التّأسيس لمرجعيات ثقافية واقتصادية كولونيالية النهج الاستعماري للأسبان والبرتغاليين في عصر النهضة الأوربية

حجم الخط
0

شكل الاستعمار الذي قادته كل من إسبانيا والبرتغال في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مرجعية كولونيالية للعديد من الدول الكولونيالية الإحلالية، ولا سيما إسرائيل، ومن خلفها انكلترا وفرنسا اللتين مارستا الهيمنة الإمبريالية على قطاعات كبيرة من العالم.
ما من شك بأن القراءة التأملية بمنظور تحليلي تاريخي، يمكن أن تشي بفهم معمّق لما آل إليه العالم الذي بات نتاج التجربة الاستعمارية التي أفرزت الكثير من الويلات، والمآسي، عانت منها المستعمرات حيث تعرضت لتخريب ممنهج، لتتحول إلى أشباه دول، فأنظمة الحكم فاشلة، وهنالك ظاهرة التيارات المتطرفة. ومما عمّق الوصول إلى هذه النتائج، انحراف النهضة لدى بعض الدول عن مسارها، وعدم تحقق التّنوير المرجو، ولا سيما أنه كان يتغيا اقتباس المنهج الغربي، ولكن الذي تحقق خلاف ذلك، إذ شاعت أنماط من الهيمنة التي ينظر لها بوصفها إرثاً استعمارياً، أعيد إنتاجه، ولكن في سياقات دولية، ووطنية، ومحلية. في هذه المقالة سوف ننظر في آلية عمل الاستعمار الكلاسيكي الممثل بدولتين هما البرتغال، وإسبانيا بوصفهما ممثلتي الاستعمار المبكر، والذي شكل مقدمة لبروز أكبر إمبراطوريتين استعماريتين، ونعني «فرنسا وانكلترا» ومن هنا ننظر في أهم الآليات، والفروق، بين هذين النهجين الاستعماريين، بالإضافة إلى أثر هذه التقاليد الاستعمارية على توجيه الممارسة الصهيونية التي مارسها الكيان الإسرائيلي بوصفه دولة كولونيالية، تتغذى من موروث استعماري أوروبي عريق.
تتحدد أهم الفروق بين النهجين الاستعماريين من وجهة نظر كارمن برنار أحد المساهمين في وضع «كتاب الاستعمار الأسود» عبر مفهوم الاستيلاء، ولكن برنارد يعيد موضعة المفهوم الذي نشأ مع الاستيلاء على الممالك الإسلامية من قبل المسيحيين في شبه الجزيرة الإيبيرية، وهنا نواجه فعل استعادة للنهج الايديولوجي، وذلك تبعاً لقراءة ارتجاعية لمجرى التاريخ حيث كان المسلمون مهيمنين لقرون خلت، وهنا نعثر على مسوغات ودوافع للفعل الاستعماري، فالرغبة باستعادة، وتنصير سكان المستعمرات كان مطلباً لكل من الإسبان والبرتغاليين، وهذا ما نجده فيما بعد قائماً لدى المنظومة الاستعمارية الانكليزية والفرنسية اللتين سعتا إلى هذا النهج، بهدف إيجاد موطئ قدم لهما في المستعمرات عبر تصدير قيم دينية ذات رسالة حضارية.
ومن أهم الفروق التي يمكن أن نتبينها، ما يتعلق بالاستيطان، فإذا ما نظرنا إلى المسلك الاستعماري الذي مارسه الانكليز والفرنسيون، فإنه كان ينهض على تكريس الزراعة، ولكن بهدف تكوين مجتمعات بيضاء أوروبية استيطانية على أراضي السكان المحليين، أو الأصلانيين، وهذا شائع عبر ما يمكن أن نراه في استيطان الانكليز والفرنسيين في عدد من الدول الإفريقية، وأبرز نموذج على ذلك الاستعمار الفرنسي في الجزائر، في حين أن الإسبان والبرتغاليين كانوا ينتهجون شكلاً آخر، يقوم على استغلال عمل الفلاحين، والعيش على حسابهم (ص 146)، بيد أن هذا النهج من الإخضاع الاستعماري، والاستيلاء على مقدرات الدول الخاضعة للاستعمار، وفرض الضرائب، وربط اقتصاديات تلك المستعمرات بالإمبراطورتين الإسبانية والبرتغالية، لم يكن ليمتلك هذا القدر من القسوة والشرعية دون وجود سند قانوني، وتاريخي، روجت له أدبيات الاستعمار التي عملت على خلق مسوغات للاستعمار، فشرعية الاستعمار آنذاك، كانت تنهض على مرسوم بابوي صدر سنة 1493. وهكذا نستنتج أن الاستعمار قد اتكأ على عدد من العوامل التي ساعدت على انتشاره، فالتقدم التقني والعسكري، كان قادراً على حسم الكثير من المعارك مع السكان المحليين، بالتراصف مع انتشار الأوبئة، والأمراض التي انتقلت من أوروبا إلى المستعمرات، وسكانها الأصلانيين الذين لم يكن لديهم مناعة ضد تلك الأمراض التي جاءت مع الأوروبيين.
على المستوى الاقتصادي، فنشير إلى نهج غير مباشر، إذ جلب الأوروبيون عدداً كبيراً من الحيوانات وتم إنشاء مزارع للخيول، والخراف، والماعز، وهذا أدى إلى تحييد القيمة الاقتصادية لحيوان (اللاما) الذي كان يعتمد عليه السكان الأصليون، فصوف الماعز نافس صوف الحيوان المحلي، مما أدى إلى أضرار في البنية الاقتصادية المحلية، فالحيوانات المجلوبة من أوروبا سرعان ما تم إطلاقها حالما رست سفن المستعمرين على شواطئ المستعمرات. ومع تكاثر هذه الحيوانات، وتوفر لحومها، نتج تغير في العادات الغذائية الخاصة بالسكان المحليين، ما أدى إلى إضعاف الصيادين، ورؤساء القبائل، وإلى تغير في بنية المجتمع والولاءات، وهذا ما ينسحب أيضاً على الزراعة حيث أجبر السكان المحليين على زراعة أنواع معينة، وهو ما يعرف بالتخصص الزراعي تبعاً لحاجة المستعمرين الأوربيين. لا ريب أن ما سبق قد عمّق التغيير في البنية المجتمعية التي تحولت إلى أنماط من الزراعة، لم تكن شائعة آنذاك، علاوة على انتشار البحث عن الذهب، والذي أسهم في نبذ الزراعة التقليدية لتوفير الضريبة المفروضة من قبل الأوروبيين على سكان المستعمرات المحليين، ولاسيما في الأمريكيتين.
إن التأمل في آليات عمل الاستعمارين الإسباني والبرتغالي، يقودنا إلى فهم آلية عمله، حيث تتبدى التقنية، والمسوغان القانوي، والأدبي، كما العامل الاقتصادي، والرغبة بالاستيلاء على كل ما يمكن للطبيعة الاستعمارية أن تفيد منه في إدراك حاجتها، وهذا نسق بدا مقدمة لآلية استعمارية مستقبلية، قادتها كل من بريطانيا وفرنسا، وأفادت منها إسرائيل، ولكن تبعاً لسياقات جديدة. إن الاستعمار لم يكن ليتحقق لولا خلق تكوين ذهني ثقافي بهدف التأثير في عقول المستعمرين عبر ترويعهم ذهنياً، والذي يعدّ مقدمة للشكل المادي الممثل بالاستعمار العسكري المباشر، وفي هذا السياق يشير برنار إلى كتاب «الأسطورة السوداء» الذي نشره الكاهن الدومينكي بارتولومي دولاس كازاس هادفاً من خلاله إلى كشف الوجه البشع للمستعمرين، وجبروتهم في القضاء على السكان المحليين. بيد أن الكتاب لقي انتشاراً كبيراً، وتم تداوله، وطباعته بشكل كبير؛ إذ أسهم بخلق أسطورة الجبروت الإسباني، والذي كان له دور كبير في ترويع المستعمرات، وسكانها، ولعل هذا المنحى بدا نمطاً شائعاً في خلق قيمة دعائية تم استثمارها من أجل تكريس الهيمنة، على الرغم من أن مؤلف الكتاب كان يهدف إلى كشف وإدانة الجرائم الاستعمارية التي انطوت عليها التجربة الاستعمارية الإسبانية إلا أن أثره كان عكسياً.
وإذا كنا قد توقفنا لبيان بعض الآليات التي انتهجها الاستعمار، فلا بد من الإشارة إلى آلية استعمارية مستمرة، ومتجددة، ونعني العمل على إقامة الحدود والتصنيفات التي تستهدف إنشاء منصة ثقافية فاعلة، ومتعالية في الآن ذاته، والتي يمكن لها أن تفيد الجسد الاستعماري، وهنا أحيل إلى مفهوم الجغرافيا الاستعمارية الثقافية التي تقوم على تقسيم الفضاء المكاني مادياً، وخطابياً. فالمستعمرون الإسبان والبرتغاليون كانوا حريصين كل الحرص على إقامة حدود تفصل بين مناطق الحضارة، والمناطق البربرية (ص 160)، وهذا أتى بهدف كسب أكبر قدر من الأراضي، علاوة على توطين أكبر من قدر من المستعمرين الأوروبيين، ولعل هذا النهج أدى إلى فصل أجزاء من القارة الأمريكية عن بعضها البعض، وذلك عبر تحويل الأرض إلى قطاعات منفصلة، وهذا أفضى إلى إحداث تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية، ولا سيما في التركيبة السكانية، كما أدى إلى بتر طرق المواصلات بين المناطق، ما حال دون التبادل التجاري الذي كان قائماً بين القبائل، وهكذا فقد تم إضعاف، وخلخلة البنية السياسية للقبائل نتيجة فقدان التواصل، وهذا قاد إلى إقصاء بعض الزعامات، وتحييدها، مقابل إبراز بعض الزعامات، ولاسيما تلك التي استفادت من قدوم الأوروبيين. كما يلاحظ أنه قد تم إنشاء منظومة تنهض على مجتمع تراتبي عرقي، يتقدم فيه الأبيض، وبعض الجماعات الوطنية المحلية النخبوية، وهكذا فقد أمسى المجتمع يتكون من فئات، الحظوة فيها للمستعمر الأوروبي، في حين أن القبائل المحلية قد صنفت إلى قبائل صديقة، أو طيعة، أو عاصية، أو متوحشة. فكما يذكر برنار بأن تلك الحدود التي أقيمت بين المناطق، كرست المنظور الجيوحضاري القائم على ثنائية مناطق الحضارة، والتي تقابلها البقاع، أو المناطق المتوحشة، وهذا التقسيم بقي فاعلاً إلى القرن العشرين (ص 160).
يقودنا تحليل الممارسات الاستعمارية الإسبانية والبرتغالية إلى تبيّن السياسة التي انتهجها الاستعماران الانكليزي والفرنسي، وهما اللذان سارعا إلى تقسيم المستعمرات، وخلق حدود كما حدث في اتفاقية سايكس بيكو، وغيرها، وهذا ما نعثر عليه من أنماط استعمارية شائعة، وممارسة من قبل الكيان الصهيوني، الذي ينهض على تمزيق البنية الجغرافية لفلسطين، مما يحول دون خلق امتداد، وتواصل ثقافي واجتماعي وحضاري، علاوة على ما طرأ في فلسطين من تحولات طالت البنية الاقتصادية، وخاصة العادات الاقتصادية للفلسطينيين، حيث تخلى الفلسطينيون عن العمل في الزراعة، وبرز مفهوم التخصص الزراعي، بالتجاور مع ظهور نماذج وأنماط من التجارة والصناعة التي ربط معظمها بالدول المستعمرة، إسرائيل. وفي السياق عينه، نشير إلى تلك الخطابات الإعلامية، والمؤلفات التي أعلت من القيمة العسكرية للجيش الإسرائيلي، وأسطرته، والتي أسهمت في امتداد، وتوسع دولة إسرائيل. إن هذه الأنساق من السلوكيات الاستعمارية، لا تنفك تتجدد حتى لدى بعض التيارات والجماعات الدينية، أو حتى حكومات المستعمرات التي تحولت إلى دول مستقلة.
إن الرغبة في القفز إلى العصر الحديدي، وامتلاك الأدوات الأوروبية المصنوعة من الحديد لن يتحقق ما لم يسارع إلى اعتناق حضارة الغرب، والخضوع لهيمنته، كما تنص أدبيات الخطاب الكولونيالي، وتحديداً في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بيد أن هذا الخطاب ما زال قائماً، ومستمراً، وإن اتخذ مظاهر وأشكالا جديدة أكثر نعومة، ومخاتلة، فأي تقدم نحو الأمام والحداثة بما تنطوي عليه من تطور تقني، لن يتحقق ما لم يتم تبني، أو انتهاج الرؤية الغربية، ولعل هذا ما يشكل مركز الأزمة لدى المستعمرات، ولاسيما بعد مرحلة الاستقلال، فإلى الآن ما زلنا نؤمن بهذا النهج، ولم تفارقنا القابلية للاستعمار، والأنكى، أننا تعلمنا كيفية تكريس نظمه من أجل المزيد من الهيمنة على بعضنا البعض. وهكذا نجد أن الثقافة الكولونيالية باتت معرفة تراكمية ذات تقاليد، وأنساق متجددة، يمكن أن تُستعاد في أي حين.

كاتب أردني/ فلسطيني

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية