هل المجتمع السوي المثالي هو المجتمع المستقر الذي لا تحدث فيه ثورات أو اضطرابات داخلية؟ ستوصلك أي دراسة متأنية لتاريخ المجتمعات البشرية إلى أن الإجابة هي لا، لأن أسباب الاضطراب والثورة متوطنة في المجتمعات كلها، خذ عندك مثلاً إنكلترا التي تمتلك تاريخاً طويلاً من الممارسة السياسية التي يفترض بها أن تكون سبباً في الاستقرار، لتجد أن ب. أ. سوركين في الجزء الثالث من كتابه «الديناميكية الاجتماعية والثقافية لإنكلترا»، يسجل وقوع 162 اضطرابا داخليا، ما بين سنة 656 وسنة 1921، بمعدل مرة كل ثماني سنوات تقريباً، تتراوح في الخطورة ما بين الثورة الكبرى والحرب الأهلية والحوادث العابرة، وهو ما يمكن رصده في مجتمعات أخرى عريقة سياسياً، ما يدفع إلى التأكيد على أنه إذا كان المجتمع المستقر أو السوي، يعني في رأي البعض المجتمع الذي ليس فيه أي تعبيرات عن السخط على النظم القائمة، فلا توجد إذن مجتمعات مستقرة أو سوية، وأقصى ما يمكن توقعه من مجتمع ندعوه سوياً، ألا تكون فيه مغالاة شديدة في التوترات، حين يتصرف معظم الناس فيه من منطلق شعورهم بأن مجتمعهم، رغم كل أخطائه، مشروع ناجح.
هكذا يستنتج المفكر الأمريكي كرين برنتون في كتابه «دراسة تحليلية للثورات» الذي درس فيه أربعا من كبريات الثورات في التاريخ الحديث: الأمريكية والإنكليزية والفرنسية والروسية، مستنتجاً أن الثورات ترتبط في الأساس بصعود الآمال والأحلام، أكثر من ارتباطها باليأس أو الخراب الشامل، كما يعتقد البعض، وأن ما تظنه بعض الحكومات تأخيراً للثورة بتحقيق حالة من الرواج أو النمو الاقتصادي وهم كبير، فالثورات الأربع الكبرى لم تحدث في مجتمعات متخلفة اقتصادياً، أو تعاني بؤساً شاملاً، رغم وجود مشكلات خطيرة فيها.
يشير برنتون إلى فشل محاولات إثبات أن الذين صنعوا الثورة الفرنسية كانوا يعانون حرماناً اقتصادياً خطيراً، كذلك كان الحال في السنوات التي سبقت الثورة الأمريكية، التي كانت فيها ضغوط اقتصادية وأزمات، لكنها لم تصل إلى حد الدمار الشامل. ولا يختلف الوضع كثيراً في إنكلترا، وكذلك في روسيا التي كانت القدرة الإنتاجية للمجتمع فيها قبل الثورة، أكبر من أي فترة أخرى من التاريخ الروسي، ما يعني أن تلك الثورات لم تولد في مجتمعات ضعيفة أو منهارة، بل في مجتمعات مأزومة كانت فيها جماعات تعاني صنوفاً من الضيم الاقتصادي، ومع ذلك فقد رغب الكثيرون من أبناء المجتمع في التغيير، ليصبح مجتمعهم أفضل، حتى لو لم يعانوا شخصياً من ذلك الضيم.
ويستنتج من دراسته للمجتمعات الأربعة، دلائل أولية للثورة من بينها: عجز الحكومة المالي، الشكاوى من فداحة الضرائب، محاباة الحكومة لمجموعة من المصالح الاقتصادية على مصالح أخرى، التعقيدات والارتباكات الإدارية، سيل من الاحتجاجات ضد طغيان الحكومة، وتفجر في نشاط الجماعات الضاغطة صاحبة المصلحة، ومحاولات حكومية طاغية لكبت المعارضة الثائرة، فقدان الثقة بين كثير من أعضاء الطبقة الحاكمة، وفقدان الثقة الجماهيرية فيهم، خاصة حين يسود الاعتقاد بأن امتيازاتهم غير عادلة أو ضارة بالمجتمع، واشتداد حدة المناقشات الاجتماعية، وغلق أبواب العمل أمام ذوي الكفاءات، والتمييز الاجتماعي. عندما يحدث ذلك كله، وتسود في المجتمع آمال ومخاوف، تنتشر كعاطفة عامة في المجتمع، كأنها أشبه بالملكية العامة، عندها نعتبر كل ذلك علامة نهائية من علامات الثورة، ومع ذلك كله، كان الناس في تلك البلاد، لا يتوقعون الثورة أبداً في زمانهم وإنما في زمن أولادهم، وكانت الثورة الفعلية دائماً تجيء مفاجأة، حتى في روسيا التي ظلت الثورة فيها متوقعة لفترة طويلة.
ينبهنا كرين برنتون إلى أن الثورات الأربع شهدت كلها جدلاً عمّا إذا كانت مؤامرة أم لا، فقد أصرّ المعارضون للثورة الفرنسية على أنها كانت من فعل أقلية مدبرة خبيثة من الماسونيين والمهيجين المحترفين، الذين سيطروا على الصحف واعتادوا العمل المنظّم. معارضو الثورة الروسية ظلوا يؤمنون لسنوات بأنها من تدبير أقلية من البلشفيك المتآمرين مع قوى أجنبية، وفي نظر أنصار أسرة ستيورات التي أطاحت بها الثورة الإنكليزية، كانت الثورة مؤامرة ناجحة لسوء الحظ، قام بها الكلفانيون عشاق المال ضد إنكلترا ذات التقاليد العريقة. وفي الثورة الأمريكية لم تختف نظرية المؤامرة من محاولات تفسيرها. وهو ما يجعل برنتون يستنتج قانوناً عاماً للثورات، يقول إن الثوار المنتصرين ينسبون نجاحهم إلى قيام الغالبية في وجه الطغيان الرهيب، أما مؤيدو النظام القديم المهزوم فإنهم ينسبون فشلهم إلى خطط أقلية من الأشرار المهرة، الذين لا ضمير لهم، وهو يرى أن التفسيرين يهدفان إلى إرضاء العواطف البشرية بعيداً عن التفسير العلمي للحقائق، وهو ما يجعل تفسير الثوريين يتلمّس طريقة لتجنب العنف، فيبدو أنه يستحي من حقيقة الثورة إلى حد ما، وحتمية ارتباطها بالعنف.
ويرى أن مدرسة ارتباط الثورات بالظروف المحيطة، تعتبر الثورات نمواً بــرياً وطبيعـــياً، تُلقى بذوره وسط الطغيان والفساد، تحدد تطوره قوى خارج نطاقه، هي قوى الطغيان التي ستفجر الثورة حتماً، حتى لو لم يكن وراء ذلك مجهود منظم للمعارضة. أما مدرسة ارتباط الثورات بالخطط والمؤامرات، فتعتبر الثورات نمواً إلزامياً ومصنوعاً، تُزرع بذوره بعناية في أرض أُعدت تربتها وخصّبها البستانيون المتآمرون، وأنها تبلغ النضج بطريقة غامضة، مؤكداً رفضه لهذين الطرفين النقيضين لأن كليهما هراء، معقباً بقوله: «الثورات تنمو فعلاً من بذور غرسها أناس يريدون التغيير، يبذلون جهداً كبيراً في تنظيم الحدائق، ولكنهم كبستانيين لا يعملون ضد الطبيعة، وإنما بالأحرى يعملون في تربة وفي طقس ملائم لعملهم، والثمار الأخيرة تمثل تعاوناً بينهم وبين الطبيعة المحيطة بهم».
بالتفكير في نتائج برنتون، يمكن أن تفهم لماذا لا يتسامح نظام عبد الفتاح السيسي مع أي من مظاهر الانفتاح الإعلامي والسياسي، التي انتزعها الصحافيون والسياسيون والناشطون والحقوقيون عبر سنوات عصر مبارك، لأنه أدرك بالتجربة أن السيطرة الأمنية والعسكرية على البلد تفقد تأثيرها، حين يُسمح بتشكيل مناخ منفتح تقترن فيه المخاوف بالآمال في التغيير، ففي ظل ذلك المناخ يمكن أن ينزل الناس غاضبين إلى الميادين والشوارع، حتى لو لم يكونوا يعانون شخصياً من الأزمات الاقتصادية، على أمل أن تؤدي مشاركتهم في الثورة إلى تغيير يعم المجتمع كله، أما حين يسود مناخ من الخوف وحده، يفضل الناس الاستسلام للوضع القائم مهما كان كارثياً، مقنعين أنفسهم بأن البديل سيكون أسوأ، مع أنه لم يُتح لهم أصلاً بحكم وطأة القمع مناقشة البدائل المطروحة وتبينها، وفي ظل ذلك الوضع يستسلم كثير من الذين كان يمكن لهم أن يستفيدوا من تحقق أهداف الثورة، إلى فكرة أنها كانت ولا تزال مؤامرة خطيرة، ويستسلم كثير من المعارضين إلى وهم أن الطغيان بمفرده ـ وبدون وجود بدائل ملهمة وواعدة بالأمل ـ يمكن أن يكون سبباً في ثورة تطيح به.
…
ـ «دراسات تحليلية للثورات» ـ كرين برنتون ـ ترجمة عبد العزيز فهمي ومراجعة محمد أنيس ـ طبعة دار الكتب والوثائق القومية مصر. وقد صدرت ترجمة عن دار الفارابي قام بها سمير الجلبي لطبعة منقحة وموسعة قبل وفاة المؤلف حملت عنوان «تشريح الثورة».
٭ كاتب مصري
بلال فضل