الجانب غير العقلاني لنتنياهو

حجم الخط
0

لقد شرح ذات مرة البروفيسور إسرائيل أومن، الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد، «من هو الشخص العقلاني»: هو الشخص الذي يعمل بشكل منطقي من أجل تحقيق أهدافه. الأهداف نفسها ليس بالضرورة أن تكون منطقية. الانتحاريون، على سبيل المثال، هم أشخاص عقلانيون، لأن هدفهم هو زرع الموت والدمار والرعب. وبنفس القدر أيضا فإن الرائد روعي كلاين الذي قتل عندما ألقى بنفسه فوق لغم من أجل إنقاذ جنود، فقد تصرف بشكل عقلاني، قال أومن. هذا يثير سؤال إذا كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو شخص عقلاني. ومن أجل معرفة ذلك يجب تحديد هدفه. من المعقول الافتراض أن نتنياهو سيوافق على القول إن هدفه هو الحفاظ على إسرائيل وأمنها، بهذا المعنى، لا يوجد سبب للتفكير بأنه غير عقلاني. هدف آخر يتفرع عن الأول هو الحفاظ على حكمه كي يستطيع ضمان وجود دولة إسرائيل.
من زاوية الرؤية السياسية يصعب الادعاء أن نتنياهو غير عقلاني. إسرائيل أخذت على عاتقها منذ اتفاقات أوسلو عددا من الأخطار. فقد وافقت على إدخال م.ت.ف ورجالها المسلحين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وحصلت في المقابل على العمليات الإرهابية الشديدة، وقد أخلت غوش قطيف وتلقت من غزة آلاف الصواريخ، خلال عدد من الجولات وعدد كبير من إطلاقات منفردة. معادلة «قمنا بالإخلاء وتم ضربنا» أثبتت نفسها. من هنا فإن الشخص العقلاني يمكنه التوصل إلى نتيجة أن التنازلات الجزئية والمرحلية لا تؤدي إلى السلام. وفي ظل عدم وجود اتفاق على الحل النهائي يفضل التمترس من وراء الرفض السياسي.
معظم الإسرائيليين يؤيدون حل الدولتين، وهم على قناعة أنه لا يمكن ضمان وجود إسرائيل من دون جيش قوي، وهم مستعدون لتحمل المخاطرة من أجل اتفاق سلام، لكنهم يعرفون أن المخاطرات التي أخذناها على عاتقنا كلفتنا دماء كثيرة. هذا الوضع العالق يتسبب في وجود اليمين في الحكم، وأن بضاعته تعتبر في هذا الوقت مرتبطة أكثر بواقع لا يوجد حل/ شريك. وهذا منطق يسهل تفهمه.
لكن هناك مكان سلوك نتنياهو فيه يثير الشك بأنه غير عقلاني: المعايير الشخصية وسلوكه في مقر رئيس الحكومة. التحقيقات التي يتورط فيها نتنياهو ـ قضايا الهدايا (من رجال الأعمال، ومن بينهم ارنون ملتشن)، وملف 2000 (تنسيق الخطوات مع ناشر يديعوت احرونوت نوني موزيس لتضييق خطوات صحيفة إسرائيل اليوم) وملف 3000 (قضية الغواصات التي حقق فيها مع مقربيه ومحامييه دافيد شمرون واسحق مولخو، نتنياهو ليس متهما في هذه القضية)، كل هذه تضع عقلانية نتنياهو في مثار الشك.
إن الشخص الذي يريد حماية حكمه لم يكن عليه أن يقبل هدايا من رجال أعمال، وبالتأكيد ليس هدايا ثمينة تمنح له بصورة منهجية. لأن سلفه اهود اولمرت دخل السجن بسبب إدانته بتهمة تلقي الرشوة. هل هناك برهان أفضل من هذا على أن السياسيين الكبار لا توجد لهم حصانة؟ نتنياهو معروف بحذره الكبير عندما يدور الحديث عن أمن الدولة. فهو الذي أنفق 11 مليار شيقل على التأهب لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية (وهو التأهب الذي وصفه اولمرت بأنه «هذيان»)، كيف يعقل أن شخصا حذر ويكره المخاطرات مثله مستعد لأن يأخذ على نفسه المخاطرة الكبيرة المقترنة بتلقي الهبات من أصحاب رأس المال.
أيضا لم يكن عليه التنسيق مع ناشر «كارتل» في سوق الإعلام، موزيس، إذا كان هدفه هو الحفاظ على حكمه. إن تسجيل محادثات نتنياهو مع موزيس تثير الانطباع بأنه خطا خطوتين أو ثلاث خطوات أكثر من اللازم في كل ما يتعلق بالمحادثات بين سياسيين وناشرين. نتنياهو يستطيع الاحتجاج على طريقة معاملته، لكن بيقين أن لا يحاول تنسيق عمليات تجارية تؤدي إلى تقليص المنافسة بين «إسرائيل اليوم» و»يديعوت احرونوت». هذه تعتبر مخالفة لقانون القيود التجارية. والسهولة التي انحرف بها رئيس الحكومة إلى محادثات تنسيق مع مؤسسة مالية ضخمة كهذه تدلل على أن قدرته على الحكم قد تشوشت.

هآرتس ـ 15/11/2017

الجانب غير العقلاني لنتنياهو

سامي بيرتس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية