الثقافة والأمن… علاقة ملتبسة بين السلطة والحرية

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»ـ من مروان ياسين الدليمي: الثقافة ميدان فاعل لإنتاج المعرفة والأفكار وإحداث تحولات قيمية في بنية المشهد الإنساني، ومن خلالها تتأسس قراءات جديدة في آليات التفكير والوعي بالحياة والأشياء، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال (الحرية) كشرط ضروري. فقد كان السؤال المطروح دائمًا بين الأوساط الثقافية يدور حول أوجه العلاقة بين الثقافة والأمن، ولم يكن تداوله مقصورًا في إطار ما تفرضه الأنظمة الشمولية من تلصص على الفعل الثقافي وقمعه، بل يتعدى إلى ما هو أبعد من ذلك. وطالما أننا في زمن الفضاء المفتوح فهل هناك ضرورة للحديث عن الأمن الثقافي؟ وحتى تكون المساهمة من زوايا متعددة الإجابة عن هذه العلاقة ما بين الثقافة والأمن، فقد طرحنا أسئلتنا على ثلاثة مثقفين عراقيين هم: الشاعر إبراهيم البهرزي، والناقد عباس خلف، والشاعر رعد فاضل.

■ ماذا عن العلاقة بين الأمن والثقافة؟

□ إبراهيم البهرزي: العلاقة بين الأمن والثقافة علاقة ملتبسة، وفي تعبير آخر أكثر دقة، فإنها علاقة تقوم على الريبة، بسبب التناقض الكبير بين مدلولات ومناخات عمل كلا المفهومين، وهذا مرجع الإشكالية؛ فالوقت الذي يحيل مفهوم الأمن إلى سلسلة آليات تنظيمية تكون مهامها ضبط الحريات وفقًا لفلسفة السلطة، وقد تتمادى مهام الضبط المذكورة إلى درجة القمع التعسفي، تحت ذرائع براغماتية تفرضها المصالح الخاصة للسلطة، فإن الثقافة من جهة أخرى مفهوم يقع على الطرف الآخر المعاكس تمامًا لمفهوم الأمن، فهو مفهوم يعنى أولاً وآخرًا بتوسيع نطاق الحرية للمدى الذي يمكن للثقافة أن تحافظ على استقلاليتها، فالاستقلالية في الثقافة مرتبطة باتساع مدى الحرية، في حين ترتبط الاستقلالية في الأمن بالمدى الذي يمكن الحد فيه من رقعة الحرية.

□ عباس خلف: إذا ما أردنا أن نفسر العلاقة ما بين الأمن والثقافة كمفهوم دالّ على وحدة الثقافة وحصانتها، علينا أن نتتبع مسار التيارات والمفاهيم التي سبقته، مثل: ما بعد الكولونيالية، والحداثة، وما بعد الحداثة، والعولمة، أي جعل العالم قرية كونية، واتساع وسائل الاتصال الحديثة (سوشيال ميديا)، حينئذ نصبح أمام مأزق التعريف وكيفية إدراك حقائقه في ظل الثقافة الكونية وتأثيرها على الحضارات، فهذه المصطلحات براقة ومغرية في ظاهرها، كمؤشرات تشخيصية تعلن عن بداية مرحلة في أبعاد المثاقفة الإنسانية، ولكن القلق والتوجس يبدأ من دراسة كل مصطلح على حدة، فالإشكال ها هنا ليس فكريًا ومعرفيًا، بل يتعدى ذلك إلى ما تغلفه هذه المكونات الاصطلاحية من أبعاد أيديولوجية مبطنة ومنمطة تسعى لفرض ثنائية غير متوازنة، هيمنة/تابع، لخلق ثقافة محورية أو مركزية تدور في فلكها الثقافات الأخرى، وهكذا يجري الاعتقاد السائد لدى الشعوب الحية التي تمتلك مخزونًا هائلاً من الموروثات التي تنضوي على معالم أنثروبولوجية وميثولوجية غذت هويتها بالثقافة البيئية والمجتمعية والتاريخية لا يمكن التفريط بها أو تمييعها ومن ثم ذوبانها وتلاشيها والانسلاخ من جلدها مقابل الاندماج الواسع للمفاهيم الجديدة. إن إشكال العلاقة بين الأمن والثقافة بين الدول وشعوبها يبقى أكثر ضررًا لأنها تلجأ إلى تمرير أيديولوجيتها بالتخويف لما تسميه بالغزو الثقافي، والمؤامرة، والحماية الثقافية، والاستقلال الثقافي، والممانعة، وهذا ما نراه حاصلاً في مجتمعاتنا العربية.

□ رعد فاضل: بداهةً لا يمكن أن تكون هنالك ثقافة حقيقية في مجتمع ما إلّا بعد أن يكون هذا المجتمع متمتّعاً بنظام أمنيّ شامل على المستويات كافّة، سياسيًّا واقتصاديًا واجتماعيًا، ذلك أنّ الثقافة مشروع حياةٍ يتطلّب دائمًا نوعًا متواصلاً ومتطوّرًا من الطمأنينة والاستقرار ليتمكّن هذا المشروع من تمتين بنيانه وتطويره من وقت لآخر، وفقاً لمتطلبات كل مرحلة ثقافية يتطلّبها المجتمع. من جهتي يمكن الحديث عن هذه العلاقة، أعني العلاقة بين الأمن والثقافة، عندما يكون هنالك خلل أو عدم فَهم طبيعة هذه العلاقة، أو كيف يجب أن تكون عليها. في أنظمتنا العربية وبعض أنظمة آسيا لا يزال كلٌّ من النظام الأمني والنظام الثقافي ينظر أحدهما إلى الآخر بعين الريبة والشكّ والعداء، وهذا معروف؛ فثمة تاريخ من التّصادم والتطاحن لا يزال متواصلاً بين هذين النظامين، تكون فيه الغلبة لنظام الأمن دائمًا، ذلك أنه يصدر عن المؤسسة السياسية العسكرية في هذا البلد أو ذاك، أو على الأقلّ يُجبَرُ النظام الثقافي على تغيير أو تجاوز ما تسبّب بهذا التّصادم. إن لم نستطع أن نضع المؤسسة الثقافية (غير المُسيَّسة- طبعاً) مُنظِّرَةً ومُوجِّهة لسائر مؤسسات الدولة والمجتمع، سنظل على الدوام بعيدين كلّ البعد عن صناعة ثقافة حقيقية.

■ في زمن الحريات التي أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات، هل هناك جدوى من الحديث عن الأمن والثقافة؟

□ إبراهيم البهرزي: مع تشبع المناخ الكوني بأطاريح التمثل العولمي وظاهراته في العقد الأخير من القرن الماضي، الذي افتتح بانكسار القطب الثاني في الصراع الثنائي الأيديولوجي العالمي، انطلقت وسائل الاتصال الرقمية لتغطي كامل الكوكب بمزاج ثقافي مختلف، يقوم على فكرة الانكشاف الحتمي للثقافات الفرعية، على ثقافة كوكبية واحدة محمولة أثيريًّا، تتمتع بلحظية الوصول وعمومية التفاعل خارج سيطرة السلطات الإقليمية، وأصبحت وسائل التواصل الإلكتروني تقوم مقام الحزب أو الحركة الاجتماعية في النظام القديم ما قبل العصر العولمي، وصار فرض ثقافة ما يسمى بالعالم الحر (وهو العالم المهيمن على وسائل الاتصال الرقمية) أيسر وصولاً إلى بلدان العالم الثالث، وأتاح الفقر الأمني الإلكتروني أن تقف السلطات في هذه البلدان مكتوفة الأيدي، أمام انهمار ثقافة العولمة عبر وسائل الاتصال وسيطرتها على مجمل الثقافات المحلية وتوجيهها إلكترونيًا. لم تعد وسائل الأمن التقليدية قادرة على كبح المد الثقافي العولمي، الذي تمكن بآلياته المعروفة من إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية في مناطق كانت تعد عصية على التغيير، وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن التحولات كانت كلها إيجابية، إنما المقصود من ذلك هو انهيار الأمن التقليدي أمام ثقافة العولمة وخلق ثقافة الاستعداد لبناء أمن إلكتروني مضاد يقف مستقبلاً في وجه سيل الثقافات المندفعة دوليًا.
□ عباس خلف: كثيرًا ما نوهم الذات بهذه الفزاعة، والمخاوف تأتي من محاولات الهيمنة والاستحواذ الثقافي، في ظل تعدد وسائط الاتصال التي يسميها المفكر أدوارد سعيد «الدستور الإمبريالي المعاصر»، إنها بلا شك تهدد الثوابت الحضارية والتاريخية والدينية، ما دام الفضاء المفتوح يتسع ولا يضيق بالتغريب الثقافي، ويتجدد باستمرار ويتمدد من دون استئذان لقبوله أو رفضه. فالأمن الثقافي معناه الإشباع من حاجات الأمة الثقافية، ودرء الخوف من الخصائص والاستلاب والغزو الفكري ومغالبة الإفقار، وهذا لم يتوفر منه الحد الأدنى في مجتمعاتنا العربية، لهذا ظهر جليًا العطب والإخفاق في منظومة المفاهيم الثقافية المستهلكة، التي اعتادت على تسويقها اتجاه الآخر، وهذا يعني انحسار هذه النظم الفكرية أو الدينية، التي تروج للحفاظ على القيم الأصيلة، ومن ثم لم يكن أمامها غير زرع الشكوك وخلق الذرائع وإشاعة مفهوم باهت ومضلل لتنعته بـ«الاستعمار النظيف». فنقول وبتواضع شديد، لا يمكن تفادي الدول العربية (التي هي معنية أكثر من غيرها بالأمن الثقافي) زمن الحريات بثقافة مؤجلة وغير مدركة لأبعاد المستقبل، ما لم تجر مراجعة شاملة لمناهجها التربوية، وتحرير المؤسسات الثقافية من عبء الأوهام التي تحرس قيمها وصيانة لغتها وذاكرتها من الضياع والتشتت، ونبذ الصراعات الجانبية والفرعية، ونقد ذاتها، وإعادة صياغة خطابها الفكري بما ينسجم ومتطلبات العصر في التحديث والتجديد والتنوير، لكي تنتقل من لحظة الدفاع إلى لحظة تفاعلية مؤطرة بالأفكار والتجارب والقيم، التي بمقدورها أن تشكل مع الآخر خلاصة التجربة الإنسانية.

□ رعد فاضل: لم تعد هنالك بعد هذا الزمن حريّاتٌ مشروطة أو خاضعة لضبط أمنيّ، حتّى لو كان مثل هذا الضبط والخضوع لصالح الإنسان نفسه وثقافة المجتمع نفسها، أعني أنّ العالم أصبح مُتاحاً من أقصى الأرض إلى أقصاها، ولم يتبقّ سوى طبيعة الثقافة التي يتحلّى بها كلّ منا، إذ إنها والحال هذه ستكون هي نفسها النّظامَ الثقافيّ والأمنيّ في آنٍ معاً. المجتمعات ذات المستويات الثقافيّة العالية بطبيعة الحال، ستكون أقلّ عُرضةً للمنغصات الأمنيّة من تلك الأخرى الأدنى مستوى منها، وهكذا. فهم الفرد لطبيعة حرياته من لحظة استخدامه لهذه الوسائل وحتى خروجه منها هي في ظنّي وحدها التي ستكون هذا النظامَ، أي كأنّ النظام الأمني للعالم قد انقسم إلى قسمين: هو نفسه بوصفه نظامَ قوانين ومؤسّسات، والآخر (الجديد) فرديّ شخصيّ، وأيّ مراقبة من قبل القسم الأوّل للثاني سيعدّها الآخر خَرْقاً لحريّاته، وتجاوزاً عليها بهذا المعنى أو ذاك. ووفقاً لذلك ثمة ضرورة للحديث عن الثقافة والأمن، أما جدواها فستكون مختلفة ومتفاوتة النتائج من مجتمع لآخر، حسب طبيعة ثقافة هذا المجتمع تطوّرًا أو نكوصًا.

■ وأخيراً .. هل يجد الأمن ضالته في ظل الثقافة السائدة؟

□ إبراهيم البهرزي: مفهوم الثقافة السائدة مفهوم شبحيّ، فَلَو كان لهذا المفهوم قدرة الاستمرارية لما استوجب توافر أمن يعنى بمسألة الحفاظ عليه، الثقافة عمومًا متحركة، ما يسود اليوم لن يبقى سائدًا حتى الغد، وتحولات الثقافة هي نتاج تفاعلاتها الداخلية التي تقود إلى متغيرات ديالكتيكية تفرضها الضرورة، وليس للأمن بجميع مفاهيمه وتمظهراته تلك القدرة على السيطرة على نمط ثقافي معين وفرض سيادته، فثمة تطورات فنية وتقنية تحاول سلطة الأمن جاهدة لإبقائها شغّالة في إطار السيطرة التكتيكية. أما الإطار الاستراتيجي العام فلا طاقة لكل التطورات الحاصلة في آليات الأمن أن تسيطر على التفاعلات المحتدمة للثقافة ونزوعها التقليدي والتلقائي صوب آفاق أرحب للحرية. أمّا ما يتعلق بما تبقى من الثقافة السائدة، أي السمات المحلية للثقافات الفرعية أو هويتها المحلية، فهي تلك القدرة على التخلص من حمولاتها التاريخية الفائضة عن قابلية التعايش مع التطور العام، وهو التطور الكوكبي عامة، والمتفشي عبر وسائل التواصل المباحة، وإن ما يتبقى منها هو قدرة صناع هذه الثقافات المحلية على بلورة خصائصها في إطار يتوافق، أو له القدرة على الانسجام وعدم التقاطع العنيف، مع ثقافات الآخر.
عباس خلف: من نافل القول إن نجزم بأن ثمة علاقة بين الثقافة السائدة والأمن الثقافي، فالثقافة السائدة لا نهاية لمصادر معلوماتها، فقد باتت تشترك مع الجميع بلغة (الأيموشن) الذي أصبح جزءًا أساسيًّا لا غنى عنه في التداول والتواصل، لذا لم يبد للمراقب أن ثمة علاقة تنظيمية بين ما هو سائد من الثقافة والأمن، بل على العكس فإننا نرى علاقة مترددة وذات نزعة تحذيرية واستفزازية، وإذا ما أريد لهذه العلاقة أن تأخذ مكانها الطبيعي فعليها أن تتقصى عبارة المهاتما غاندي وتضعها في الاعتبار: «أريد أن تهب ثقافات كل الأرض بمحاذاة منزلي وبكل حرية، لكن أرفض أن أنقلب بهبوب أي واحدة منها»، هذا هو الفصل في الحفاظ على قيمة الترابط الحيوي بين الأمن الثقافي من جهة، والارتقاء بالثقافة السائدة من جهة أخرى.

□ رعد فاضل: عادةً ما يكون النظام الأمني في مجتمعاتنا العربية خاصة، الحارسَ الأمينَ لكلّ ثقافة سائدة، إذ إنّ هذه الثقافة هي في الأعمّ الأغلب من صنيعات المؤسسات السياسيّة والفكريّة التي لا تعبّر بالضرورة إلّا عن أفكار الحكومات في هذا البلد العربيّ أو ذاك إلّا ما ندر، وهذه المؤسّسات في جُلّها قائمة وفق سياقات ما بين عشائريّة وحزبيّة ودينيّة ضيقة، لا على أساس مفاهيم الثقافة الحقيقية الحرّة التي تنتجها مشاريع فلسفيّة وفكرية دائمة التّحول والتجاوز والتّطور، وفقاً لمتطلّبات تطلّعات الزّمن والعقل والإنسان. العلاقة هنا قائمة على نوع من التّخادم المتبادل بين أمثال هذه الأنظمة الأمنية وهذه الثقافة؛ ذلك أنّ مصيرهما الوجوديّ مرتبط بعرى هذه العلاقة. فأن نقول عن أمر ما إنّه سائد لا يعني إلّا أنّه ضارب في قدامة وسياق وتاريخ ما، أي إنّه قد تحوّل إلى سيّد، وعندنا مفهوم السّيادة – كما نعلم- لا يعني إلّا الجمود والثّبات والأحاديّة، فيما مفهوم الثقافة الخلّاقة قائم دائماً على الكُثاريّة. خذ الثقافة العراقيّة بعامّة ابتداءً من البيت والشارع والمدرسة والجامعة والدائرة ومؤسسات الدولة مثالاً، ثم قارن طبيعتها من هذه الناحية ما بين أربعينيّات القرن الماضي وخمسينيّاته وستينيّاته وسبعينيّاته، حتىّ الآن، ستجد أنّ حركة العلاقة ما بين الأمن وهذه الثقافة في الغالب ارتداديّة نكوصيّة لا تقدّمية.

الثقافة والأمن… علاقة ملتبسة بين السلطة والحرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية