التونسي وبن عبد الله يركبان صهوة السحر باتجاه فلسفة الحلم

حجم الخط
0

يواصل الفنانان التشكيليان المغربيان عزيز التونسي ورشيد بن عبد الله، منذ 27 من شهر كانون الثاني/ يناير ، وحتى السابع من شهر فبراير/شباط الجاري، عرض أعمالهما الجديدة، ضمن معرض مشترك في المركز الثقافي اكدال في الرباط، ترسيخا لقيم السحر والفلسفة والجمال والشاعرية، ولروح الإنسانية والكونية، والإبداع الفني المشترك، الذي يزاوج بين التعبيري والسريالي الحالم.
رشيد بنعبد الله الذي راكم تجربة تشكيلية متميزة، من خلال اشتغاله الاحترافي، ومعارضه المتنوعة الناجحة يقدم في هذا المعرض، فيضا من اللوحات الأثيرية، التي تحتفي في العمق بقيم الطبيعة والإنسان وأحلامه وتجلياته في مواقيت حرة، ما يجعل نصوصه الفنية تكريما للمرأة كجنس لطيف، وذاكرة جماعية إنسانية وملامح أنثوية مزهوة بالحب والحناء، فضلا عن تجسيدات تعبيرية وواقعية تمجد مبادئ الخير، والقوة والنخوة التي تعبر عنها لوحات الأحصنة المطهمة الجامحة، وأيقونات مجتمعية يستشعرها المتلقي عبر وجوه تحكي ألف قصة وقصة.
وللموسيقى في لوحات بن عبد الله إيقاعات وجرس يسري في الأعماق، وحناجر رخيمة تغني مقاطع الزهو الروحي الشفيف، إنها رنات صوفية ورومانسية، تحاكي غنوة البجع في تلك الضفاف النائية الموغلة في أقاصي اللذة الفنية، التي تينع من أفق الإشراقات، إنها باختصار، مرايا عاكسة لروح الإنسان في لحظات الفرح والعشق والحزن والانفعال والشموخ، ما يحيل لوحاته إلى مشاهد راقية وسيناريو رقيق يقدم للمتلقي مرايا متتالية حول أنساق إنسانية بنفس تعبيري وتشخيصي، تتعانق بطريقة فلسفية مع مختلف الأشكال والألوان التي أوجدها الفنان عزيز التونسي بالمناسبة.
ويعد عزيز التونسي من الفنانين الباحثين الذين يشتغلون على مشاريع وآفاق تشكيلية وإبداعية راقية، فقد حول معرضه المشترك مع بن عبد الله إلى ساحة فنية تقدم فيها كائناته السريالية، طقوسا تلقائية في فن الحياة ـ في مواجهتها وصراعها مع ذاتها ومع العالم، إنها مرايا حقيقية موغلة في طرح السؤال المعرفي، بحثا عن جماليات الفنون البصرية ومتعتها، ومنها تتنفس شمس الحقيقة من أفق الحياة، حيث الإنسان قدر محتوم، في مواجهته مع نفسه والمجتمع والعالم، من أجل الحياة.. إنها فلسفة تشكيلية يوجدها التونسي المولع بالمدرسة التعبيرية والسريالية، المتنقل بين تجارب فنية أخرى متخذا من الواقعية والتشخيص الرمزي مرجعية إبداعية لمسيرته التي تضيئها وتدفئها ألوان حالمة، وهي الطريق التي تقود وقادته حتما إلى لقاء أحلام رشيد بن عبد الله، هناك في تلك الدروب الفنية المرصوصة، على مدار سحر الفنون، كانت علامة قف، كي يتابع المتلقي باندهاش كرنفالا ساحرا من الألوان، وعروضا راقصة غاية في الشاعرية، حيث أحصنة الأحلام تصهل بلا حدود، وحيث أجراس صهواتها ترن في طقوس احتفالية خارقة، وحيث البجع بريشه الزاهي يقدم أبهى ما لديه من رقص أسطوري على أجنحة الخيال، وحيث موسيقى الشرق تنطلق من أرغن القلب، يرددها شباب مهووس بشدو الحالمين والعاشقين والصبايا الحسان.
تتعانق أعمال الفنانين معا، وهي تهدي للمتلقي نفحات حالمة ببعدها الكوني والإنساني، حيث تركب تلك الأحلام المشتركة صهوة خيول أسطورية، تسابق الريح باتجاه المستحيل، على إيقاعات موسيقية تعيد المتلقي إلى ذاكرة الشرق المزهوة بإيقاع رقيق يفيض بسحر الحبيبة، ومواجع القبيلة، وانتشاء الخاطر، وأحلام الوجدان… إنها صور حية لقيم فنية وإبداعية مشتركة تحبل بكثير من المواليد، التي تبشر بنواصي الخير، على جبين الذكريات.
تلك اللوحات المشتركة في هذا السياق، ما هي إلا انعكاسات حقيقية لأحاسيس مشتركة، تناغي العالم من أجل حياة ترفع راية السلام، وقيم التسامح والتعايش، وما بياض تلك الأحصنة الجامحة، ودفء الألوان، والكائنات التونسية، التي تحمل هموم الدنيا على أكتافها، وتفكر مليا في الحاضر والماضي والمستقبل، إلا رسائل شفافة، وهبات أنهار من الألوان الزاهية التي يقدمها الفنانان ربيعا مزهرا في خريف الدنيا للمتلقي هنا وهناك.. إنها تباشير إبداع تشكيلي يفند قيم الشر لصالح قيم الخير والهدوء والسكينة للعالم، إنه عناق فني مشترك، يجمع بين فلسفة الحياة وقيمتها، وبين بلاغة السحر في اللون، وأهمية الحياة في الوجدان.
تلك هي بعض تجليات المعرض المشترك الذي جمع بين الفنانين عزيز التونسي ورشيد بن عبد الله، تجليات جانست بين الشعري والفلسفي، وجمعت بين الواقعي والتعبيري والسريالي، تكريما لقيم الإنسان والمجتمع والإنسان والعالم، وفق رؤية موحدة في التفكير تطرح السؤال الأكاديمي والفلسفي بحثا عن الحقيقة، وتعيد إلى المرأة ألقها الفني في مواقيت وأزمنة مختلفة، إنها مرايا مشتركة في تعابير الوجه وملامحه كصورة ورمز، وثيمة فنية وفلسفية، شكلت إحدى التجارب المستقبلية الناجحة، التي تجمع هموم الفنون بأحلامها معا، وهو ما يعطي للمشهد التشكيلي المغربي المتنافر في كثير من الأحيان، نقلة نوعية، وبادرة متفردة للسمو بروح الفنان والفن في أبهى التجليات.

ناقد مغربي

المصطفى الصوفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية