الثورة الإسلامية في إيران أدخلت منطقة الشرق الأوسط في حروب بالوكالة وطائفية مع السعودية

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: هل بدأت حملة تصفية الحسابات بين السكان في شمال الموصل بعد طرد مقاتلي تنظيم «الدولة». وكيف ستتعامل الحكومة العراقية مع الأشخاص الذين اعتقلوا نتيجة بلاغات كاذبة أو لأن جيرانهم بلغوا السلطات عنهم، وهل يعتبر صاحب الدكان الذي باع الماء أو مواد غذائية لمقاتلي التنظيم متعاوناً معه؟
تقول الحكومة العراقية إن لديها محاكم للنظر في من اعتقلوا ومن اختلطت هوياتهم بهويات مقاتلي التنظيم. ولكن النظام القضائي ليس فعالا لدرجة يضمن فيها المتهم محاكمة عادلة. كما أن الإجراءات البيروقراطية بطيئة. ويظهر هذا واضحاً في محافظة نينوى التي بدأ الجيش العراقي فيها عملية واسعة لاستعادة ثاني كبرى المدن العراقية وعاصمة الجهاديين: الموصل. ففي أثناء المعارك مع الجهاديين اعتقلت القوات الأمنية عدداً كبيراً من المشتبه بتعاونهم معهم. وفي كل مرة يطرد فيها الجهاديون من منطقة تقوم المخابرات وقوات الشرطة بفحص من تبقى من الرجال ومقارنتها بقائمة من 38.000 شخص يشتبه بعلاقتهم مع تنظيم الدولة.

محكمة القيارة

وكشف تقرير لصحيفة «صنداي تايمز» حجم التحدي الذي يواجه الحكومة العراقية ومحاولات السكان تصفية الحسابات بعيداً عن سلطة الدولة. وزارت مراسلة الصحيفة لويز كلاغان، محكمة في القيارة التي يعمل فيها قاضيان، وهي المحكمة الوحيدة الموكلة بملاحقة قضايا المعتقلين المشتبه بعلاقتهم مع تنظيم الدولة. ورغم اعتقال القوات الأمنية والشرطة آلاف الاشخاص ووضعتهم في مراكز مؤقتة كالبيوت والمساجد إلا أن مجمل ما استقبلته المحكمة من حالات لم يزد عن 100. ونقلت الصحيفة عن القاضي صباح نور الذي قال إن المحكمة تستقبل يومياً ما بين 5- 10 حالات تحضرهم قوات الشرطة أو المخابرات العراقية. مشيراً إلى أن الإجراءات بطيئة «ولا نعرف عدد المعتقلين وأين تحتجزهم قوات الأمن».
ويقول المسؤولون الأمنيون إن ألافاً من الأشخاص تم اعتقالهم في الشهر الماضي حيث احتجزوا في سجون مؤقتة- في بيوت خاصة أو المساجد، بانتظار صدور الحكم النهائي عليهم. وهناك حالات تنتظر ولا يمكن الانتهاء منها إلا بعد أشهر. وحسب أحد المحامين «فليس هنا كهرباء ولا نحصل على الماء إلا مرتين أو ثلاثاً». ويقول نور إن معظم الحالات التي نظر فيها كانت مجرد خطأ في الهوية. مثل محمد أحمد غلاف، وهو شخص غير محظوظ يشترك اسمه مع ثلاثة متهمين من تنظيم «الدولة». ويقول «لا أستطيع مغادرة القيارة لأنهم سيعتقلوني على نقطة التفيش» و «أخشى ان يأخذوني للسجن ولو نقلوني إلى بغداد فلن يحميني أحد».
وفي الوقت الذي تمتلئ السجون بالمشتبه بهم يقوم السكان الغاضبون بشجب المتعاونين مع تنظيم «الدولة». ويقول مسؤولون أمنيون إن الشكاوى الحقيقية اختلطت بالكاذبة التي يسعى أفرادها لتصفية حسابات قديمة. وحسب مسؤول أمني «بعض الأشخاص يتهم جيرانه وآخرون يتهمون صاحب الدكان ويقولون إنه متعاطف مع تنظيم الدولة لأنهم باع أفراده ماء. وهذا ليس صحيحاً ولا نعتمد عليه». وقال مسؤول أمني «لو صدقنا كل الاتهامات لاضطررنا لبناء سجن كبير».

قانون القبيلة

وتقول الصحافية إن أعداداً كبيرة من المدنيين جلسوا الأسبوع الماضي تحت أشعة الشمس ينتظرون دورهم امام المحكمة وتقديم شهادات ضد المتعاونين. ويقول أيمن عبدالله أميان، المحامي «نعرف من أخبر تنظيم الدولة أن شقيقي كان شرطياً». وعندما كان أميان يتحدث أخرج ورقة فيها حكم بالإعدام أصدره تنظيم الدولة على شقيقه، أب لسبعة، بتهمة الردة عن الإسلام. وكانت جريمته الحقيقية أنه موظف في حكومة بغداد. وقال أميان إن من بلّغ عن شقيقه كانوا من المنطقة «أريد الانتقام، وأريدهم أن يموتوا». وهناك من لا يؤمن بالحكومة والعدالة التي تمارسها ولهذا فهم جاهزون لأخذها بأيديهم. ويقول عمر طيب عويد «الحكومة موجودة هنا لفترة، وعندما تغادر فستعود الأمور إلى طريقة القبيلة». وكان ابن عمر من بين الذين قتلهم تنظيم الدولة «وسنعثر عليهم وسيموتون». وكان عمر ابنه احمد – 18 عاماً – حيث سجن معه لأشهرـ وناشد تنظيم الدولة قتله وترك والده «لقد عذبونا أمام بعضنا البعض ومن ثم أذابوا جسده ولم يبق جزء منه». وحسب قوانين القبيلة فلن يتم الإنتقام لدم أحمد إلا بعد قتل من ارتكبوا الجريمة، وحتى يتم هذا فسيظل والده يعيش في العار. وأضاف «بعض الحراس كانوا عراقيين. وسنعثر على من قتلوا أبناءنا». وبعيدا عن تصفية الحسابات الشخصية والعائلية فالميليشيات الشيعية المعروفة بالحشد الشعبي لديها «تار» قديم مع تنظيم الدولة وتريد تصفيته على ساحة تلعفر.

عملية الثأر

وكما كشف كل من المحلل مايكل نايتس من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى وماثيو شويتزر فإن الميليشيات الشيعية تؤيد تصفية حساب قديم مع الجهاديين. وبدأ الكاتبان مقالتهما التي نشرتها مجلة «فورين بوليسي» بالقول «من الألغاز المحيرة في عملية الموصل والتي تدفع فيها قوات الأمن العراقية باتجاه الشمال والشرق والجنوب كان القرار لترك الصحراء بين ساحة المعركة وسوريا مفتوحة. وربما كان هذا تجاوزاً، فالطريق الذي يبلغ طوله 20 ميلاً كان على ما يبدو طريقاً لمنح المقاتلين ممراً للهروب إلى سوريا، والتقليل من حجم الدمار في الموصل». وقد تغير هذا الوضع عندما فتح الحشد الشعبي جبهة جديدة في الصحراء لإغلاق هذا الطريق. ووصلت عناصره إلى نواحي مدينة تلعفر التي تعيش فيها غالبية تركمانية. ويقول الكاتبان إنه تم استبعاد الحشد الشعبي من معركة الموصل لتطمين سكان المدينة. إلا أن فتح جبهة جديدة في تلعفر وإن كان مفاجئاً فهو لا يثير دهشة المراقبين خاصة أنها ارتبطت بصعود تنظيم الدولة وسابقه تنظيم القاعدة. ولهذا يشك البعض من أن عملية الحشد الشعبي تهدف للسيطرة على المدينة والانتقام. ويشير الكاتبان إلى أن هادي العامري، رئيس منظمة بدر بدأ في نيسان (إبريل) الحديث عن تحقيق العدالة في المدينة. وأخبر أحد الكاتبين أن «الحشد الشعبي هو المؤهل فقط للدخول إلى تلعفر».
ويشير الكاتبان في هذا السياق إلى تاريخ المدينة التي لا تزيد مساحتها عن ستة اميال مربعة ونشأت حول القلعة التاريخية وطولها 100 قدم. وكان عدد سكانها قبل الغزو الأمريكي- البريطاني حوالي 200.000 نسمة غالبيتهم من التركمان السنّة مع وجود أقلية من الشيعة لا تتجاوز الربع. واهتم نظام صدام حسين في الثمانينات بتطوير المدينة حيث كافأ التركمان على ولائهم وبنى مجمعات سكنية جديدة فيها مثل سعد وبوري والقادسية. فيما ظلت الأقلية الشيعية التي أقامت جنوب المدينة في حالة من الفقر. إلا أن الوضع تغير بعد عام 2003 حيث استخدمت منظمة بدر قوتها الجديدة وسيطرت على قوة الشرطة وتحكمت بحياة السكان بدرجة دفعتهم إلى أحضان الجماعات الجهادية.
وأصبحت المنطقة تربة خصبة للتجنيد في صفوف القاعدة أولا ومن ثم تنظيم الدولة. ومع سيطرة هذا على مدينة الموصل في عام حزيران (يونيو) 2014 بدأ فصل جديد في تلعفر حيث انتفض سكان القادسية وسعد في 16 حزيران (يونيو) وهاجموا الجيش العراقي وسيطروا عليها في 16 حزيران (يونيو) وقام مقاتلو التنظيم بتدمير مساجد للشيعة وقتل 40 شخصاً. وفي قرى مجاورة مثل غوبا وشيركان أمر الجهاديون 950 عائلة بمغادرة المنطقة. وتم تطهير معظم سكان تلعفر الشيعة.
وفر معظم هؤلاء إلى سنجار ليهاجروا من جديد بعد سيطرة التنظيم على المدينة. وقد وجد بعضهم ملجأ في مناطق كردستان وذهب آخرون إلى بغداد أو في المدن الجنوبية مثل النجف وكربلاء. ويقول الكاتبان إن عدداً كبيراً من التركمان الشيعة الذين هجروا من تلعفر ومناطق الشمال انضموا للحشد الشعبي. ويقدر عددهم بحوالي 12.000 حيث انضموا للميليشيات المدعومة من إيران مثل عصائب الحق وكتائب حزب الله. وانضم عدد من الشيعة التركمان الذين هجروا من تلعفر إلى الكتيبة 92 في الجيش العراقي والتي جند أفرادها من شيعة تلعفر المقيمين في المخيمات الجنوبية.
ويقول الكاتبان أن رغبة هؤلاء مع منظمة بدر هي تطهير تلعفر من تنظيم الدولة وأحيانا بدون انضباط كما حدث في بلدة جرف الصخر، جنوب بغداد عندما تعاملت الميليشيات مع الوضع بتفريغها من السكان بشكل كامل. وأياً تكن دوافع الميليشيات فسيكونون في وضع لتقرير مصير تلعفر.
وكان المتحدث باسم عصائب الحق قد أعلن في 24 تشرين الأول (أكتوبر) عن بدء العملية. وبدأت المعركة في يوم 29 تشرين الأول (أكتوبر) ووصلت الميليشيات في الأسبوع الأول إلى القاعدة الجوية التي لا تبعد كثيراً عن المدينة. ويلاحظ الكاتبان أن الطريق الذي سارت فيه الميليشيات مهم فهو يهدف لقطع طرق الإمداد عن التنظيم والسيطرة على القرى التي منحت ملاجئ آمنة له.

موقف تركيا

وتمثل العملية في تلعفر تحديا للقوات الأمريكية والعراقية المشغولة بعملية الموصل. ويخشى المسؤولون الأمريكيون والعراقيون من تأثير ما يجري في تلعفر على محاولتهم السيطرة على الموصل. ورغم تأكيد العامري في 30 تشرين الأول (أكتوبر) على أن الهجوم على المدينة ليس محتوماً وصوره كمحاولة لإحكام الطوق على الموصل إلا أن المخاوف تظل قائمة.
ويعتقد الكاتبان أن سكان الموصل ليس لديهم تعاطف مع أهل تلعفر حيث عانوا خلال السنوات الماضية من الجهاديين فيها. ومع ذلك فسيشعر أهل الموصل بالقلق لو قام الحشد الشعبي بعملية انتقامية في البلدة وقام بتهجير السكان السنة منها. وتثير عملية الحشد الشعبي في تلعفر مخاوف تركيا التي اكتشفت وإن متأخرة أهمية المنطقة التي تتدفق عليها الميليشيات المدعومة من إيران.
وحذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قائلاً «لو أرعب ( الحشد الشعبي) تلعفر فسيكون ردنا مختلفا». وربما كانت تركيا تحاول حماية المحور الإستراتيجي الذي تلتقي فيه الحدود التركية- السورية وكردستان العراق وربما كان يخشى من ظهور ممر تسيطر عليه الميليشيات الشيعية بين سوريا وإيران، ولهذا أعلن في 29 تشرين الأول (أكتوبر) عن تعزيز الوجود العسكري في بلدة سيلوبي القريبة من المحور الحدودي الثلاثي. ويشير الكاتبان إلى إن تصرفات الحشد الشعبي واضحة وعلى قادته مثل العامري الحفاظ على انضباط المقاتلين ومعاملة المدنيين باحترام إن أراد أن يدخل التيار السياسي الرسمي ويشارك في انتخابات عام 2018. وأي عملية انتقامية في المدينة ستؤدي إلى زيادة الإنقسام الطائفي بالمنطقة وتعزز من الحروب الإقليمية التي باتت علامة المنطقة والتي أصبحت الساحة العراقية والسورية ميداناً لها. فإن كانت تركيا قلقة من الدور الإيراني في الموصل وتلعفر. فهناك قلق وحرب بين إيران والسعودية في سوريا. وتقف الأولى مع النظام السوري لبشار الأسد والثانية تدعم المعارضة السورية التي تعمل منذ 2011 للإطاحة به.

حرب مستمرة

ومن هنا يرى المعلق ماكس فيشر في صحيفة «نيويورك تايمز» أن التنافس السعودي – الإيراني يترك آثاراً مدمرة على المنطقة. وقال إن خلف حروب اليمن وسوريا والاضطرابات السياسية في العراق ولبنان والبحرين هناك نزاع آخر. وفيه تقوم كل من السعودية وإيران بشن حرب للهيمنة حولت معظم الشرق الأوسط إلى ساحة حرب. وهذه المواجهة بين الدولتين ليست مباشرة يعتمد كل منهما فيها على دعم الديكتاتوريات والميليشيات والجماعات الدينية.
ويعلق فيشر أن تاريخ وسجل المنافسة يفسران التفكك في المنطقة خاصة الطائفية السنية – الشيعية التي عملت كل منهما على تغذيتها. وهي قصة لعبت الولايات المتحدة دوراً فيها ودعمتها، مثل دعم التحالف السعودي في اليمن. ويحذر الباحثون من أن الديناميات هذه تؤشر نحو حروب أهلية مستمرة ومجتمعات منقسمة وحكومات غير مستقرة. وحاول الباحث أف، غريغوري غوس الثالث، من جامعة تكساس إي& أم تسمية منطقة في العالم عانت مثل هذا التفكك.
وقد تشبه المرحلة التي يمر بها الشرق الأوسط، ما مرت بها دول وسط أفريقيا التي عانت حروباً متداخلة وإبادات وتهجيراً تغذت من تدخل القوى الإقليمية إلا ان ما يجري في الشرق الأوسط هو البداية فقط. وعلى خلاف السعودية، الدولة الفتية التي نشأت في الثلاثينات من القرن الماضي وأقامت شرعيتها على الدين وحراستها للمقدسات الإسلامية في مكة والمدينة، فشرعية إيران قامت على الثورة التي أطاحت بنظام الشاه عام 1979 والتي هددت الشرعية السعودية لأنها شجعت كل المسلمين ومنهم السعوديون على الثورة ضد انظمتهم.
ويقول كينيث بولاك من معهد بروكينغز في واشنطن إن الثورة الإيرانية زعمت أنها لكل العالم الإسلامي. ونظراً لكون إيران دولة شيعية فدعوتها للثورة لم تصل إلا للجماعات الشيعية. وتعيش في السعودية أقلية لا تزيد عن 10% من عدد السكان وقامت بالتظاهر تضامناً مع الثورة وأنشأت مكاتب لها في طهران بشكل أثار مخاوف السعودية. ويقول غوس إن السعوديين نظروا لإيران كتهديد محلي ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979.

الحرب العراقية – الإيرانية

وخاض البلدان أول حرب بالوكالة بعد الثورة واستمرت ثمانية أعوام، عندما قام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بالهجوم على إيران عام 1980 ودعمت السعودية في هذه الحرب العراق وبشكل كامل لأنها كانت تريد وقف الإيرانيين. وكانت الحرب مثالا عن حروب الوكالة المقبلة التي سيخوضها البلدان لاحقاً ووجدت الولايات المتحدة نفسها في الوسط حيث كانت تحاول تأمين وصول النفط والغاز الطبيعي. ومع أن النزاعات أجهدت الإيرانيين الباحثين عن إشعال الثورة في العالم العربي والإسلامي إلا أنهم وجدوا مهمة جديدة وهي الإطاحة بنظام آل سعود.
ويقول مارك لينتش، من جامعة جورج واشنطن إن شعور إيران بعدم الأمن دفعها للتدخل في شؤون الدول الأخرى وربما كان وراء برامجها النووية والصاروخية. بعد انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية شهدت الفترة ما بين 1989 -2002 تتوقفا في التنافس الإقليمي، إلا أن هذه المرحلة كانت فترة تخمر انفجرت لاحقاً. ففي هذه الفترة زادت السعودية من برامجها المعادية للشيعة كما يقول توبي ماتثسين من جامعة أوكسفورد. ففي مقال نشره موقع كارنيغي قال فيه إن هذه السياسات أدت لزراعة المخاوف الطائفية وأحياناً العنف والذي غذى لاحقاً أيديولوجية تنظيم الدولة. وبعد احتلال الكويت وتحرير الدول المتحالفة لها بقيادة الولايات المتحدة، حيث قامت الأخيرة بإنشاء منطقتي حظر جوي في الشمال والجنوب، بدأ الميزان يميل لصالح إيران. ومع انتفاض العراقيين في الجنوب أخذ نظام صدام منحى جديداً تميز بالطائفية كما يحلل غوس.
وساعد الغزو الأمريكي عام 2003 إيران على ملء الفراغ الذي نشأ بالإطاحة بنظام صدام حسين. فمن خلال الجماعات العراقية الموالية لها منعت طهران أي محاولة أمريكية – سعودية لتشكيل حكومة موالية لهما. وأرسلت إيران الميليشيات التي تدعمها كي تسيطر على الشوارع وتقويض الإحتلال الأمريكي. وأدى لاندلاع النزاع الطائفي الذي عجل بدخول البلاد في أتون حرب أهلية. ولم ينجح السعوديون بمواجهة التأثير الإيراني لأن حلفاءها الطبيعيين في العراق «كانوا يريدون قتلهم» حسب غوس.
وحاولت الرياض موازنة الخسارة في العراق بمواجهة إيران في لبنان. فهذا البلد الذي يعاني من ديمقراطية هشة وحرب أهلية وميليشيات كان الساحة المثالية لكل من السعودية وإيران لشن حرب من خلال السياسة المحلية والمؤسسات الضعيفة.
ودعمت إيران حزب الله الذي صعد بناء على ورقة المقاومة ضد إسرائيل، فيما ضخت السعودية الأموال لحليفها السني رفيق الحريري. وظلت اللعبة متوازنة بين القوتين حيث لم تستطع أي منهما السيطرة بشكل كامل على مؤسسات البلد العاجزة. وبعد مقتل الحريري عام 2005 الذي طالب بخروج القوات السورية، بدأت الساحة تتجه نحو المواجهة والتي بدت في هجوم حزب الله عام 2008 على المسلحين السنة وسيطرته على بيروت. وطلبت السعودية غطاءً جوياً أمريكياً حسب وثائق ويكيليكس وهو أمر لم يحدث. وبعد الربيع العربي وسقوط عدة أنظمة قريبة من السعودية، سارعت الرياض لمنع استخدام إيران للوضع ودعمت الأنظمة في مصر والأردن واليمن.
كما دعمت بشكل تكتيكي الانقلاب في مصر عام 2013 وأرسلت 12000 جندي لوقف الانتفاصة في البحرين وفي ليبيا دعمت جنرالاً متشدداً حاول تعزيز سلطته. وفي سوريا أدى التنافس السعودي- الإيراني لإدخال البلد في حرب أهلية دائمة قتل فيها نصف مليون شخص تقريباً. وساعد على زيادة التنافس الإقليمي الطريقة التي أدارت فيها أمريكا سياساتها في المنطقة. فدعوة باراك أوباما إيران والسعودية لإيجاد طرق تعايش لم تجد صدى وهي دعوة كما قال مارك لينتش بعيدة المنال. ولم يخفف الاتفاق النووي من مخاوف السعوديين بل زادها حيث اعتقدوا أن أمريكا تريد التخلي عنهم والتحالف مع إيران. وحاولت واشنطن البحث عن طرق لتطمين القادة السعوديين من خلال صفقات السلاح وغض الطرف عن تحركات السعودية في مصر والبحرين. ثم جاءت حرب اليمن والذي دعمتها الولايات المتحدة مقابل القبول بالصفقة النووية مع إيران واتباع السياسة الأمريكية في سوريا. ولم تنته حروب الوكالة.
وسيدخل الرئيس المنتخب دونالد ترامب ليواجه إرث أوباما في المنطقة ولكنه يردد ما قاله في كانون الثاني (يناير) هذا العام من أن إيران «سيطرت على العراق» و«سيسيطرون على اليمن وعلى سوريا وسيأخذون كل شيء». وفي النهاية يشكّك الباحث غوس في إمكانية أي رئيس من إعادة ترتيب نزاع السلطة في الشرق الأوسط.

الثورة الإسلامية في إيران أدخلت منطقة الشرق الأوسط في حروب بالوكالة وطائفية مع السعودية

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية