■ أعتقدُ أن الشاعر قادرٌ على تحويل العالم إلى لغة شعرية معجونة بدم المشاعر النابضة بحياة الذات والوجود، لذلك فالعالم المتخيّل متخلِّق من رحم الخيال الجامح والجانح نحو آفاق بعيدة وقصية؛ لاصطياد الأبهى والجميل من عوالم الأرض والسماء، فالأرض قرينة بما هو محفّز للعملية الشعرية، والسماء باعتبارها سموا نحو الأعالي، وبحثا أبديا عن الماء الخيالي، الذي يروي النص الشعري، الشيء الذي يجعل الشاعر في ترحال سرمدي نحو الأقاصي، وإقامة في الداني حتى تتحقق للنص لغته الشعرية، التي تشيّد وجودها، عبر التخييل، كمقوم من مقومات البنية النصية للشعر، والمتخيّل كصنيعة لهذا التخييل.
إن الأمر في كتابة نص شعري متوهِّج بعمق التصور الكتابي الإبداعي، وجدارة الرؤى الشعرية المتميزة بالأصالة، واختراق المجاهل بالحلم والإقامة في المهاوي السّحيقة للعالم؛ يستدعي البحث عن وسائل تعبيرية متخلّقة من هذه الأرحم الولّادة. هذا التوهّج النصي مكْمَنُهُ في ما يخفق به من عواطف تجيّش بالباطن، وما يخلقه من عوالم متخلّقة من الذاكرة الفردية، كموروث ذاتي حافل بتاريخ الجسد ككينونة ممتلئة بالقلق الداخلي، وبجرح الأسئلة النّازفة بحرقة الآلام ووهج الآمال، التي يزْخر بها الوجود منذ البدايات الأولى للقول الشعري، حيث يظل الشاعر رهين البحث عن الكينونة بين الحياة والموت، لكنّ بالشّعر تتخلَّص من العدم لمعانقة حقيقة الذات في الواقع، عبْر اللغة والخيال والتجربة، كتابة تفصح عن أحقية الذات في التعبير عن العالم، في صور شعرية تنقل المحسوس إلى مجرّد والمجرّد إلى شيء ملموس، وبالتالي تغدو الكتابة الشعرية تنقيبا عن الذات بهمومها وانشغالاتها وسط وجود غامض وغامق ومتحول، وجود في أمسّ الحاجة إلى الإبحار في ملكوته حتّى يستطيع الموجود قادرا على استكناه هذه الغوامض والغوامق والتحولات.
هذا الوجود الغامض، الغامق والمتحول يستلزم لغة شعرية مُتحوّلة، ومُنْفلِتة من عقال البلاغة الكلاسيكية، ورؤى في كتابة إبداعية تستشرف الذات في ما هو قصِيٍّ، والعالم/ الحلم الذي يظل يراوده الشاعر منذ الاحتراق الأول المُلْتَهِمِ للجسد. من هذا المعطى يروم الشاعر دوْما السَّفر عبْر المنعرجات الوجودية، علّه يقتفي أثر الحالمين الَّذين سبقوه ليس للاقتداء بهم، ولكن من أجل إحداث خلخلة في النص الشعري، بغية إثرائه بإضافات جديدة جدّة وخلقا، وهذا لا يعني أن النصية الشعرية السّالفة لا تثوي شعريتها، وإنّما تتحقّق وَفْقَ ذائقة شعرية معبّرة عن لحظتها التاريخية والإبداعية، لهذا فالسيرورة الشعرية متغيّرة وغير ثابتة، وطبيعتها الصيروراتية من تجليات الإبداع الشعري الإنساني. هذه السمة التحوُّليَّة في كتابة نص شعري، من أبرز التمظهرات التي ينبغي التأكيد عليها، في سياق التناول النقدي، فإذا كان الوجود يحقِّق وجوده عبر الاختلاف والتنوع، الذي يغْني الحياة، كذلك الشأن بالنسبة للإبداع، فهو الآخر خاضع لمنطق التبدّل، فالسكونية منافية للابتداع وعدوَّة للخلق والتجديد، بل إن الحركية هي الصورة الحقَّة الأصيلة لكل إبداع إنساني، فمنطق التحول من صِبْغِياتِ النص الشعري، ومقوم من مقومات الكتابة التي ترغب في معانقة المجاهل والكشف عن غوامضها والتباساتها المفضية إلى ارتياد المغامرة، كمصير حتمي لكل كتابة شعرية خلّاقة، وعليه فمسار النَّصِّيَّة الشعرية العربية حافل بهذه الخروقات الإبداعية في البنية والمضمون، إذ إن حياة هذه الشعرية كامن في هذا الخرق الْمُفْضي إلى خلْق نص شعري يقول كينونته بهوية نابعة من كيانه الشكلي والموضوعاتي، وهذا إن دلَّ فإنَّما يدلُّ إلى عِلَّة بنية التحول التي تميز الشعرية العربية منذ العصر العباسي كمحدّد للبدايات الأولى للتّحوّل.
في حقيقة الأمر إن العصر العباسي كان فتحا عظيما لشعرية عربية متساوقة مع ما يجري من تَحَلْحُل مسَّ الجوانب الاجتماعية والحضارية والثقافية، وأمام هذه المعطيات كان لابدّ للشاعر أن يفكر في خلق نص شعري؛ يحتضن كل هذه التبدّلات ويستجيب لنداء الذات التي بقيت لقرون رهينة بنية مجتمعية مقيدة بأغلال القبيلة، والمشروع الإسلامي الذي انتصر للأمّة والصراع السياسي والمذهبي الذي تحالف مع الانتماء المذهبي، مغيّبا جوهر الإبداع الشعري لخدمة هذه النّعرات الطائفيّة، الشيء الذي لم يكن مساهما في إعطاء روح جديدة للقصيدة العربية، وبذْر بذور التّجديد في أرضها، نظرا لانشغالها بالهمِّ الجمعي الذي التهم هذه الذات لتكون مضغة سائغة لما هو جماعي، فظلت النصية الشعرية نصية اجترارية تعيد نسقية فكرية خارجة عن تاريخ الذات المصدومة بحضارة مدنية تناقض الحضارة الضاربة في بنية القبيلة . إن هذه المُسوِّغات التحوّلية فرضت على الشاعر المبدع التفكير مليّا في نسج (والنسج هنا ليس كما قصده الجاحظ عندما قال، الشعر نسج وتصوير ) نص شعري يستطيع احتواء هذه التحولات.
إن الذات تخلق عوالم القصيدة من متخيَّل اللغة، واللغة هي الوسيلة الوحيدة التي بمُكْنِها الإفصاح عن العالم، وما يمتلئ به من أسئلة حارقة، فاللّغة تثوي تاريخ وثقافة وتجارب الذات وتتقصّى مغالق العالم بمنظار الخيال والبصيرة الرؤياوية، ولا غرابة في ذلك مادام الشّعر كتابة الذات باللغة وكشف للعالم. فالقصيدة الأبدية هي التي بمُسْتطاعِها تجديد الرؤية كتصوّر لعملية الكتابة، وخلق لشعرية تبتغي وجودها في كينونتها الإبداعية. النص الشعري يعلن وجوده، عبر لغة الاستعارات والمجازات، التي تسعى إلى التقاط اللحظة التاريخية التي تجسّدها الذات الشاعرة في علاقتها بالعالم بصفاء وصحو نادرين، ويمكن اعتبارهما الإحساس التوهّجي والإشراقي التي تصل إليه الذات، مع ما يُشكِّل عَصَبَ الكتابة، ولعلّ ما تزخر به تجارب الشعراء من فلتات تعبيرية ذات منحى استشرافي ؛ منبعه تلك الرؤيا الشعرية التي تجدّد العالم والذات وتمنحه الاستمرارية في مراودة المجاهل وكل ما يستفزّ الكوامن والخوافي.
إن التوهّج والصّحو الباطنيين هما وسيلتان من الوسائل التأملية، في أفق يشدّ الذات إلى عوالم متخيلة مبدَعة؛ بلغة الخفق الداخلي والرّجّة الشعورية المدوّية في الأعماق، ويمكن عدُّهما لحظة الانسلاخ من العالم المحسوس إلى عالم مجرّد من كل ما من شأنه، أن يكون طاقة تشحن الذات والوجود بالحياة والجمال.
إن لغة الاستعارات والمجازات تقود النص الشعري إلى اللامنتهي، الذي تعثر فيه الذات عن الكينونة وهي تغتسل بماء الخيال، إلى اللانهائي حيث الذات تقف منذهلة أمام عظمة هذه الأسرار المختبئة في الأقاصي الجسدية والكونية، إن رحلة الابتداع رحلة أبدية، يستحيل توقيف جريان مياهها اللغوية والتعبيرية، شكلا ومحتوى، فهي بمثابة النهر الذي لا يعرف التوقّف عن الانسياب، معبّرا عن كون الكتابة الشعرية إقامة في حافّة الأسئلة الحارقة، الأسئلة المضيئة للعتمات والسراديب المظلمة في الذات والكون. وليس غريبا أن تاريخ الإبداع الإنساني هو الآخر يستميز بخصّيصة عدم الارتكان إلى الجمودية التعبيرية والشكلية، بقدر ما يحفر في المسارب والمسالك التي لم يتمكّن الكائن الشعري، أن يكتشفها ويستنبت مشاتل جديدة في جغرافية الكتابة الحقّة.
شاعر من المغرب
صالح لبريني