القاهرة ـ «القدس العربي» : من حق ديكتاتور مصر الأشهر مبارك الآن أن يعود لمنتجعه الأقرب لقلبه في شرم الشيخ، ويطلق ضحكة مدوية بينما رجلاه ممددتان في مياه البحر..
من حقه أن يعيد جملته التاريخية للمعارضة والثوار «خليهم يتسلوا»، فالواقع الراهن يكشف عن أن مصر لاتزال بعد ثورتين «تتسلى» وتحرث في النهر، فتلال الفساد في ارتفاع بينما القانون في إجازة، وأجهزة الرقابة عمياء إلا قليلا، لا تفتح عينيها إلا بالأمر المباشر والشواهد على ذلك متوفرة لمن يرغب حتى في بعض الصحف القومية التي لا تنسى من وقت لآخر أن تشير إلى قضية فساد هنا أو هناك، من قبيل رفع الملامة ودفع الحرج عن أهلها.
كان المشهد موحياً وغاية في البؤس والشقاء ودليلا على أن المساحة الشاغرة بين السلطة والجماهير قبل ثورة يناير/كانون الثاني كما هي.. طفل دون العاشرة من العمر يجري خلف سيارة محملة باللحوم من أجل أن يلمسها ليتعرف على ذلك الطعام الذي يكتفي بمشاهدته في أفواه الفنانين في الأعمال الدرامية وبرامج الطهي في الفضائيات، ولربما يتيح له صاحب السيارة أن يشمها. حدث ذلك في توقيت كان فيه القائد كالعادة ينشر الأمل لشعبه عبر الفضائيات والصحف. فيما الحكومة تتعهد بالحفاظ على حق الحياة الكريمة للفقراء عند تطبيق الإجراءات المؤلمة خلال الفترة المقبلة امتثالاً لصندوق النقد مقابل الحصول على 12 مليار دولار لا تعلم الجماهير أين ستنفق؟ كما حدث من قبل مع عشرات المليارات التي تم اقتراضها أو الحصول عليها عبر منح.. مع اختلاف في التفاصيل.
يحيا السواد الأعظم من المواطنين قصة «طفل اللحمة» نفسها الذي لم يحرج الحكومة ولم يلتفت إليه أي مسؤول، كما لم يتذكره يوماً وزير التموين المستقيل، الذي ظل على مدار عامين يقيم في واحد من أفخم فنادق القاهرة على الإطلاق فيما واصلت صحف الحكومة وشقيقاتها الموالية للسلطة عزف نشيدها الجماعي الذي يحمل دائماً عنوان: ليس في الإمكان أروع مما كان.
لم يتغير شيء… «لسه بنحلم باللحمة»
أعلن محمود العسقلاني، رئيس حركة «مواطنون ضد الغلاء»، أنه استطاع الوصول إلى الطفل أحمد الذي تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورته متشبثا بقطعة لحم محملة على سيارة ربع نقل في منطقة المرج، ووعد بأن أحمد «ها يزهق من أكل اللحمة». وبحسب «أخبار اليوم» نشر العسقلاني صوراً له مع أحمد في أحد منافذ بيع اللحوم وهو يحمله، على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، معلقاً عليها.. «سعدت اليوم بلقاء أحمد ابني الذي انضم إلى أولادي ابناً عزيزا». وأضاف: وكما وعدت «مواطنون ضد الغلاء» حنخلي أحمد يزهق من اللحمة، وقبل أن أنهي كلامي وجب التأكيد على أنني اخترت العلانية في فعل هذا الخير لأسباب عديدة، أولا لأن الله تعالى قال في كتابه الكريم «والذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية»، ولو أراد الله سرية الإنفاق كمنهج تعامل مع الفقراء لما اتبعها بالعلانية. وأشار إلى أن القصد من الإعلان أن ينتهج المجتمع هذا النهج الإيجابي، وأن يتحرك المجتمع المدني بمزيد من العمل باتجاه هذه الفئات المهمشة، وأن تتحرك الحكومة بالتوسع في شبكة الأمان الاجتماعي، وأن تنهي حالة الانحياز الأول للأغنياء. وقال العسقلاني أردت من العلانية أن ألفت نظر الدولة لأحمد كنموذج مأساوي له أقران في حالته نفسها وربما أسوأ بالملايين، أشهد الله أن القصد من العلانية ليس تفاخراً ولا تباهياً، فقد أحسب أني استدبر الحياة وأنا في نهاية الخمسينيات من عمري ولا أرغب بهذا العمل غير مرضاة الله.
وأنهى منشوره بـ:»أخيراً الشكر لله أن منحني شرف خدمة أحمد والشكر موصول للواء عادل زكي وكيل الإدارة العامة للمرور، لأنه الدال على عنوان مالك السيارة الذي أوصلنا بدوره لبيت أحمد».
سنستيقظ على «انتفاضة حرامية»
وشهد شاهد من أهلها وها هو أحد الاسماء البارزة في صحيفة «أخبار اليوم» الحكومية سليمان قناوي يحذر من الإفراط في خداع الجماهير وتضخيم الكلام عن المشاريع التي تتحدث عنها الحكومة، والتي لازال الكثير منها حبرا على ورق: «أخطر ما يقوم به الإعلام وبعض المسؤولين هو المساهمة في رفع سقف توقعات المصريين بالرخاء المنتظر إلى عنان السماء، من دون سند من واقع أو ركون إلى منطق. منذ عام تمت تعبئة الشعب على أن قناة السويس «الجديدة» ستدر أنهار العسل واللبن. كان ذلك واضحا في تصريح الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بأن دخل مصر من مشروع القناة الجديدة سيصل إلى 100 مليار دولار سنويا. انتظر الناس بعد عام من افتتاح القناة أن يتحقق هذا الوعد، فإذا بهم يواجهون بموجات غلاء جنونية لا قبل لهم بها، حتى قبل تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وقبل هبوط فاتورة الكهرباء الصاعقة على الناس «كالقضا المستعجل». فماذا لو تواضع المسؤولون وأعلنوا وقتها ـ كما بدأوا يرددون الآن – أننا لن نرى عائدا لهذه القناة قبل عام 2023. لقد ظن بعض الإعلاميين أنهم بترديد هذه العائدات الخرافية للقناة أنهم يجملون الصورة، ويبدو أن بعضهم لم يع درس مظاهرات 18 و19 يناير/كانون الثاني عام 1977، التي سماها الرئيس السادات «انتفاضة الحرامية». لقد ذهبت بعض التحليلات إلى أن هذه المظاهرات – التي اندلعت من الإسكندرية إلى أسوان – السبب فيها إحدى المؤسسات الصحافية القومية حين رفعت سقف توقعات الناس إلى أعلى عليين بالحديث عن المساكن سابقة التجهيز التي يمكن معها تركيب العمارة في أسبوع وبالتالي حل أزمة الإسكان نهائيا، والمونوريل الذي يشق القاهرة من عل ويرحم الناس من عذاب أتوبيسات الحشر العام. عاش الناس هذه الأحلام حتى استيقظوا يوما على بيان برفع أسعار 25 سلعة غذائية».
سننتصر على المؤامرة
ونتحول نحو دعوة للتفاؤل بانتصار مصر على من يرى أنصار النظام أنها تتعرض لمؤامرة، ومن بينهم عادل السنهوري في «اليوم السابع»: «الحرب لن تتوقف حتى تنهض مصر اقتصاديا، وتقف على أرض صلبة وبأقدام ثابتة، وبإرادة حرة وقرار مستقل، مصر اعتادت طوال الوقت على مثل هذه النوعية من الحروب القذرة، خاصة في لحظات الصراع مع الاستعمار القديم ولحظات البناء والتعمير والنهوض.
في كل الحروب التي حاول فيها الأعداء حصار مصر وتركعيها، خرجت منها منتصرة، رافعة الرأس بإرادة شعبها وقوته وصلابته وتوحده ووقوفه خلف قيادته وزعامته، تذكروا منذ قيام ثورة 23 يوليو/تموز 52 ومرحلة بناء السد العالي، وتأميم قناة السويس، وبداية النهضة المصرية الثانية في عهد ناصر، ماذا فعل الأعداء والمتآمرون لتركيع مصر، وماذا فعل الشعب المصري وقيادته للمواجهة؟ كيف توحد الشعب وتخلى عن بعض ضروراته الحياتية لمواجهة الحصار الاقتصادي الأمريكي، ووقف ناصر يطالب الشعب بشد الحزام، وتقليص استخدام «السكر» الذي كنا نستورده من واشنطن للتخلص من وارداته، التي كانت أمريكا تضغط به على مصر بقيمة 150 مليون جنيه، أي حوالى 300 مليون دولار وقتها. انتصر الشعب في المواجهة. مصر تعيش بدايات النهضة الثالثة الآن بمشروعات قومية عملاقة، وبإعادة البناء والتنمية وباستغلال مواردها وطاقاتها، ولذلك تواجه هذه الحرب القذرة من أعداء الخارج وخونة الداخل، وبالأدوات القديمة نفسها في محاولة الخنق الاقتصادي، واستغلال أزمات العملة الصعبة والدولار والسياحة، وتوظيف سلاح الشائعات والدعاية السوداء» هنا لا بد من استحضار روح التحدي والانتصار والثقة في النفس لمواجهة الحرب الشرسة».
المؤامرة الكبرى
ونبقى مع «اليوم السابع» فبقدر تفاؤل عادل السنهوري بالنصر كان زميله أكرم القصاص يبدو على النقيض: «الفساد في الدعم والتموين وكل ما يتعلق بالمال العام لم يولد اليوم، ونعرف أن الفساد في المحليات بكل أنواعها موجود ومتوفر، ويزداد شراسة كل يوم، سنوات وعقود كان ما يتم نهبه يساوي تقريبا أو ربما يزيد على الأصل، وفي حال أن استطعنا أن نسد ثغرات وأبواب الفساد يمكن أن تتضاعف الموازنات وينخفض العجز.
نرى خلال الشهور الماضية عشرات وربما مئات من القضايا التي يتم ضبطها، بالصوت والصورة، رشاوى واختلاسات، وهو جهد واضح للرقابة الإدارية، لكن نظريا تمثل هذه الحالات نسبة 2 إلى 10٪ من حجم الفساد. والدليل أنه على الرغم من أن عمليات القبض والضبط تتم علنا وتنشر أخبارها، فإنها لا تمثل رادعا، وتتكرر عمليات الفساد كأن شيئا لا يحدث، بما قد يعني أن العمليات المختلفة لا تمثل رادعا لمن يقررون ممارسة الفساد. وكما أشرنا فإن المنظومة القائمة فيها ما يمثل أبوابا للمال السائب، تعلم السرقة، وتشجع عليها. وتحتاج إلى آليات جديدة تسد هذه الأبواب بالشكل الذي يجعلها غير قابلة للسرقة، لا يوجد باب في المال العام يستعصي على الفساد والسرقة، وهو أمر معلوم من عقود ومستمر، ويمثل إهدارا يوميا للمال العام، يكفي حال ضبطه في توفير عجز الموازنة وزيادة. لدينا أجهزة رقابية متنوعة تمارس عملية الرقابة، من دون أن تستطيع مواجهة كل المخالفات والفساد، وبالتالي هناك حاجة لإعادة بناء تصور شامل للرقابة والمحاسبة، تتماشى مع تطورات أشكال الفساد».
يُقال ولا يستقيل
الحديث عن استقالة وزير التموين يرفضه البعض بزعم أن المسؤول في مصر يُقال ولا يستقيل، وهو ما يشير إليه فهمي هويدي في «الشروق»: «الفشل واضح في سياسات عدة وزراء، لكنهم باقون في مناصبهم، فقصة تسريب الامتحانات في وزارة التربية والتعليم. وفضيحة الجنيه المصرى أمام الدولار، وفشل وزير الأوقاف وأزمته مع شيخ الأزهر، والغموض الذي يحيط بمصير مفاوضات سد النهضة، وورطات وزير الخارجية التي كان منها نفي وصف قتل الإسرائيليين للأطفال بأنه إرهاب، وصولا إلى الفشل الأمني الذي كشفت عنه قصة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، إلى جانب فضيحة انتهاك أجهزة الأمن لحقوق الإنسان التي أصبحت محورا ثابتا في التقارير الحقوقية الدولية ــ ذلك كله حاصل، وهو قليل من كثير، من دون أن يهتز مقعد كل وزير مسؤول عنه في مجاله.
أما ما جرى مع المستشار هشام جنينة، وفضيحة التنكيل بابنته وفصلها من وظيفتها، فإنه استدعى ملف فساد الأكابر الذي نجح في عزل الرجل من منصبه والحكم بسجنه وليس محاسبة المتهمين بالفساد. وتقاريره أوضحت حالات وأسماء محددة. ذلك كله يشكل فصلا خاصا في الملف مسكونا بعلامات الاستفهام والتعجب. الخلاصة التي يخرج بها المرء من كل ذلك، أن استمرار المسؤول في منصبه من عدمه لا علاقة له بالفشل أو النجاح، ولكنه مرهون بحظه من الرضا والسخط. فمن شمله الرضا استمر رغم كل ما ينسب إليه من أخطاء، ومن حل عليه السخط أُقصي أيا كانت كفاءته. لا أستطيع أن اطمئن إلى التعميم فيما ذكرت، لأن ثمة حالات مدرجة على القائمة لا يشملها معيار الرضا والسخط، ولكنها يمكن أن تنسب إلى صراعات الأجهزة فيما بينها. ذلك أن بين أيدينا حالات أثارها بعض أصحاب الحناجر العالية ليس لشجاعة من جانبهم وذلك ما نعرفه عنهم، ولكنهم يفجرونها من خلال معلومات سربتها إليهم الأجنحة المختلفة في الأجهزة السيادية لتصفية حساباتها الخاصة».
أنصار السيسي الأكثر خطرا عليه
الحديث عن أعداء الرئيس يتزايد وقد سبق لعماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق» أن عدد هؤلاء الأعداء للرئيس، ولكنه استدرك عدواً جديداً: «يوم الثلاثاء الماضي كتبت في هذا المكان مقالا بعنوان «أخطر 12 عدوا للسيسي». بعدها فوجئت بردود أفعال متنوعة، مؤيدة ومعارضة، من وزراء ومسؤولين وأصدقاء وزملاء وقراء. ولكل هؤلاء أجبت وأجيب بأن هذه القائمة تعبر عن وجهة نظري الشخصية، وبالتالي فهي ليست قرآنا منزلا وغير ملزمة لأحد، وهي يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة أو بين بين. تحديد قوائم الأعداء والخصوم والتحديات مسألة نسبية وتتعلق بأمور كثيرة. بعض الأصوات الإخوانية مثلا، لم يعجبها أن أضعها ضمن القائمة، وأحدهم بعث لي برسالة خلاصتها أن النظام هو أكبر أعداء نفسه، في حين أن بعض الأصوات الفلولية قالت إن الإخوان هم العدو رقم واحد وما كان ينبغي أن أؤخر ترتيبهم إلى رقم 11. مرة ثانية: ما كتبته هو اجتهاد شخصي طبقا لتصوراتي الخاصة ولا أستطيع أن ألزم به أي شخص، أكتب ما أراه صوابا، وهو يقبل الخطأ وأحترم كل الاجتهادات الأخرى. لكن وللموضوعية، وبعد قراءة كل التعليقات والآراء وإعادة التفكير، أعتقد أنه يمكن إضافة عدو كبير ربما سهوت عنه أو لم أعطه ما يستحقه من تقدير وخطورة وأهمية.. هذا العدو هو عبارة عن تيار كبير يعتقد أنه يدافع ويحب السيسي، لكنه الأكثر خطرا عليه ربما من بعض أعدائه. معظم هذا التيار موجود في أماكن كثيرة لكنه أكثر نشاطا في دوائر الإعلام، بعض أفراده بمجرد أن يقولوا إنهم يدافعون عن الرئيس، فهم يسيئون إليه، هم النموذج الأكثر صدقا للمثل الشعبي «الدبة التي تقتل صاحبها».
أصدقاء الرئيس يضعونه في مأزق
ويؤكد وجهة نظر عماد الدين حسين بشأن أن بعض أنصار السيسي هم من بين أعدائه ما ذهب إليه سامي عبد الراضي في «الوطن»: «قال شاعر قديم: «إحذر عدوك مرة.. واحذر صديقك ألف مرة». ويتساءل قل بالله عليك هل تتخيل حضرتك أن رئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي ينتظر «استطلاعاً» حول شعبيته؟ أو أنه «شغوف» ويقف منتبهاً مشدوداً متابعاً.. لاستفتاء على «تويتر» أو «فيسبوك»، وحتماً ستكون الإجابة «لا». وعليه.. لماذا «نفتي ونستفتي» ونخاطب جمهوراً خفيراً أو قليلاً.. وقبل «الهنا بسنة» ونسألهم: «هل توافق على ترشح الرئيس لفترة ولاية ثانية».. لماذا نطرح الآن وقبل نحو عامين من انتهاء ولاية الرئيس، هل من اللائق إجراء استفتاء؟ هل الوقت والظرف يسمحان؟ نعلم جميعاً أن الرجل يعمل وبقوة، عليك أن تتفق أو تختلف مع هذا القول وليس له هم إلا هذا البلد.. داخلياً وخارجياً وإن مصر مرت بأسوأ 21 يوماً في تاريخها عقب 3 يوليو/تموز والإطاحة بمرسي ومن معه قبل أن تصل البلاد بهم ومعهم إلى طريق لا عودة منه.. ويعمل الرجل بمفرده في ظل علامات استفهام كثيرة يخلفها وزراء ومحافظون وقيادات. وتسأل نفسك ما الفائدة إذا حصل الرئيس مثلا في أي استفتاء على 90٪ بأن الشعب يريده هل سيهبط الدولار هل ستتوقف الأسعار عن الارتفاع؟ غالبيتهم يحرجون الرئيس وإن كانوا يقصدون فهذه مصيبة.. وإن لم يقصدوا فهذه مصيبة أكبر وأكبر. يحرجونه بما يكتبون في مقالات أو يُفتون على شاشات تليفزيونية دفاعاً وشتماً وسباً.. حوارات الرئيس وأحاديثه والقرآن الذي يحفظه والمؤسسة العسكرية التي أتى منها كلها شواهد على أنه رجل يحسن اختيار ألفاظه. وتتعجب من بعض المحسوبين عليه يستخدمون ألفاظاً نابية في التعبير عن حبهم له وهو الأمر الذي يسيء إليه».
ورطوه دون أن يعلم
ونبقى مع القضية نفسها «اصدقاء الرئيس» الذين يضعونه في مآزق متتالية كما يشير محمود خليل في «الوطن»: «ليسوا واحداً أو اثنين، بل هم كثيرون، هؤلاء الذين يصح وصفهم بالأصدقاء الألداء للرئيس. الأصوات الإعلامية هي الأعلى والأكثر صخباً داخل هذه الجوقة. لا يفهم هؤلاء أنهم يسيئون إلى الرئيس من حيث يريدون الإحسان، وقديماً قال الشاعر: «الحمق أعيا الطبيب المداويا». لعلك أدركت المناسبة التي تدفعني إلى هذا الكلام. نعم إنه «استطلاع أحمد موسى». أحمد موسى نموذج على الأصدقاء الألداء للرئيس في دنيا الإعلام، خرج موسى على حسابه على تويتر، وأجرى استطلاع رأي لاستكشاف معدلات تأييد عينة من جمهور «التواصل الاجتماعي» لترشح الرئيس لفترة ثانية. مؤكد أن أحداً لم يطلب من موسى ذلك، لكنه فعله متطوعاً، ونظراً لعدم درايته أو خبرته بموضوع استطلاعات الرأي، وانعزاله عن الشارع الذي يزعم أنه يعبر عنه، فقد خلق أزمة من غير لازمة شعبية أي مسؤول متأرجحة ما بين الصعود والهبوط. على سبيل المثال من يتابع استطلاعات الرأى العام الأمريكي حول اتجاهه نحو الرئيس أوباما طيلة السنوات الماضية، سيجد أنها متباينة، وغير ثابتة على وتيرة واحدة، والأمر نفسه ينطبق على نتائج الاستطلاعات التي تجري حالياً حول شعبية ترامب وكلينتون المتنافسين على رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. ويعد الظرف أو السياق الذي يتم إجراء الاستطلاع فيه عاملاً مهماً من العوامل التي تحسم نتيجته. ولست أدري أين كان عقل موسى حين ورط نفسه وخلق هذه الأزمة، وهو يرى بأم عينيه أن الكثيرين غاضبون بسبب الزيادات المتواصلة في الأسعار وتعقد الظروف المعيشية؟ ويراهن الكاتب أننا لو أجرينا استطلاع رأي حول موقف الكثير من هؤلاء من موضوع الهجرة من مصر أو البقاء فيها، فستؤيد النسبة الغالبة الهجرة منها».
أمريكا تطعن الأكراد وتغازل تركيا
ونتحول للعلاقة بين واشنطن وأنقرة، حيث يرى مكرم محمد أحمد في «الأهرام»: «أنه في ما يشبه أن تكون طعنة خنجر، وجهت واشنطن على لسان نائب الرئيس جون بايدن تحذيرا خطيرا لأكراد سوريا، الذين كانت تعتبرهم حتى الأمس أكثر حلفائها عزما على محاربة «داعش»، من محاولة أن يقيموا لأنفسهم كيانا للحكم الذاتي، أو مجرد ممر كردي أو أيا من صور التجسيد السياسي للهوية الكردية شمال سوريا. كما طلبت واشنطن من القوة الكردية المسلحة التي دخلت مدينة منبج السورية على الطريق إلى الرقة عاصمة «داعش» تحت مظلة القصف الجوي الأمريكي سرعة الانسحاب من منبج، وإلا امتنعت الولايات المتحدة عن تقديم أي عون للأكراد السوريين، وقد انسحبت القوة الكردية المسلحة بالفعل من مدينة منبج رضوخا للتحذير الأمريكي. وفيما يشبه أن يكون أسفا واعتذارا لتركيا، أعلن نائب الرئيس الأمريكي بايدن خلال زيارته الأخيرة لتركيا عن مساندة واشنطن لدخول القوة المدرعة التركية سوريا واستيلائها على مدينة جرابلس، التي كانت واحدة من أهم نقاط عبور المؤن والإمدادات والمقاتلين إلى «داعش» في كل من سوريا والعراق، وبالطبع ألقت التهديدات الأمريكية ظلالا كثيفة على آمال أكراد سوريا في أن يكون لهم كيان للحكم الذاتي يماثل الوضع في كردستان العراق، وتشكل هاجسا مقلقا لتركيا التي تضم العدد الأكبر من الأكراد في الدول الثلاث سوريا وتركيا والعراق، من أن يتطلعوا إلى الهدف ذاته. والواضح أن الهدف الأول من زيارة نائب الرئيس الأمريكي بايدن إلى تركيا هو التأكيد على أهمية التحالف الأمريكي التركي، وتسليم واشنطن أخيرا بأهمية المطلب التركي في أن تكون هناك منطقة عازلة شمال سوريا».
النوبيون يبحثون عن حق العودة
ونعود للشؤون المحلية، حيث يلقي محمد إبراهيم الدسوقي في «الأهرام» الضوء على النوبة وأهاليها الذين يواجهون الحرمان منذ عقود: «أوجاع النوبيين ستقودنا إلى أنها موزعة على قسمين رئيسيين، الأول يتجسد في افتقاد مناطقهم للخدمات الصحية، والاجتماعية، والتعليمية، والصرف الصحي، ومياه الشرب الصالحة للاستخدام الآدمي، وقلة فرص العمل، والاستثمارات الحكومية والخاصة، والأراضي الزراعية الخصبة، وعدم وجود مساحة كافية لاستيعاب التزايد السكاني، وهو ما يدفع الشباب والرجال للسفر للمدن بحثا عن عمل، حتى أن بعضهم يقول إن قراهم تكون معظم الوقت للنساء والأطفال والمسنين فقط باستثناء فترات الأعياد. لكن مطالب التنمية تلك يتشارك فيها المصريون جميعا، ولا توجد خصوصية فيها للنوبيين وحدهم، فهي مطلب عام يؤكد في جانب منه القصور المخزي والمخل للمحليات، وغياب دورها في مواجهة احتياجات قرانا ونجوعنا القريبة والبعيدة، ويجب ألا تأخذنا رأفة ولا شفقة بالمتخاذلين في المحليات، وتوقيع العقاب المستحق والعادل على المقصرين منهم، الذين يتحججون بأنه لم تصلهم تعليمات وأوامر من الحكومة المركزية، أو السيد الوزير المسؤول. خصوصية النوبيين الذين تشير التقديرات إلى أن تعدادهم يصل إلى ثلاثة ملايين نسمة حاليا، تتبدى في القسم الثاني من متاعبهم ويشكل «أم العقد» وتتكون من ثلاث نقاط جوهرية، هي إنشاء الهيئة العليا لإعادة توطين النوبيين، وتعديل القرار الجمهوري رقم 444 الذي يحرمهم من عودتهم الكاملة إلى قراهم الاصلية التي تم تهجيرهم منها مطلع الستينيات من القرن العشرين عند بناء السد العالي، حيث جرى تهجير قرابة 100 ألف نوبي. والنقطة الثالثة وقف أي استثمار في مناطق بحيرة ناصر إلا بعد إقرار الحقوق النوبية».
البرلمان والحكومة… البقاء للأقوى
«ما هو شكل العلاقة بين الحكومة والبرلمان؟ هل هي علاقة صراع، أم تعاون؟.. سأل محمد أمين في «المصري اليوم» رئيس الوزراء شريف إسماعيل، عقب رفض البرلمان قانون الخدمة المدنية: قال بلا تردد علاقة تعاون وتنسيق، وليست علاقة صراع.. ليس من مصلحة مصر أن يكون هناك صراع.. تذكرت السؤال والإجابة من جديد.. فكيف يرى البرلمان علاقته بالحكومة؟ وما موقفه من قانون القيمة المضافة؟ أستطيع أن أقول إن البرلمان أحرج الحكومة مرتين.. مرة في قانون الخدمة المدنية.. ومرة أخرى في قضية الوزير خالد حنفي. في المرتين خضعت الحكومة لطلبات المجلس، وانتصر النواب. السؤال: ما هو السيناريو في قانون القيمة المضافة؟ هل تنهزم الحكومة، أم أن الأمر مختلف هذه المرة؟ أقول لا خلاف على القانون من حيث المبدأ، ولكن الخلاف حول نسبة الضريبة، والساعات المقبلة سوف تكشف عن طبيعة هذه العلاقة فعلاً. المهندس شريف إسماعيل لا يدخل بطبيعته في خلافات أو صراعات.. عنده مهمة يريد إنجازها. التقى على مدى أسابيع بالنواب والصحافيين، وعقد لقاءات موسعة مع رؤساء اللجان النوعية في البرلمان، وحاول تهيئة الأجواء لقانون القيمة المضافة. لا يريد أن يكون حظه مثل حظ قانون الخدمة المدنية، فليس عنده رفاهية الوقت.. في اللجان المختصة كانت هناك مناقشات حامية، لكن ذهب القانون للجلسات العامة لتحديد نسبة الضريبة ربما كان قانون الخدمة المدنية يحتمل الكلام.. تم تعديل بعض المواد لإرضاء النواب، أما قانون الضريبة المضافة فهو أرقام تتطلبها الموازنة العامة للدولة محسوب بالورقة والقلم ولا يحتمل التأجيل أبداً، فماذا يحمل المجلس في جعبته؟ هل يوافق بلا فصال على مشروع القانون؟ وهل تتمسك الحكومة بنسبة 14٪ المقدمة للبرلمان؟ هل النواب سيستسلمون؟ وهل الحكاية صراع أم تعاون؟ أقول: لا مهزوم ولا منتصر في القضايا الكبرى».
هل يعلم الرئيس؟
«الرئيس تحدث للصحافة القومية عن معجزات تفوق الخيال في العامين الماضيين وأخرى جبارة في العامين المقبلين.. وإذا كنت سأصدقه فلا أستطيع إغفال الفاسدين الذين يمصون دماءنا ويشفطون هواءنا ويتركوننا عظاما مكسوة لحما. الفساد يجعلنا ذئابا وحملانا نعيش في حظيرة واحدة.. والنتيجة معروفة.. في حديث المستشار هشام جنينة لـ«المصرى اليوم» إصرار على الرقم الذي ذكره سابقا وهو 600 مليار جنيه في عام واحد، أي 50 مليار دولار وهو 4 أضعاف قرض الصندوق. الفساد هو أقوى مؤسسة في مصر، ثم تبرز قضية استقالة وزير التموين وهنا لابد من التساؤل لماذا تأخرتم عامين عن كشفه؟ هل دوره انتهى؟ هل غضبوا عليه؟ هل تفوه بكلام لا يليق.
ويستشهد الكاتب بتقرير كشف عن أن وزارة الأوقاف كلفت إحدى شركاتها بتشطيب شقة الدكتور مختار جمعة وزير الأوقاف في المنيل بـ722 ألف جنيه وأرفقوا الفواتير على موقعهم. التصرف العادي أن يسأله البرلمان أو يصدر هو تكذيبا للخبر. هذا التمييز هو الذي يخلق فجوة بين المواطن والدولة والحكومة، عندما يؤكد عبد المنعم مطر رئيس مصلحة الضرائب لصحيفة «الوطن» أن الجميع يدفعون الضرائب بمن فيهم مؤسسة الرئاسة ورئيس الجمهورية ما عدا نواب البرلمان، الذين استثنتهم اللائحة الجديدة من ضريبة كسب العمل، وهي سابقة تحدث لأول مرة، فهذا التمييز يعمق الفجوة بين الشعب الفقير وممثليه.. وعندما تنشر جريدة مستقلة أن في وزارة النقل مديرين ومستشارين ورؤساء مجالس إدارات شركات يتقاضون 50 مليون جنيه شهريا بينما يتقاضى باقى الموظفين 8 ملايين جنيه فقط.. وهناك مثلا شركة القاهرة للعبارات ترأسها شخصية معروفة تعدى الـ70 عاما وديونها 80 مليون جنيه.. ثم يقررون زيادة تذكرة المترو. هذه أمثلة واقعية وليست نقدا، وإذا ظلت الدولة تدفن رأسها في الرمال وتعذب الناس بالضرائب والفواتير وسوء الخدمات الصحية والتعليمية، سيفقد الشعب أي تعاطف مع هذه الحكومة التي تنتهج التمييز والمحاباة».
لماذا لم يشفع الشيخ
للعلماء عند السيسي؟
ومن معارك أمس الاثنين تلك التي شنها يحيى حسن عمر في «الشعب» ضد الشيخ محمد حسان بسبب ثنائه على الرئيس وانتقاده للإخوان: «وإذا كنت يا شيخ محمد وزملاؤك المشايخ ابتلوا بمن خاض في حقهم، فهذا ابتلي به كل أخوتكم العلماء والمشايخ الذين وقفوا مع الحق، ابتلوا في عرضهم على يد إعلام الطاغية، ألم يخوضوا في عرض الشيخ فوزي السعيد؟ ألم يخوضوا في عرض الشيخ حازم أبو إسماعيل؟ بل ألم يخوضوا في عرض المشايخ في المجمل، لكن هؤلاء العلماء الربانيين الذين ذكرتهم لك آنفًا أبتلوا فوق بلائك بكثير يا شيخ محمد، ألم يبتل الشيخ فوزي السعيد – فوق الابتلاء المشترك بينكما – بالسجن قرابة عامين؟ أكانوا يكرمونه في السجن أم يهينونه؟ أكانوا يقبلون يديه في السجن أم يضعونها في الوثاق؟ أليس هذا ابتلاء أشد مما ابتليت به؟ ألا يستحق معه أن يرتقي في سلم الأولويات فتتحدث عنه، هلا تذكرت هؤلاء المشايخ بكلمة، هلا تذكرت الشيخ حازم أبو إسماعيل الذي أيدت ترشحه للرئاسة، وها هو يقبع في السجن لما زاد عن ثلاث سنوات، فأيكما أشد ابتلاء؟ هلا طالبت الطاغية بالإفراج عنه، وإذا كنت فعلت فهلا أوضحت موقفه واعراضه كما أوضحت موقف الإخوة في رابعة واعراضهم، وشتان بين الإعراضين، الأول إعراض عن رفع المظالم والآخر إعراض فيه تقدير سواء أصابوا فيه أم أخطاوا. لم يكن ما حدث في رابعة والنهضة انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان فحسب، ولكنه كان بحسب وصف منظمات دولية عملا ممنهجا وجزءًا من سياسة تقضي بالاعتداء على الأشخاص العزل على أسس سياسية مما جعلها ترقى إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية. لم تكن مذبحة رابعة والنهضة الأولى في تاريخ مصر والمنطقة في القرنين العشرين والواحد والعشرين إلا أنها كانت الأولى بالنسبة للمصريين، من حيث فظاعتها ومن ارتكبوها، وضحاياها وفترتها التي كانت مصر تمر فيها بمرحلة تحول بعد ثورة ألهمت العالم».
من حسام عبد البصير