الثاني من آب كوكبيا وعربيا

كان عبد الوهاب المسيري رحمه الله من أكثر الكتّاب العرب انتباها للمسألة البيئية. فقد كتب مرارا، في سياق التحذير من مفاسد النزعة الاستهلاكية المفرطة، أنه لو أخذت كل المجتمعات بأسلوب الحياة الأمريكي، استهلاكا للطاقة واستخداما للسيارات والمكيفات ومراكمة للمنتجات الصناعية والالكترونية التي لا داعي لها، فإن البشرية ستحتاج إلى حوالي خمسة كواكب أرضية أخرى لمجرد استمرار القدرة على البقاء، مع ضرورة توفير كوكب إضافي لتأمين المساحة اللازمة لرمي النفايات! ولك أن تتخيل عائلة كل أفرادها في ظاهر الأمر عقلاء، ولكنها تخصص للقمامة مكانا يبلغ في اتساعه حجم بيتها الأصلي!
وها إن التقرير السنوي الذي أصدرته منظمة «غلوبال فوتبرينت نتوورك» قبل أيام يؤكد أن العائلة الإنسانية أوغلت شوطا بعيدا في نفق انعدام الرشد هذا – نفق الانتحار الإنساني البطىء. حيث تبيّن أن البشرية قد استهلكت بحلول الثاني من هذا الشهر كل المقدرات الطبيعية المفترضة لهذا العام، أي أن البشرية «بدأت تستدين من الطبيعة بداية من الأربعاء الماضي». وما يعنيه هذا هو مفاقمة كميات منفوثات ثاني أوكسيد الكربون في الجو، وتعميق فجوة العجز البيئي (الشبيه بالعجز المالي في الميزانيات) نتيجة لتزايد لاحتباس الحراري.
وقد دأبت منظمة «غلوبال فوتبرينت نتوورك» منذ سبعينيات القرن العشرين على إعلان تقديرات تتعلق بما يسمى يوم إرهاق الأرض، أو «يوم تجاوز الحد»، أي اليوم الذي يتجاوز فيه الاستهلاك ما تستطيع الطبيعة تجديده أو إعادة إنتاجه دون أن تنقص من احتياطيها الثابت، أو دون أن تنال، بتعبير آخر، من رأسمالها. وقد كان هذا اليوم يحل، أثناء عقد الثمانينيات، حوالي منتصف تشرين الثاني/نوفمبر. ومع تزايد الاستهلاك البشري، صار أثناء التسعينيات يحل في شهر تشرين الأول/اكتوبر. أما في العقد الأول من الألفية فقد كان يحل في أيلول/سبتمبر.
عجز متفاقم ودين متراكم. ولا يمكن إلا أن نلحظ أن يوم الثاني من آب/أغسطس، الذي يوافق هذا العام يوم تجاوز الحد في إرهاق أمنا الطبيعة، إنما هو اليوم ذاته الذي تجاوزت فيه أمتنا العربية الحد في عبثية الاستبداد الداخلي والعدوان الخارجي. إذ إن غزو الكويت، وما جره على الوطن العربي من ويلات الحصار والحروب والاحتلال الذي هيأ لتأبيد الحضور العسكري الأمريكي عندنا، هو الحدث التدشيني لكل مسارات الخراب الذاتي التي سرنا فيها ولا نزال ممعنين إلى اليوم. وما أكثر ما ننسى أن جماهيرنا في معظم البلاد العربية أيدت هذا الغزو، ولم يبدر منها حتى الآن ما يدل على أنها أدركت أن الابتهاج بعدوان القوي على الضعيف ليس مجرد مؤشر على رداءة الفهم السياسي، بل إنه أقوى دليل على سقم الحس الإنساني.
وإذا كانت مستتبعات الثاني من آب/أغسطس على الصعيد البيئي الكوكبي ستكون مماثلة لمستتبعات الثاني من آب/أغسطس على الصعيد السياسي العربي، فإن الأكيد أنه لن يبقى أمام البشرية سوى انسداد الأفق وإظلام المصير. ذلك أن تدارك الكارثة يستوجب مواجهة الجمهور بالحقائق المزعجة وحمله على انتهاج السياسات الراشدة التي هي بالضرورة سياسات صعبة. سياسات من جنس ما تكره عليه النفوس إكراها. أما الاتفاقيات الدولية الموقعة حتى الآن، بما في ذلك اتفاقية باريس التي أعلن أبو جهل الأمريكي أن بلاده في حل منها، فهي لا تقرب حتى من الدرجة الصفر في سلّم أي استراتيجية جادة وشجاعة لمعالجة الكارثة. فليس الالتزام بحد أقصى من منفوثات ثاني أوكسيد الكربون، مهما كان منخفضا، سوى ترقيع وترميق. ذلك أن أصل المشكلة يكمن في نموذج الحياة الاستهلاكية ذاته، لا في عواقبه. وطالما ظلت البشرية متجمدة في هذا الوضع شبه الأسطوري منذ قرنين، أي وضع إسلام الأمر والمصير لنموذج حياة «إنتاجوي» ينتج المزيد لمجرد استهلاك المزيد، فإن كل المفاوضات الدولية حول الاحتباس الحراري تظل مجرد تراقص حول فوهة البركان.
ولاستكمال الصورة، وجب التذكير أن تقريرين دوليين حذرا قبل حوالي شهر فقط أن معظم مناطق العالم العربي مهددة في الأعوام القليلة المقبلة بمخاطر القحط الشامل وجفاف موارد المياه. وليس هذا مجرد رهان تقني. بل إنه، كما قال الباحث دومنيك بورغ، رهان ميتافيزيقي وأخلاقي: إن الإنسانية تواجه اليوم حقيقة قابلية كل شيء للزوال.

٭ كاتب تونسي

الثاني من آب كوكبيا وعربيا

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية