الثّورات العربيّة المجيدة في عيد «النوروز»

حجم الخط
6

في المرحلة الإعداديّة – قبل إعلان عيد الأم عطلة رسميّة ،عوضاً عن عيد النوروز – كان ممنوعاً على طلاب وتلاميذ تلك المرحلة،الغياب بتاريخ 20 آذار/مارس،يوم الوقفة ،واعتباره جرما لا يغتفر، بينما يتغاضى الأمر عن يوم العيد ،لتبدأ حملات التهديد والوعيد ،من قبل الإدارةمنذ شهر شبّاط/فبراير في عيد القطط المذعورة،هذا على أيّام حمار قريتنا المدلّل»بولندر» «أعزّكم الله» الذي كان يعلم كلّ أسرارها،وله ذكريات،ونهفات مع كلّ جيل الثمانين يخرج في صبيحة يوم العيد واصلاً نهيقه إلى مدينة القامشليّ ،يحبّه الجميع حتّى ذاع عنه،أنّه كان يشجّع فريق قريتنا الرّياضيّ في إحدى التصفيات النهائيّة.
كان السّيد المدير وجهازه الأمنيّ في صباح وقفة العيد يجتمعون بنا في الاجتماع الصّباحيّ كي يلقوا علينا الخطابات الوطنيّة في ربوع الثورات العربية المجيدة ،ضد العدو الغاشم ،مهدّدين بجلب ولي الأمر،وفصله من جميع مدارس القطر العربيّ السّوريّ،بجملة شهيرة من المدير الخالد في ذاكرتنا / راح امسح فيكون الأرض،قال شو قال عيد نوروز / بلهجته العربيّة المكسّرة إلى الكُرديّة،بتلويحاته المهدّدة بعقوبة الفلقة ،ما أتذكّره أنّ أحد الطلاب « جهاد بوزو « عندما خالف قرارات القائد الأعلى للجيش والقوات المسلّحة ،مدرّب مادة التربية العسكريّة ،كيف اقتادوه إلى غرفة التعذيب ،واصلاً صراخ» الآخ والأوف» إلى عنان السّماء ،وأثناء خروجه من الإدارة كان شبه عار ،تاركاً كلّ ملابسه العسكريّة ،في تلك المرحلة المدنيّة،وهو يمشي حافي القدمين جرّاء الفلقة.
كان «عصام عبّاس « الوافد الذي انتدب من مدرسة الطلائع في القامشليّ، بعد أن فصل منها وعاد إلى مدرستنا الإعداديّةـ المتواضعةـ معقل رأسه ،ينقل لنا طقوس الطّلاب ،والمشاغبات التي كانت تعتبر مراجل لا تقل عن مشاجرات باب الحارة ،كيف قاموا بضرب السّفاح «حسن حمندي «مدير المدرسة الذي ذاع سيطه كحمار قريتنا ،وبطّحوا مدرب مادة التربية العسكريّة الذي لم يتهاون عن تحويل من يفكّر بالذهاب إلى عيد نوروز ،إلى فرع أمني ،يساعده» مسعود خلف «الذي نشأ في أسرة كُرديّة حزبيّة ليلقي علينا القصائد والقصص القوميّة،التي أصبحت فيما بعد درباً من دروب عشقه ،فيشرح لنا حقيقة نوروز،وكيف قام «كاوا حداد» بقطع رأس الملك الجائر،لترتفع حشرجتنا وأصواتنا منادين الشّعارات الوطنيّة ،آخذين الوعد والعهد بالغياب عن المدرسة في يوم الوقفة،للاستعداد بحضور نوروز.
وقد تضامن معنا ابن المدير ،والموالين له،وحتّى فتيات شعبتنا الوحيدة ،اللاتي لم يكن يتجاوز عددهنّ العشرة ،مستغلين تعاطف الكادر التدريسيّ ،ليس محبةً فقط بل حتّى ينصرفوا باكراً من المدرس التي كانت لا تتهاون عن فصل المدرّس فصلاً مسلكياً تحت ذريعة التعاطف ،وضعف الشّعور القوميّ .
كنّا نتعاطف مع أستاذ مادّة اللغة الأجنبيّة «عبد الغني « لأنّه كان يقف معنا في كلّ سجالات شغب الطفولة،رغم قسوته التي لم تمنعه عن ضربنا على مؤخّراتنا الغضّة بعصاه التي تصرخ ،راسماً الألم في قلوبنا، بالإضافة إلى آنسة مادة الرّياضيات « حنان « الجميلة الأنيقة التي كانت السّبب في هندستنا الطفوليّة ،من سرح الشّعر،وبخّ العطور ،وبعض حركات المراهقة ،فلان ربت على كتف الآنسة ،وذاك قام بغمزها، وسط حالة إعجاب منها،وكلّها طبعاً كانت تأمّلات لمراهقين لم يجدوا فتاة تلبس الجينز ،وتضع مكحل العينين ،وتتمكْيج بأدوات التجميل إلاّ صدفة على قناة تلفزيونيّة،أو في غندرة أعياد نوروز ،أمّا مدرّس مادة العلوم الأستاذ» نوري « الذي قام بتشريح مخيخ ضفدع ،كان ضحيّة عملية فاشلة ليقول جملته التي مازالت راقدة في ذهني :/في الحقيقة الضّفدع مات/.
فعلاً لم نذهب إلى المدرسة ،بعد خيانة عظمى مِن مَن يمتلكون النفاق ،على كلّ حال حضرنا «نوروز»بخيالنا الغضّ الجامح ،وحريتنا المطلقة ،وإحساسنا القوميّ-علماً أنّنا كنا دوماً نأخذ درجة الضّعيف في مادة التربية القوميّة التي عانينا منها الويلات-وسط جو من القلق والخوف من اليوم الموعود مع الإدارة التي كانت تفضّل الطالب الملتزم بقراراتها عن النجيب الحاذق ،نطرح على أنفسنا أسئلة المدير التي تشكل للوهلة الأولى رعب وصراعا،كيف سيمرغ أنوفنا غداً بالتراب،ويمسح بنا الأرض كما وَعَدَنَا ،ومشهد الفلقة تحوّل الجموع الغفيرة إلى مدرسة ،ومدير،وموجّه،وأمين السّر،وفي المساء عند الأصيل ونحن مع أُسرنا على تخوم حدود القرية ،رأينا الكادر الأمنيّ المدرسيّ بالانتظار،وسط نظرات وإيماءات نحونا،نحن العدو الغاشم ،الذين خالفنا قرارات القيادة الحكيمة،وفي اليوم الثّاني ،ذهبنا إلى المدرسة ،لنلتقي مع مصيرنا المجهول ؛في الاجتماع الصّباحيّ بعد إلقاء التحيّة للعلم،تم قراءة أسماء المجرمين الذين تغيّبوا عن المدرسة بسابق الإصرار والترصّد،بعد تحذير من القيادة.
ولأنّ العدد كان غفيراً ،ومعنا ابن المدير،هذا بعد تدخّل وجهاء القرية،أولياء أمورنا،وحِمار قريتنا الذي تعاطف معنا وجاء لحضور الاجتماع الصباحيّ، ووساطة وتبويس شوارب من الكادرالتدريسيّ ،ونحن نتظاهر بعلامات النّدم أمام القيادة الحكيمة،تمّ صدور مرسوم عفو عام من السّيد المدير.

راشد الأحمد
كاتب وناقد وإعلاميّ سوريّ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية