بعد مطاردة تابعها الجمهور الأمريكي على شاشات التلفزيون في بث مباشر على الهواء، واستغرقت زهاء الساعة، ألقي القبض منذ أيام على حيوانين من اللاما، فرا من مركز لرعاية المواشي في ولاية أريزونا.
حتى ذلك الحين بدا الأمر عاديا وغير جدير بالاهتمام ولا بالتعليق، لولا أن ملاحقة اللاما، وهو حيوان مجهول وغير معروف على نطاق واسع في الدول العربية، تزامنت مع ملاحقة أخرى أشد جنونا ووحشية في العراق لثورها الآشوري المجنح. وكان لافتا أن هناك فرقا شاسعا ورهيبا بين الملاحقتين، ففيما مرت الأولى بهدوء وأمان تام للحيوان، كانت خاتمة الثانية مأساة وكارثة مدوية للثقافة والحضارة البشرية بأسرها. ظل الملاحقون طوال المطاردة الصعبة والطويلة لللاما حريصين على تأمين أقصى ظروف السلامة الجسدية والمعنوية لهما وإعادتهما إلى المركز، من دون أضرار أو إصابات، من منطلق الحرص على احترام حقوق الأمريكيين بشرا كانوا أم حتى حيوانات.
وكان الأمر مختلفا مئة وثمانين درجة في مصيبة الثور العراقي المجنح، رغم أنه، أي الثور، ينحـــدر من فصيلة نادرة ومهددة بالانقراض ومحمية بلوائح اليونسكو، التي لم تشفع له على الاطلاق أو تقف حائلا دون تدميره بالمطارق والآلات الكهربائية في اليوم نفسه تقريبا، وأمام أعين العالم الحر، من دون أن يحرك أحد ساكنا عدا تصدير بيانات الرثاء والحزن التقليدية على رحيله الصادم والمريع.
من المفترض أن لا وجود لفرق في النظرة إلى الحيوانات، وحتى المعاملة التفضيلية أو التمييزية بينهم تعد بمعايير المجتمعات المتحضرة من قبيل الأفعال العنصرية المرفوضة، لكن الثور العراقي المجنح، ولسوء حظه ربما، لم يكن حيوانا حيا باستطاعته الركض والهروب من قبضة ملاحقيه واستدرار عطف بريجيت باردو وحماس مثيلاتها من المدافعات الشرسات عن حقوق الحيوان. فهو مجرد تمثال صخري بجسم ثور وجناحي نسر ورأس إنسان يزن أكثر من ثلاثين طنا، ويتجاوز طوله الأربعة أمتار، وينام بسلام وسكينة منذ وقت طويل في متحف الموصل، فيما يقدر الخبراء تاريخ صنعه إلى القرن التاسع قبل الميلاد. لكن باستثناء الحلقات الضيقة من المختصين أو المهتمين، فإن التمثال الفريد والثمين ظل مجهولا تماما مثل اللاما التي لا يعرفها سوى زوار القارة الأمريكية، أو من أمكنهم مشاهدة اشرطة سينمائية أو وثائقية للحيوان.
فلا يدرك العربي في الغالب سوى الدواب التي اعتادها، ولا يهتم للنصب والتماثيل، لأنه لا يميز بشكل دقيق وواضح بين تلك التي تجسم القادة والزعماء في الساحات والميادين، وتلك التي تركن في المتاحف والمواقع المهجورة للحضارات البعيدة الغابرة. المأساة الحقيقية هنا هي في فقدان المعرفة وانحسارها إلى حدود ضيقة وعلى قدر واسع من السطحية، تجعل السواد الأعظم من الناس لا يفهمون القيمة الرمزية والروحية للتاريخ، ولا يستشعرون حاجة أو ضرورة للحفاظ على صلة الوصل الوثيق به. فهو يظل شيئا جامدا ومبهما فاقدا للمعنى وللرواج الفوري في الواقع إلا متى انتبه له تجار الآثار وسماسرة الحضارة وعرضوه بضاعة للبيع بثمن بخس في مزادات الغرب. ينظر هؤلاء إلى الثور المجنح وغيره من الرموز على أنها ترف لا حظ ولا وقت لهم للاهتمام به، أمام ضغط الحاجة إلى الرغيف ووجود حياتهم تحت التهديد المباشر لقوى الموت والدمار الشامل التي باتت تتربص بهم من كل حدب وصوب.
فكيف يمكن للعراقي أو للسوري، الذي يستشعر الخوف كل لحظة على حياته وحياة اقربائه، ولا يعرف متى ينزل فوق رأسه برميل متفجر أو تلقى على طريقه قنبلة مدمرة، أن يهتم لمصير تحف أو شواهد أثرية قد لا تعني شيئا كبيرا أمام التهديد المباشر واليومي لوجوده؟ المصيبة الكبرى أنه عندما كان هناك نوع من الاستقرار والأمن، لم تكن أنظمة الاستبداد تنظر إلى التاريخ إلا كدعامة لتأبيد حكمها واكسائه غطاء من مشروعية مفقودة، عبر الإيحاء بأنها استمرار وتواصل لتلك الحضارات والأمجاد القديمة.
ولم يكن من الغريب في تلك الحالة أن يلجأ معظم الحكام العرب إلى عمليات نبش وتنقيب همجي واعتباطي، لمجرد استحضار شخصيات أو رموز من الماضي والتشبه بها وببطولاتها التليدة، بعد العجز عن احراز بطولات وانجازات جديرة بتخليد اسمائهم في سجلات العظام، فقد كان الرئيس التونسي الراحل بورقيبة مثلا يردد باستمرار أنه «يوغرطة الذي انتصر»، في إشارة إلى القائد النوميدي الذي حارب روما وانتهى به الأمر إلى الهزيمة ثم الموت جوعا في سجونها، وكان يرى نفسه في أحيان اخرى حنبعل ويصر على إبقاء تمثال نصفي للقائد القرطجاني المعروف في مكان بارز في مكتبه الخاص.
اما بعض الحكام الاخرين مثل الرئيس المصري الراحل أنور السادات، فقد كانوا يعتبرون التحف والاثار جزءا من المقتنيات والممتلكات الخاصة، من أجل ذلك ربما لم يجد «الريس» حرجا أو غرابة في إهداء الرئيس الأمريكي الاسبق جيمي كارتر قطعة فرعونية اصلية عام 1978، بمناسبة توقيع اتفاقية كامب ديفيد. وسواء أهدوها أم زينوا بها مكاتبهم وقصورهم أم نهبوها وباعوها وغضوا الطرف عن سرقتها وتهريبها إلى خارج دولهم، فإن كل ما تعلق بالتاريخ والاثار وإرث الحضارات القديمة التي تعاقبت على المنطقة العربية، ظلت محفوظة داخل صناديق سرية مثل صناديق علي بابا، لا تفتح إلا بقدر محدود ومعلوم وبأوامر عليا، في مناسبات فلكلورية للدعاية للنظام أو لجذب السياح الاجانب وشد اهتمامهم لا غير. أما السواد الاعظم من الشعوب العربية فبقيت للاسف الشديد مثل قصبات الريح، خاوية من كل انتماء حقيقي يشدها أو يصلها بالماضي، عدا روابط العاطفة الدينية التي ظلت سائدة ومؤثرة بقوة على المشاعر والمواقف، رغم قوة العواصف الداخلية والخارجية، ومن أجل ذلك لم يثر تدمير الثور المجنح أي ردة فعل شعبية، وما ردده احد العناصر التي ظهرت في شريط تخريب متحف الموصل من أن «هذه الآثار هي أصنام وأوثان لاقوام في القرون السابقة كانت تعبد من دون الله عز وجل» ومن أن «النبي محمد أزال الأصنام وطمسها بيده الشريفة عندما فتح مكة»، هو تقريبا ما يجول بمعظم الخواطر والعقول.
هل نحتاج إذن إلى «ثورة دينية» جديدة شبيهة بتلك التي طالب بها الجنرال السيسي شيوخ الأزهر في احتفالات المولد النبوي الشريف؟
هنا يكمن مربط الفرس، فما يحدث في العراق وغيره من أعمال ذبـــح وتقتيل وترويع وهدم للمعالم والرموز الحضارية باسم الإسلام، لا هدف له بالنهاية سوى ترسيخ فكرة محـــورية اعلنها السير جون سورز الرئيـــس الســـابق لجهاز الاستخبارات البريطاني بوضوح، ومن دون لبس في حديث لراديو بي بي سي 4 من «أن الدين الإسلامي ككل ليس مهيأ بشكل جيد لإحياء وتجديد نفسه، لكي يتوافق مع قيم ومعايير مجتمع يعيش في القرن الواحد والعشرين».
ووفق ذلك الهدف المتوسط والبعيد المدى لا يبدوغريبا أو من قبيل الصدفة أن يتوقع وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا أن القتال ضد «تنظيم الدولة» قد «يستغرق نحو ثلاثين عاما» بالتمام والكمال.
إذ بعيدا عن منطق تجزئة المجزء وتقسيم المقسم والتلاعب بالخريطة الجيوسياسية للمنطقة، وإعادة تشكيلها مرة أخرى، فإن هناك حربا نفسية وثقافية دخلت على ما يبدو منعرجا حاسما ودقيقا لتدمير آخر القلاع التي ظلت حصينة وعصية على الكسر، وهي قلعة الدين. لذا فالمطالبات بثورة داخل الدين تعني ببساطة واختصــــار أن الخلل موجود داخله، اي في النصوص والأحكام لا داخل النفوس والعقول.
وهذا بالتحديد ما يرغب في تأكيده عن قصد او جهل كل من حطم آثار العراق ونهبها، وكل من عطل بلاد الرافدين وقص أجنحتها لتحرم من التحليق عاليا مرة أخرى وتخرب بالكامل مثلما خرب ثورها المجنح بصفاقة وبدم بارد تحت سمع ونظر العالم.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية