لم يندرج نظام الحكم العربي في التاريخ المعاصر بمعناه الكبير، ولم يسجل تاريخه الخاص الذي يستفيد منه العرب وغيرهم. وهذا الإخفاق هو الذي يفسر اندلاع الثورات العربية في غير بلد عربي، حرصا منها هذه المرة على إعادة صلة العرب، عبر نظام الحكم، مع الشرعية الدولية وروح العصر وربط الفرد بالقانون في إطار من التعددية الثقافية والدينية والأخلاقية.
خمس سنوات مرّت على بداية ما وصف بالثورات العربية، وهي كذلك لأنها حققت فعلا لحظة فارقة بين تاريخ سجلته أنظمة عربية سلطوية دامت في الحكم إلى أن انتهت وانهارت بأجهزتها وهياكلها، ولحظة أخرى، تحاول فيها الشعوب إعادة بناء شامل لما بعد هذه الثورات. فقد مرت خمس سنوات كاملة، ولم يستقر الوضع العربي العام على مؤسسات توحي بالثقة وبإمكانية البناء على مؤسسات مجمع عليها يصعب زوالها لاستيفائها شرط الشرعية والإرادة العامة التي تستبطن مصلحة الجميع، وأن الجميع يجب أن يحرص عليها لوجود مصلحته في ذلك. لكن الحالة العامة لا تعبر بالضرورة عن حكم مطلق لوجود بداية انفراج بعض الدول مثل تونس، المغرب، قَطَر..، واستمرار خيبة بعض الدول العربية الأخرى، سورية، العراق، اليمن وليبيا ومصر..
نقارب الموضوع في إطار إشكالية توضح أن الثورات العربية القائمة في غير بلد عربي جاءت بسبب تلكؤ النظام العربي السلطوي لتمهيد وإرساء الديمقراطية كنظام حكم، فاصطدم بلحظة المستقبل التي لم يفكر فيها ولم يعر لها بالا فباغتته من حيث لم يتوقع هو ومن حيث توقع المحلل والمثقف العربي والأجنبي. فسيرورة التاريخ جزء كبير منه هو المستقبل الذي يدرج كافة المشاريع والبرامج في المدى الطويل الذي يرسخ المؤسسات والمنجزات… كما أننا نقارب موضوع الثورات من ناحية أخرى، على أنها الحدث العربي يمثل فعل الحداثة العربية الذي يجب أن يرتب تداعياته ومضاعفاته وما بعده في كافة تجلياته ومظاهره لأنها (الثورات) تفصح عن يقظة التاريخ بمعناه الكبير الذي يوحد العرب مع التاريخ العالمي العام. فحالة الثورة القائمة اليوم لها ما قبلها وسياقها وما بعدها، وتشكل المنعطف الحاسم لميلاد تاريخ آخر للعرب.
نحتاج لمقاربة تجربة خمس سنوات من الثورات العربية إلى الوعي بأن ما يجري ليس من تلقاء حالة واحدة أو جانب معين أو طرف واحد بالتحديد، بل الثورة العربية هي لحظة الحدث الكبير الذي يتشابك ويتعقد عنده الوضع العربي وصار يعبٍّر عن أزمة خطيرة تفرض قراءة مركبة ومنهج الاعتماد المتبادل بين العوامل التي شاركت في وجود الحدث. ونعتقد أن الطريق الذي يوحي بإمكانية الخروج من هذا المأزق المدلهم، بناء على منطق الثورات التي لا يفصل مسارها عن ما قبلها وما بعدها، ومن ثم يمكن اعادة كتابة تاريخ آخر للعرب العربي، أن يجري على النحو التالي:
في هذا الربيع العربي، نحن بصدد إعادة بناء الدولة، وإعادة تصورها على نحو لا يركز حصرا على السيادة الوطنية المطلقة على ما سارت عليه تجربة النظام العربي السلطوي، بل نظام آخر يأخذ باعتبارات اللحظة العالمية في أبعادها السياسية والقانونية والاقتصادية، وفي تصور تعددي للثقافة والأخلاق والدين. فمخاض الثورة وسياقها وتداعياته ينحو إلى عدم تمليك الحكم في النظام الجمهوري وعدم إطلاقيته في النظام الملكي.
مرور خمس سنوات على الثورات العربية يوحي بالإصرار على تجاوز نظام حكم فاشل، وأن الثورة في مدلولها الحديث والمعاصر يجب أن ترتب لما بعدها إلى حين تستنفد هدفها الرئيسي وهو تغيير الحكم السلطوي العربي وآثاره المتداعية. ففكرة الثورة لازمة لوعي العرب ويجب أن تتحقق لأن شرطها العالمي وسياقها الدولي والإقليمي موجود. ويكفي قليلا من الوقت في هذا الزمن الفائق لكي ننتهي إلى الأبد من النظام العربي المتعسف الذاهب إلى غير رجعة. ولعّلنا، من باب المقارنة والمقاربة، أن نشير إلى ثورة ربيع براغ عام 1968، التي قمعت في حينها، لكن حراكها الداخلي وفي الوعي الجمعي أفضى ليس إلى عودة المكبوت، أي الحرية والديمقراطية في الحالة التشيكوسلوفاكية، بل إلى تحرير كل أوروبا الشرقية من كابوس الشمولية والنزعة السلطوية وتكلس النظام الشيوعي وإلى غير رجعة حتى في قلب النظام السوفييتي القطب الشرقي في ذلك الوقت. المقارنة في هذا المجال تقتضي منّا ضرورة الاعتراف أن مثال أوروبا الشرقية نهاية القرن الماضي قد استفادت من الدعم والتوجيه القطب الغربي: أوروبا وأمريكا والحلف الأطلسي، في مشروعها الرامي إلى استعادة جزء مهم من دُوَلِها التي فقدها النظام الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية.
ما يفسر استمرار الحراك الثوري السياسي منه والمسلح هو تعنت النظام العربي المُحْتَضر على المجازفة بمؤسسات الدولة والانتحار بها كشرط زواله على ما يحدث في سوريا، العراق، اليمن، ليبيا.. وبتعبير آخر يفيد ذات المعنى، أن الثورات العربية في حراكها ميَّزت بين سلطة الحكم في بنيته السياسية، وبين مؤسسات الدولة، وأن المستهدف من الثورة هو نظام الحكم في اللحظة الأولى ثم إزالة آثاره الاقتصادية والاجتماعية في لحظة ثانية، وعلى العكس من ذلك اعتصم نظام الحكم بمؤسسات وهياكل الدولة وسخّرها كلها من أجل إنقاذ نفسه، وهنا مكمن المعضلة التي فسّرت طول مدة الثورات وعدم استقرارها إلى حد الآن على الدولة الوطنية الراسخة التي لا تزول بزوال الحكّام وتلكؤ ظهور الديمقراطية.
الأنظمة العربية التي ظهرت فيها الثورات، وقد تظهر في بعضها الآخر، تعبر عن دول فاشلة راسبة لا يمكنها مواصلة إدارة الشأن العام، لأنها عبرت عن الخاص والشخصي وما هو عائلي وشلالي وقبلي وعشائري، وكلها منافية لماهية الدولة المدنية الحديثة والمعاصرة ولا تساير إطلاقا روح العصر المتجه نحو التجريد والتنزه لفائدة المؤسسات القارة والدائمة.
نحن نعيش اليوم في العالم العربي لحظة ما بعد الكولونيالية وما بعد النظام العربي السلطوي، وهي لحظة تاريخية مفارقة، من المتوقع أن يتغير فيها التاريخ العربي نفسه، على أساس الذي كتب التاريخ العربي الحديث والمعاصر هو النظام «الرسمي» العربي. وهكذا، إذا كان العصر الكولونيالي ذهب عير مأسوف عليه، ودون رجعة، فإن فضل الثورات العربية الراهنة، أنها توقع الزوال التاريخي للنظام السلطوي الذي يجب أن يزول إلى الأبد. والتَّعرُّض للنظام الكولونيالي والنظام السلطوي العربي الذي جاء على إثره يسمح، على مستوى المقارنة والمقاربة، القول بأن النظام السلطوي العربي كان إلى حد كبير استمرارا للأول وأن هناك أكثر من وجه شبه جمع بينهما إلى حد اعتبار الثاني استعمارا وطنيا على رأي المفكر المصري عبد المالك أنور.
٭ كاتب وأكاديمي من الجزائر
د. نور الدين ثنيو