الثورة السورية… ثورة مُفرّغة إلى حين!

حجم الخط
0

مضت إلى الآن أربع سنوات على اندلاع الثورة السورية التي يجمع الدرس السياسي الغربي كلياً والعربي جزئياً على توصيفها بالحرب الأهلية القائمة على أساس طائفي بالجوهر. لن أناقش في هذه المقال هذا التحول الذي طرأ على التسمية والتوصيف، لكن ما أود سبره هو مصير النشاط السلمي التثويري الذي طبع الثورة السورية في مراحلها الأولى، وكيف تم وأد الناشطين الذين انخرطوا في هذا التثوير من انطلاق الانتفاضة.
شكل النشاط السلمي التثويري وبدورهم ناشطوه حجر الأساس، الذي قامت عليه الثورة، وكانوا في شهورها الستة الأولى كل الثورة قبل أن يبدأ الحراك المسلح في الانتشار والتفشي، واستمر هذا النشاط مرافقاً للمقاومة المسلحة وعاملاً محفزاً ومواكِباً لهذه المقاومة خلال السنوات التالية، وكان يجدد نفسه بدعوات ناشطيه للاحتفاء به مع كل إحياء لذكرى الثورة في شهر آذار؛ لكن التفريغ المستمر للناشطين أخذ يفعل فعله إلى أن وأده بشكل شبه تام مع نهاية 2013 بحملة الاعتقال الكبرى التي شهدتها دمشق العاصمة قبيل رأس السنة لعدد كبير من الناشطين السلميين، كانوا يشكلون البقية المتبقية لمراحل التفريغ المستمرة، هذه المراحل التي مرت بثلاثة أطوار ابتدأت من النظام و اكتملت الحلقة بالعودة إليه.
بدأ الطور الأول لتفريغ النشاط السلمي بذراع النفي أو ما يمكن أن نسميه «سلب الثورة». وتمثل هذا السلب في العنف الممارس بشكل وحشي ومفجع من قبل النظام على كل مفاصل الثورة وناشطيها إما بالقتل المباشر أو الاعتقال أو الدفع بهم نحو الخارج. ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر استشهاد غياث مطر – أيقونة النشاط السلمي في داريا – على يد قوات النظام، ومقتل الصيدلاني جمال الفتوى – من أوائل ناشطي مدينة حمص الثوريين – تحت التعذيب في فروع الاستخبارات، إضافة إلى اعتقال عدد كبير من قادة الحركات الثورية السلمية كالطبيب محمد سعيد – من تجمع أحرار دمشق و ريفها –، وحسين غرير – من حركة 17 نيسان –، والطبيب وائل دغمش – من تنسيقية أطباء دمشق – ودمر سليمان – من تجمع نبض – وفرحان بلبل – من حركة فجر . وغيرهم كثر ممن فرّوا خارج البلاد بسبب الملاحقة الأمنية مثل شادي أبو فخر وعاصم حمشو – من تنسيقية أحياء مدينة دمشق-، والدكتور عامر علي – من تجمع أحرار دمشق وريفها. كل هذا السلب لم يكن له أن يوقف المد التثويري لقوى الناشطين رغم كثافته ، ولكن جاء الطور التالي وكان هذه المرة من داخل بيت الثورة.
بدأ الطور الثاني للتفريغ التثويري بما يمكن أن نسميه «إيجاب الثورة». وتمثل هذا التفريغ هنا بالعنف الممارس وإن كان بشكل أقل وحشية ولكن بطريقة أكثر فجاعة وفجاجة من قبل القوى المسلحة التي نهضت بأعباء المقاومة إلى جانب الناشطين السلميين. وقد مارست هذه القوى آليات تقرب إلى مماثلة الآليات التي اتبعها النظام بوأد الناشطين المعارضين. فكان الاعتقال والتوقيف للناشطين المدنيين أمراً شائعاً بحجة الدين والشريعة. ويشكل اعتقال أعضاء مكتب توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في مدينة دوما، وكانت تديره رزان زيتونة وسميرة خليل ووائل وناظم حمادي، يشكل هذا الاعتقال ذروة تفريغ النشاط التثويري الممارس من داخل الثورة. إضافة لهذه الحادثة المفجعة نذكر حادثة توقيف الناشطة بيرفان أحمد، ووسيم مقداد من قبل الرابطة الإسلامية في منطقة الحجر الأسود، وتوقيف الناشط أبو مريم من قبل أحد الألوية في بستان القصر في مدينة حلب. كما مارس تنظيم الدولة – رغم أنه يمثل قوى مسلحة معادية للثورة – تأثيراً من داخل الثورة بسبب عدم وقوف الكتائب المسلحة منه موقفاً حاداً، واعتقل عدداً غير هيّن من خيرة ناشطي الثورة وكوادرها. فمثلاً في الرقة اعتقل تنظيم الدولة فراس الحاج صالح بتهمة العلمانية، كما اعتقل سمر صالح وخطيبها من ريف حلب بتهمة معادة الإسلام، ولم تحاول أي قوى مسلحة ثورية العمل على إخراج هذه الكوادر.
هذان الطوران المتمثلان بسلب الثورة وإيجابها فرغا الكثير من الطاقات الثورية التي نهضت بأعباء الثورة ونشاطاتها، إلاً انهما لم تأت عليها كلّها لولا ما شكلته العلاقة المركبة التي تولدت منهما، وأخذت تتسلل إلى همة القوى الثورية المتبقية ونفوسها وتمثلت بالحرب.
شكل المركب العلائقي بين السلب – النظام –، و بين الإيجاب – الكتائب المسلحة-، الطور الثالث للتفريغ الثوري الذي يمكن أن نسميه «جدل الحرب». هنا لم يكن هناك اعتقال ولا قتل مباشر ولا اختطاف أو تعذيب، هنا كانت القوى الثورية قد أخذت تتخلى عن أي فكرة أو مقولة يمكن لها أن تصفها بثورية أو حتى تغييرية. لقد وقفت كل الكوادر السلمية التي تحمل مشروع التغيير الثوري متفرجة على هذا اللامعقول في الحرب القائمة إلى الآن دون أن يكون له هدف سوى الاحتراب ولأجله فقط. لقد أخذ هذا التفريغ الآن بعداً ذاتياً قارّاً في موضوعة الثورة بحد ذاتها، و لم يعد للكوادر العاملة بها سوى الترك أو الانعتاق الكامل من الثورة أو بالحد الأدنى الكمون إلى حين. و قد مثّلت حملة الاعتقال التي شنّها النظام عشية رأس السنة لعام 2014 اكتمال الحلقة للتفريغ الثوري، حيث تم اعتقال أكثر من خمسة عشر ناشطاً من قلب مدينة دمشق كانوا يحاولون بطريقة ما إعادة قوى التغيير الثوري لقلب العاصمة. لقد تم اعتقال أربعة ناشطين من الشباب السوري الثائر من حي ركن الدين، بالإضافة إلى ناشطين من مدينة التل وعدة ناشطين من الميدان والزاهرة من اتحاد الطلبة الأحرار وتجمع بنات الشام، وأكملت هذه الحملة الحلقة المفرغة للتفريغ الثوري وأتمت على نهايته.
ثلاثة أطوار أنهت بشكل قد يكون تاماً كل الطاقات الثورية للتغيير في سوريا وأدخلتها في حلقة مفرغة من التفريغ الدائم، وبقي الثابت الوحيد هو هذه الحرب التي تأكل كل المقولات التغييرية الممكنة. لكن هل لهذه الحلقة من قطعٍ أو فراق؟ يبدو أن هذا مرهون باشتراطات الواقع الجيوسياسي للمنطقة في هذه اللحظة الراهنة بدرجة ما، ومرهون بدرجة أكبر بوعي السوريين – وخصوصاً الكوادر الثورية المتبقية والكامنة فيهم – لهذه اللحظة وراهنيتها.

علي مغير – كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية