لا نريد أن نعترف بحقيقة «التَّناذُر العربيّ» المُـرَّة. ومن حَقّ سوريا علينا أن نعترف. الواقع أقوى من مشاعر الرفض عندنا. ثمة ما يدعو للخوف، للخوف المطلق من هذا «التَناذُر» الذي بدأ يتَمَدَّد كالسمّ في كيان عالمنا الآخذ في الانهيار. هذا «السَنْدرومْ» المرعب الذي بدأ يحطُّ بكَلْكَله، مثل ليل مخيف فوقنا، هو الذي سيدمّر كل شيء. كنا مقْموعين، فصرْنا مشرَّدين، ومعارضين فصرنا مُعالين. وكباراً بما نتحمَّل من قسوة واضطهاد، فصرنا أصغر من الألم والاحتقار. كنا نأمل، فصرنا نَنْسى. ونتَهَيَّب من العذاب، فصرنا نموت بلا هَيْبَة. ولمن لا يعلم، فإن سوريا ليست سوى بداية. خراب سوريا هو أول الخراب العربي إنْ لمْ نتدارَكْ الأمر. وهل ثمة أمَل، بعد؟
«التناذُر العربيّ» ليس سوريّاً، فحسب، إنه حالة عربية معمَّمة. وهو يقوم على أُسس ثلاثة: أولاً، الحداثة المشهدية، وما تَكْتنفه من سَطْو على منجزات الغرب فكرياً وسلوكياً. فالحداثة ليست ما نحكيه، وإنما ما نفعله. إنها إنجاز اجتماعيّ، وليست عبقرية فردية. ثانياً، الاستبداد السياسيّ، وما يمثّله من وضع الكائنات تحت تصرّف السلطة، وليس العكس. وأخيراً، المخلّفات الدينية واللادينية التي ترهق الأرواح، وأحياناً تزهقها. ولكَي تكتمل الدائرة التراجيدية، فإن إمِّحاء «الشخصيّة العربية»، سياسياً ومعرفياً وإبداعياً، بسبب ذلك، كله، هو الذي يغذّي هذا التناذُر المتفاقِم، القائم على القمع، فالخضوع، فالاستسلام، فالتمردالمُجْهَض.
ولكن، لماذا يكون «التمرّد العربيّ» مُجْهَضاً، في أغلب الاحيان؟ لأنه نوع من «تمرّد شَغَفيّ»، أقرَب إلى «الفَوْرَة» منه إلى الثورة. وهو، غالباً، ما يأتي متأخِّراً، بعد تراكَم طويل من القمع والمآسي والمشقّات. ولا يتمتّع بالشروط الضرورية للوصول إلى هدفه. منظوره التاريخي مضطرب. وغايته ليست قَلْب الوضع الاجتماعي، وإنما الاستيلاء على السلطة. إنه «تمرّد عُصْبَويّ»، هو الاخر. ونحن نعرف الكثير من هذه التمردات التاريخية الفاشلة، مثل «ثورة الزنج»، و»حركة سبارتاكوس»، و»تمردات الهوامش المتعددة» في الشرق، و…وجوهر الحكاية العربية البائسة، منذ التأسيس الأول للحُكْم المركزي الذي قام على «العُصْبة والدين»، هو أن الحاكم يتمتّع بكل الحقوق، وليس «للرعية» أي حق.
وحديثاً، منذ بداية ما سمي، تعسُّفاً، «بالحداثة العربية»، سقَطَ العالم العربي في مستنقع الكذب على الذات والزيف والتقمُّص. فحداثته «الفارغة» كان همّها، ولا زال، فقط، «السَطْو» على المنجز الغربي، في الإبداع والتقنية ومشتقّات الحياة الأخرى. كانت في الواقع «حداثة صِيَغيّة»، بلا محتوى سياسيّ اجتماعيّ قابل للتطوّر والنمُوّ، «فكرها» تَلْفيقيّ، تَجْميعيّ، وليس لها منظور نقديّ نافذ. فاكتفينا من الحداثة بالشكل، «شكل» المكتوب، شعرياً كان أم سردياً، وكأن كتابة «الشعر الحر»، مثلاً، ستحرر المجتمع من أغلاله التاريخية الراسخة. وأبدعْنا في الملْبوس والمأْكول، من دون أن نذهب أبعد من ذلك للبحث في دهاليز وجودنا المحتقن بالمواضيع الخطيرة. ولم يملك أي أحد ما يكفي من النبوغ والشجاعة ليفضح ما كان يجري حوله، من تَعْمِية واستيهام.
انتساب «النُّخَب العربية» المثقفة والفاعلة إلى «ثقافة السلطة» المسيطرة، من جهة، وإلى نمط الثقافة الغربية التي كانت تُهَيْمن على هذه، من جهة أخرى، لم يسمح لهذه النخبة برؤىة جذرية، لا لواقعها السيّء، ولا لمساوئ الغرب العظمى الذي كان منذ 1492 (عام سقوط غرناطة، وهو نفسه عام استيلاء الغرب المجلجل على ما وراء البحار، بعد ما أُصيب العرب بقصر النظر، واعتبروا الطريق المائية نحو المستقبل «بحر ظُـلُمات» لا يُقْهر، فسلَّموا مصير الكون لغيرهم، واستكانوا)، يقوم بنَهْب ثروات الكون، ويقسِّم بلدان الكرة الأرضية، من دون حساب أو عقاب (تذكّروا: الصين، والهند، وبلدان المشرق العربي، ومنذ قليل، بلدان أوروبا الشرقية). واليوم، يبدو أن الدَوْر على «شرقهم الأدني» قد حان؟
لماذا كل هذه المقدمات؟ لأن العرب، كلّهم، شعوباً وقبائل، حكّاماً ومحكومين، لا زالوا يلهثون خلف الغرب بشقَّيْه: الأدنى (أوروبا)، والأقصى (أمريكا)، لإنقاذ ما لم يعد، ربما، إنقاذه ممكناً في سوريا الجريحة التي صارت على حافة الموت، وفي غيرها من «بُؤرالسَّعيرة» العربية المشتعلة مثل نيران كونية لا تُطْفَأ. وهُمْ يعرفون (أكثر مني) أن الغرب بشقّيْه وراء كل ما يحصل اليوم في العالم العربي، بشكل مباشر، أو غير مباشر. وقد كان الأمر كذلك منذ عشرات السنين، فالغرب منذ البدء كان يعتبر العالم العربي «فضاءه الحيويّ» الذي لا يمكن التخلّي عنه. ولا يحق لهذا الفضاء أن يتمتَّع بفترة استجمام، ولو «ديمقراطية». ومَنْ يَعِشْ في الغرب يُدْرِكْ ذلك بشكل أكثر وضوحاً.
قد نفهم أن يفعل الغرب ما يريد، وأن مصلحته هي التي تقود تصرّفاته وذبذباته ووعوده الكاذبة، وتَلَوُّناته، بشأن الوضع في سوريا. ولكن، ما شأن العرب؟ أوَ ليس للعرب «الخائبين» إرادة؟ وكيف نفهم هذا «الاضمحلال السياسيّ» العربي القاتل، الذي تحوّل استجداء؟ الآن العالم العربيّ عاجز؟ لا. فمَنْ يملك الطاقات العظمى التي يملكها العالم العربي بشرياً ومادياً وتاريخياً، لا يمكن له أن يكون عاجزاً، وإنما متواطئ، لكنه تواطؤ بمثابة الخيانة. خيانة للذات، و»استخْفاف» بالمصير. وسترى السلطات العربية «المُـتَبَلْكِمَة»، حتى لا نقول المتواطئة، كَمْ ستكون خسارتها فادحة، عندما سيَتَذَرَّر العالم العربي كالرماد في ريح عاتية. وفي النهاية، في أوضاع مثل هذه، ماذا يستطيع فرد معزول مثلي أن يفعل سوى أن يطلق صرخة مجروحة. صرخة اليائس الأخيرة قبل أن ينهار كل شيء.
كاتب سوري
خليل النعيمي