، فهي تتفاوت في رمزيتها وفي حضورها وغيابها، ولكن ما يمكن الوقوف عليه هو هذا الحس التواصلي العميق مع الآخر، ربما يقل مثاله في الشعرية التونسية إذ تعودنا من الشعراء تضخم الذات والحضور النرجسي، أما في هذا الديوان فإن الآخر تجربة وحضور وتثاقف مع الشاعر الذي يرى فيهم تجارب يمكن الإنصات إليها. إذ أن تجاربهم في الوجود هي تجارب غير شعرية في الغالب وهي تجارب «تطغى عليها الحشرجات» فيما تجارب الرسام الراحل محمد التونسي تجعل «الحكايات تنهض من سباتها» وفيها تتضاعف قيمة الطين- وهي المادة الشريفة في المنظار الإلهي ـ على يد النحات ماهر الطرابلسي بحيث «يعلو الطين الفاخر/ ومعدن الحال». إن الشاعر شمس الدين العوني في هذا الديوان إذ يقف على تجارب هؤلاء الفنانين فإنه يبحث فيما يبدو عن مبدأ الانسجام بين هذه الفنون وبين الإنسان وشعره وبين هذه اللغات الفنية والجمالية الأخرى.
هذا الوعي التشكيلي للشعر لم ينضج لدى آخرين إلا في آخر تجاربهم، ويمكن أن نذكر في هذا المقام أدونيس والشاعر الفرنسي الكبير إيف بونفوا والشاعر البرتغالي الذي أفرد له قصيدة وهو نينو جوديس، بل أن هذا التثاقف مع الآخر عمق لدى الشاعر ما يمكن تسميته بلغة هيدغر «بالطابع الشيئي» للفعل الإبداعي.
إن الشاعر يقر بهذا التثاقف «فأنا أقرا كتاب أدونيس الأخير»، وهو إذ يستحضره ويتثاقف معه لا لكي يعترف بأبوته، وإنما يتجادل معه، إذ التطابق الكامل في التجارب غير ممكن وغير مرحب به في كل حال، ولكن ما هو ممكن هو البوليفونية، أي أن يكون للآخر في عالمك موطئ قدم، ولسان خطاب ومساحة للحركة.
الآلية التي تضخ المعنى في ديوان «تحت شمس وارفة الظلال» هي آلية مستوحاة من الفنون الجميلة، فنجد النور والإضاءة وآلية الألوان التي لا تبرح القصائد إلا فيما ندر، وهذا ما سمح بأن تكون للقصائد هوية تشكيلية، تبدو هي مقصد الشاعر، فمن «أعراس اللغة» «تنبثق من بين النقوش والسيراميك ألوان»، كما أننا نجد حضورا كميا كبيرا للأصوات، وهذا ما يحيل إلى عالم الموسيقى الذي لا يخفي الشاعر افتتانه به، «فعذوبة موسيقى فيروز» لون من ألوان الدهشة، أما إبداعات الرسام التونسي نجا المهداوي فهي «ألوان الذكرى»، وفي أثناء ذلك يحتفي الشاعر بالذاكرة التي تستوعب كل الجماليات وأجناسها المختلفة: النحت والموسيقى والرسم، غير أننا نرى أن الشاعر حينما يعمد إلى أن يموضع نفسه في تلك العوالم لا يبقي على مسافة موضوعية معها وهو ما يجعله قطب تلك العوالم، في حين أن الأصل أن يكون الآخرون هم الأقطاب وهم الذوات وهذا من شأنه أن يقوي آلية التسريد والحكي ويضعف آلية الشعر.
إن التجربة تصنع الإنسان والشاعر، وهذا ما لاحظناه في هذا الديوان الذي يبدو فيه للمكان تأثير حاسم، فالشاعر ممتلئ بالمكان وبالصحراء تحديدا، ويستعيد قدرا من تجربة عبدالمعطي حجازي في تأكيد التنافر الأزلي بين الفضاءين وبين العالمين.
ففي ظل هذا المكتوب الشعري التونسي والعربي، يبحث الشاعر عن صوته وعن هويته، وفي هذا الديوان يخف النزوع العروبي الذي ميز دواوينه الأولى والذي ترافق مع زيارته إلى بغداد قبل الغزو الأمريكي، ولكن تضاعف نزوعه إلى الجماليات وإلى الفنون لعله «يسبح بعيدا عن مياه القطيع»، وليبحث عن «الضوء المفقود وعن اللمعان» الذي يمنح اللوحة المرتجاة المعنى وهو يبدو مهووسا باللون الأسمى هوسه بالقصيدة العصماء، وكلاهما لحظتان هاربتان عصيتان على الإمساك، فاللهاث نحو اللون هو ما يسكن وعي الشاعر لا لكي يرسم اللوحة، وإنما ليلتقي بـ»تبر اللغة» وبنصاعتها الأولى التي تتألق في الشعر. إن الألوان في شعر العوني ليست تلك الألوان الوهاجة التي تثير الرغبة، وإنما الألوان الخافتة التي تجعل في ذات الشاعر القدرة على التحكم في انفعالات النفس وفي تعقل الأشياء والدعوة إلى التفكير انطلاقا من حشد الألوان بما يشي أن هناك وجودا خفيا ومتواريا عن «بياض القماشة»، وفي «آهات الكلام» وفي «سر التواريخ» وفي كل ما هو محجوب وخفي عن الوعي وعن المرئي والرائي الذي يشتغل بالأشياء ومع الأشياء ليقيم كونا من الوجود على مثال حلمي/ رؤيوي ينخلق بالتدرج تماما كلوحة زيتية تبدأ بلطخة أو بذبذبة ثم تستوي كونا تشكيليا عامرا بالمعنى وبالسرد وبممكنات التأويل والقراءة. إن ما يميز قصائد العوني هو ذات ما يميز اللوحة وهو قانون المركز، أو الثيمة المركزية فقصائده تدور حول الأنت أو حول الأنا أو حول هذا العلم أو ذاك، فالنواة واحدة تماما كنواة اللوحة التي هي مدارها ونقطة ارتكازها الهندسي، وهذا ما يجعل نصوصه لا تنمو لسانيا وتاريخيا، إلا في حيز محدود على عكس مثلا قصائد أدونيس التي تتعدد فيها النويات والمراكز حتى لكأنها تبدو ملحمة مصغرة. فالعوني يبحث عن تطابق ممكن لبنية القصيدة مع بنية اللوحة في مستوى نقطة الارتكاز التي هي العنصر الذي تدور في فلكه بقية العناصر. وقد وجد التطابق هذا في تقديرنا في الحشد من الألوان لدرجة أنه يكتب ما يمكن تسميته «بالقصيدة الانطباعية» (مرادف للوحة الانطباعية) التي يكون اللون موضوعها وشكلها في الحين ذاته.
إننا نرى ذلك كله في أغلب القصائد خاصة في قصيدة النثر «مرح عربي» التي كتبها الشاعر في ما يبدو في دمشق وهي تزدحم بأسماء الأعلام الذين هم كاللطخات في اللوحة، وتزدحم بالألوان التي هي في منزلة الأشكال والأشياء في القصيدة وهي تزخر بالحركات التي هي السردية الكامنة في كل لوحة انطباعية (غير تجريدية). إن كل قصيدة في شعر العوني هي سردية بالقوة في لوحة يروم يوما ما أن يرسمها.
٭ كاتب تونسي