«الجاز» الشرقي و«الراي» في باريس: العرب في قلب تجارب «الاندرغراوند»

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: لا تنتهي موسيقى «الجاز» في باريس. تحضر في أكثر الأمكنة، كأنها لازمة المكان وزمنه. لكن تبقى للسهرات الشبابية مع «الجاز» حضورها الآسر. فهي محاولات تدمج بين أنواع موسيقية مختلفة، ومحلية في بعض الأحيان، تحت عباءة الموسيقى الأكثر ألفة عالمياً. وللعرب في هذا المجال، محاولة ناجحة، استطاعت الوصول إلى الجمهور بسرعة غير متوقعة. التجارب الأولى كانت مع بعض الفنانين المغاربة، الذين أسسوا فرقاً تعزف «الجاز الشرقي»، ثم كرس معهد العالم العربي، استضافة موسيقيين عرب يعزفون الجاز. ثم تكررت المحاولات مع الجيل الجديد، الذي دمج الموسيقى الشرقية مع الجاز، مع كلمات فرنسية وعربية، واستخدم موسيقى «الراي» و«آرنبي».
وبشكل لافت استطاعت هذه الفرق «غير المرئية» انجاز حضورها في علب الليل في شارع الـ«بيغال» و»مونمارت»، وبعض البارات الصغيرة الشبابية «الاندرغراوند» في المنطقة الـ18، وبعض نوادي الليل المتخصصة بالموسيقى العربية.
يعمل سعيد، وهو شاب جزائري، على دمج موسيقى «الراي» وكلماتها بالـ«جاز» وهي محاولة لاقت إعجاب كثيرين، من الشباب الفرنسي. حيث يتجمع كثر للاستماع إلى موسيقاه مع فريقه المؤلف من 3 عازفين. يقول سعيد، ان «الموسيقى لا تحتاج إلى تعبئة. دوما لها جمهورها. والفرنسيون تواقون دوماً للاستماع إلى كل ما هو غريب وجديد. لا سيما ان موسيقانا أيضاً ليست غريبة كثيرا عنهم. فهم يعرفون الكثير عن ثقافتنا وعاش بعضهم ردحا من الزمن في بلادنا واحتكوا بنا منذ بدء الهجرات العربية إلى باريس». ويضيف الشاب وهو يرتدي كنزة فضفاضة، ويضع قبعة واسعة على رأسه: «ننقل في الموسيقى الكثير عنا. هي رسالة نقول فيها من نحن. لا سيما ان بعض الباريسيين صاروا يفكرون عن العرب أشياء مغلوطة، لا سيما بعد هجمات العاصمة في 13 تشرين الثاني/نوفمبر. نحن نحاول ان نؤكد عبر الفن ما هو عكس ذلك. نحن نحب الحياة والموسيقى والفن. ولدينا تاريخ طويل ومشرف في مجالات الموسيقى والابداع الفني».
وتشغل الموسيقى العربيّة المغربيّة والشرقيّة حيّزا كبيرا من اهتمام الفرنسيين، ويعود هذا إلى أسباب تاريخية، بدأت بشكل خاص منذ القرن الثامن عشر مع دخول نابليون بونابرت إلى مصر، وتواصل هذا الاهتمام بعد دخول الفرنسيين بلاد المغرب العربي، وأخيرا بوصول الجاليات العربية إلى فرنسا. وأُقيم أوّل حفل موسيقي جزائري في فرنسا عام 1863. وأصبحت كاسيتات الأغاني العربيّة تُباع في شتّى أنحاء فرنسا. وكان أكثرها انتشارا هي موسيقى «الراي» الجزائرية، التي رحّب بها الفرنسيون أشدّ ترحاب حتى باتت تُعتبر من العناصر المهمة للمشهد الموسيقي الفرنكوفوني. وهذا بالإضافة إلى الدور الكبير الذي يلعبه طلاب الموسيقى والمغنون العرب الذين أقاموا أو يقيمون في فرنسا مثل محسن الرايس، وعابد عازريه، والعديد من الفنانين اللبنانيين الذين وصلوا باريس خلال الحرب اللبنانية.
واهتم الفرنسيون بموسيقى «الراي» الآتية من الضفة الجنوبية للمتوسط، بعد تنظيم منتجين فرنسيين هما ميشال ليفي وهو المنتج السابق للشاب مامي، ومرتان ميسونيي، لأول مهرجان لأغنية «الراي» في باريس في ضاحية بوبينيي في 1986. نجاحات فنية وتجارية كبيرة أعقبت هذه الفترة، بعد أن أبدت كبريات شركات التسجيل أمثال «يونيفرسال» و»بوليغرام» و»فرجين» و»بركلي»، اهتمامها بإنتاج ألبومات «الراي» فخصّتها بتقنيات توزيع وتسجيل عالية المستوى، وساهمت موجة هجرة الفنانين الجزائريين إلى فرنسا إبان العشرية السوداء في تكريس مكانة باريس كعاصمة أولى لـ»الراي» بدل وهران.
يقول سعيد، ان موسيقى «الراي» لها حصتها الكبيرة، والشباب الفرنسي يحبها، لأنها ترقصهم، ودمج هذه الموسيقى مع «الجاز» أمر ممتع، فهو خلق «خلطة» موسيقية فريدة. يشير سعيد، إلى فرق جزائرية ومغاربية كثيرة، تعمل على استخدام الموسيقى العربية في حفلاتها داخل بارات ومطاعم وأماكن سهر باريسية، «تلك الفرق استطاعت التميز ليس بنوع الموسيقى فقط، بل أيضا باللغات، فهؤلاء يدمجون بين اللغة المحلية والعربية والفصحى وبين الفرنسية والانكليزية أيضاً»، موضحاً: «العرب استطاعوا ان يكونوا في قلب الاندرغراوند ويشكلون جزءاً وتفرعاً مميزاً منه. انها مساحتنا كفنانين الوحيدة ليس للعيش فقط، بل للبوح ولإيصال أفكارنا وأفكار أهلنا ومجتمعنا المهاجر».

«الجاز» الشرقي و«الراي» في باريس: العرب في قلب تجارب «الاندرغراوند»

صهيب أيوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية