الثقافة المصرية في زمن الجمهورية العربية المتحدة: فن صناعة الديكتاتور ومراكز القوى… لغط الهجوم على الرمز

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» : ما تبقي من تراث ثقافي وفني في أرشيف السينما والتليفزيون والإذاعة المصرية هو حصيلة ما تم إنتاجه في سنوات العطاء والثراء منذ قيام ثورة يوليو 1952 وحتى رحيل الزعيم جمال عبد الناصر وهي ما يمثل الدلالات والإمارات على الإنجازات التي تحققت في هذا الصدد وكان لها مردودها الإيجابي القوي على الحياة السياسية والاجتماعية واندماج المواطن البسيط في الحياة العامة مشاركا في صنع الثقافة والفن والإبداع بتشجيع الرموز الكبرى وأصحاب الإسهامات البناءة ومنهم النموذج الأهم في مرحلة الإعداد والتكوين والنهوض.
توارى مبكرا عن الأضواء بعد انقضاء زمنه وتعاقب مراحل مختلفة لم يكن له دور فيها ففصلته سنوات طويلة عن الأجيال الجديدة فباتت لا تعرف شيئا عنه وهو الذي كان في فترتي الستينيات والسبعينيات علم يشار إليه بالبنان.
محمد عبد القادر حاتم أشهر وزير للثقافة والإرشاد القومي رحل عن 97 عاما ومضى رحيله في صمت مريب برغم أنه الوزير الأشهر ورئيس الوزراء الأسبق في سبعينيات القرن. ليس مستغربا هذا الأمر في ظل تراجع المناخ الثقافي العام وانتهاء مرحلة الزخم الثوري الذي كان إبان العصر الذهبي للإعلام والثقافة والفكر والفن وربما يضاف إلى أسباب التجاهل وعدم الاكتراث بفراق الرجل الأهم في تاريخ الإعلام المصري انشغال التليفزيون والقنوات الفضائية بالموسم الرمضاني وسيولة المسلسلات والبرامج حيث قلت الظاهرة السنوية حالة من تركيز الوعي الجمعي في اتجاه آخر ينشغل فيه الناس عن قضاياهم الجادة وينصرفون إلى ما ينسيهم همومهم اليومية وأعباءهم المعيشية فضلا عن أن تعدد حالات الوفاة بين رموز الوسط الفني والثقافي في الفترة الأخيرة جعل الرحيل والغياب أمرا اعتياديا ليس له التأثير الفطري الطبيعي من انعكاسات الألم والحزن والتأسي على موت القامات الكبرى وانسحابها من الحياة إلى الأبد.
ولد عبد القادر حاتم في الثالث من ايلول/سبتمبر عام 1918 في محافظة البحيرة مركز إيتاي البارود. وتخرج في الكلية الحربية عام 39 بحصوله على بكالوريوس العلوم العسكرية وقد عين في الهيئة العامة للاستعلامات ثم أنشأ بعد ذلك أول وكالة للأنباء في العالم العربي هي وكالة أنباء الشرق الأوسط ولكفاءته العلمية والإعلامية عين في فترة الستينيات وزيرا للدولة ومسؤولا عن الإذاعة والإعلام العربي عام 58. ويلاحظ هنا الصلة بين الإذاعة المصرية والإعلام العربي وتاريخ التعيين 1958 حيث بداية الوحدة المصرية السورية التي كان الإعلام له دور ريادي في دعمها بوصفه وسيلة التواصل الرئيسية بين الشعوب العربية والأشقاء آن ذاك وبغض النظر عن فشل مشروع الوحدة فإن الإعلام حينئذ كان قويا ومؤثرا.
وفي عام 1960 وعلى أثر ما تحقق من بعض النجاحات فيما يتصل بدور هيئة الاستعلامات صدر قرار بتعيين عبد القادر حاتم وزيرا للثقافة والإرشاد القومي وظل عاكفا على العمل طوال خمس سنوات أنجز خلالها عدة مؤلفات ذات صلة بالرؤية السياسية والثقافية والإعلامية من بينها «الإعلام في القرآن الكريم» و»الدعاية نظريات وتجارب» و»علم المستقبليات» و «الاقتصاد السياسي والإسلام» و «التقاليد البرلمانية في العالم» و»الصحافة في مصر» و»النظام السياسي في مصر» و»التخطيط الثقافي». وقد صدرت له بعض المؤلفات باللغة الإنكليزية واليابانية أهمها «أرض العرب» و»الحياة عند القدماء المصريين» و»قيم إسلامية» و»توحيد النقد في البلاد العربية» و»الأرض العربية من الشمس» وغيرها. إذ بلغت مؤلفاته نحو عشرين كتابا الأمر الذي ثمن إسهاماته وجعله جديرا بالحصول على 40 قلادة ووساما من مختلف دول العالم ولعله انفرد بهذا الامتياز بين كل من وزراء الثقافة والإعلام اللاحقين فما زالت نظرياته وأطروحاته تدرس للأجيال الجديدة من شباب الإعلاميين والكوادر الثقافية الناشئة.
عمل حاتم على تطوير اللغة الإعلامية والخطاب الثقافي فانتقل من وظيفة التأييد المطلق للقيادة السياسية إلى المشاركة الحقيقية في نقد ومناقشة القضايا ذات الأبعاد الجماهيرية وهو ما ترجمه في اثنين من أهم إصداراته «الإعلام كوسيلة للاستقرار الداخلي وتحقيق السلام للعالم» و «الرأي العام». وهنا يتأكد ان وزير الثقافة والإرشاد القومي ورئيس الوزراء فيما بعد قد اضطلع بكل مسؤولياته وابتعد عن غوغائية الدعاية الفجة للنظام السياسي على عكس ما يشاع والتزم بالمنهج العلمي المدروس وفق آليات ونظريات وربما كتابة في هذا الصدد التخطيط الثقافي يثبت ذلك. بيد أن دوره كمثقف وكاتب وصاحب رؤية ينأى به عن شبهة تسخير الأجهزة الإعلامية والثقافية لخدمة المرحلة الستينية غير أنه الإيمان الحقيقي بالمشروع القومي للدولة خلق لديه شعور راسخ بأنه جزء من الحرة النهضوية فتفانى في دوره وأخلص له من هذا المنظور.
ولأنه كان خليقا بالثقة وجديرا بها عينه الرئيس السادات رئيسا للوزراء عن قناعة بانه الرجل المناسب لرئاسة الحكومة المصرية في مرحلة لم تكن على المستوى السياسي مرحلة مثالية ولكنها الفترة الأصعب والأكثر احتياجا لضبط الإيقاع من كل الزوايا وقد كان عبد القادر حاتم عند مسؤولياته وأثبت كفاءته المعتادة تماما مثلما أثبتها في مواقفه السابقة.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية