الجبل الأخضر في سلطنة عُمان: استكشاف ماء الورد

حجم الخط
1

مسقط ـ «القدس العربي»: سلطنة عُمان الغنية بالقلاع والحصون والأسوار التاريخية تحوّلت مقصداً للزائرين، حيث يغلب على عاصمتها مسقط ومدنها نسق عمراني يتماهى مع الثقافة العمانية التي تستمد أصولها من تاريخها وحضارتها وموقعها الاستراتيجي، ما يعطيها عمارة فريدة في شبه الجزيرة العربية.
مَن يزور السلطنة، لا بدّ له من أن يسمع عن الجبل الأخضر، تلك البقعة الجغرافية التي تعلو عن سطح البحر نحو ثلاثة آلاف متر، وتُشكّل المنطقة الوسطى في سلسلة جبال الحجر التي اكتسبت اسمها لتكوّنها من صخور كلسية تشكلت ضمنها تضاريس بديعة المنظر نظراً إلى وديانها السحيقة وقممها شديدة الانحدار.
يقع الجبل الأخضر إلى الجنوب الغربي من مسقط في ولاية نزوى بمحافظة الداخلية. ويبعد عن العاصمة 170 كيلومتراً مربعاً، على أن مناخها الذي يشبه مناخ حوض البحر المتوسط أعطاها تلك الخصوصية بتميزها بطقس معتدل صيفاً وبارد جداً شتاءً يصل إلى درجة مئوية ما دون الصفر. ذلك المناخ والمتساقطات المطرية في الأماكن المرتفعة سمحت بنمو المزروعات والأشجار والأعشاب والنباتات، ما آل إلى تسميتها بالجبل الأخضر.

2005 والتحول نحو وجهة سياحية

لم يكن الجبل الأخضر في العقود الماضية منطقة مفتوحة أمام جميع الزوار، بل كان دخولها يستوجب تصريحاً من السلطات. ثمة من كان يعزو السبب إلى أنها كانت منطقة شبه عسكرية، لكن معنيين في وزارة السياحة العمانية عزو الحاجة إلى تصاريح مسبقة نظراً إلى طبيعتها وتضاريسها الصعبة وطقسها القاسي شتاء ووعورة طرقها. لكن منذ العام 2005، رُفعت تلك التدابير الإدارية وأضحت المنطقة متاحة للجميع لزيارتها طوال العام بعد استكمال البنية الأساسية من شبكة الطرق والشوارع والمعابر، وفتح المجال للاستثمار السياحي وزيادة المنشآت السياحية والإيوائية والقدرة على تنظيم أنشطة سياحية وترفيهية وجبلية تراعي البيئة والممتلكات.
من بركة الموز التي تقع على بعد كيلومترين شرق مركز مدينة نزوى التاريخية، يمكن الوصول إلى الجبل الأخصر مروراً بوادي المعيدن، فصعوداً إلى الجبل، الذي يتطلب سيارة ذات دفع رباعي، ولا سيما عند النزول نتيجة المنحدرات الشديدة التي تتخلل مساراته. وهي مسألة ليس فيها مساومة من قبل المعنيين بسلامة المواطنين، والذين باتوا يقصدون الجبل صيفاً وشتاء، ولا سيما بعد تحوّله إلى وجهة سياحية بارزة في السلطنة، سواء بالنسبة إلى العمانيين أنفسهم أو بالنسبة إلى العرب والأجانب.
مع بداية الصعود إلى الجبل، تجد مركزاً للخدمات السياحية توفره الوزارة لتقديم المعلومات السياحية الخاصة بالجبل. ويلعب الدليل السياحي دوراً رئيسياً في شرح تاريخ وخاصية تلك المنطقة.
زائر الجبل الأخضر تشدّه الطبيعة الجيولوجية للمكان. الصخور، التضاريس، الجبال، المنحدرات، الوديان، المغاور، الفوالج، والخضار الذي يُزيّن مساحات واسعة منه، كلها تنعكس صفاءً وهدوءاً وجمالاً وسكينة داخلية على قاصد ذلك المكان.
وليس بالأمر الصعب أن تفهم عندها تمسّك أبناء قرى الجبل بالعيش على سجيتهم وببساطة بعيداً عن التطوّر الكبير الذي طرأ على الحياة. كل مظاهر الاعتماد على الذات وتوارث العادات والتقاليد والحفاظ على الهوية والخصوصية تبدو حاضرة هناك، ويلحظها الزائر حين يقصد بعضاً من هذه القرى، ولا سيما قرية سيق ووادي بني حبيب، والشريجة والعين والمناخر والسوجرة.

لكل قرية خصوصية

أبناء الجبل الأخضر استطاعوا إيجاد سبيلهم من أجل استصلاح الأراضي بما يتناسب مع تكوينها الجيولوجي، فاعتمدوا على المدرجات الزراعية (التجليل)، وهي تشكّل ميزة بالنسبة إلى شبة الجزيرة العربية، إذ أن المدرجات الزراعية معتمدة في الهضاب والجبال الشديدة الانحدار في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. فغالبية السكان يعتمدون، كدخل أساسي للعيش، على الزراعة أو تربية المواشي.
في قرية سيق، بين سيج قطن ووادي بني حبيب، تتم الزراعة على حوافي الوادي، بفعل شدة الانحدار، فيما الشريجة، التي تتقاطع مع قرية العين وتتجاور معها، تتبع أسلوب المدرّجات الزراعية، ما ساهم في زيادة المساحات الصالحة للزراعة التي تكاد تصل إلى سفح الجبل، لكن أصبح توسعها الزراعي صعباً لقلة المياه الذي ينسبه أهلها لزيادة السكان فيها، وقلة المتساقطات المطرية في شبة الجزيرة العربية عموماً، والذي أثّر بشكل مباشرعلى كمية الاستهلاك اليومي للمياه.
لكل قرية خصوصية. سيق تعد مركز منطقة الجبل الأخضر. وفيها حارتان، تُعرف الأولى باسم الحضف والثانية باســم البلاد، وتحتوي على آثار تعود إلى بيت الإمــام ســـيــف بن سلطان اليعربي الملقب «بقــيد الأرض» وسط حارة مسكونة وتحتوي على عدد من المساجد القديمة.
أما قرية وادي بني حبيب التي باتت مقصداً دائماً للسيّاح، فهي قرية منبسطة في سهل أجرد مرتفع ويحتضن أسفلها وادٍ أخضر غني بالحقول والبساتين والأشجار. وتتميز بمنازل قديمة متراصة تركها أهلها إلى مبان حديثة تتوفر فيها كل متطلبات الحياة من المقوّمات الأساسية وخصوصاً الكهرباء والمياه. وقد باتت المنازل القديمة جزءاً لا يتجزأ من معالم القرية التي يحرص الزوار على زيارتها سيراً على الأقدام. كما هي حال العديد من منازل القرى ذات الطابع القديم البسيط في عمرانه. كما تُعرف بكهوفها المرتبطة بذاكرة القرية وقصص أبنائها.
وقرية العين أو العينية، تمتاز بكثرة الينابيع فيها، التي تتدفق منها المياة العذبة، وبجمالية المدرجات الزراعية فيها، وبحارة قديمة وبيوت مبنية من الحجارة والجص هي بمثابة نموذج حي للحياة القديمة التي كان يعيشها أبناء القرى هناك. فيما قرية المناخر تمتاز بمائها وجمال الوادي السحيق ومزارعها واكتسائها باللون الأخضر.

162 ألف سائح في 2016

ووفق مديرية الإحصاء في وزارة السياحة، فإن نسبة السيّاح في تزايد مضطرد. الأرقام تشير إلى أن عدد السيّاح الذي سجّل في العام 2009 بلغ نحو مئة وألفيّ نسمة، نصفهم تقريباً عمانيون ونحو 35 في المئة من الأجانب. لكن هذا الرقم ارتفع بشكل كبير بعد مرور سنوات عدة، إذ وصل في العام 2016 إلى 162 ألفاً و500 سائح شكّل العمانيون منهم ما يقارب 70 ألفاً والأجانب نحو 71 ألفاً، فيما قصده نحو 15 ألفاً من دول مجلس التعاون الخليجي.
تلك الأرقام تؤشر على أن الجبل الأخضر عامل جذب للسياحة في الداخل ومن الخارج في آن معاً، وهي منطقة لا تزال في بدايات تطورها العمراني مع وجود عدد محدود من الفنادق والشقق السكنية. لكن سرعة تطورها تبقى رهن السياسة العمانية في المواءمة بين متطلبات الازدهار السياحي والمحافظة على الخصوصية العمانية تراثاً وتقاليد.
لكن الأرقام تؤشر أيضاً على إمكانات ازدهار تلك المنطقة التي تعتمد اليوم على الزراعة وانعكاس ذلك على الوضع الاقتصادي والمعيشي لأبنائها، سواء لجهة فتح إمكانات تسويق منتوجاتهم الزراعية أو توفير فرص عمل في مناطقهم وإنمائها من دون الحاجة إلى هجرتها بحثاً عن سبل حياة أفضل.
فالجبل الأخضر يشتهر بزراعة الفاكهة المتعددة التي تعيش فقط في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. وتشير الرواية التي يقول كتيّب وزارة السياحة العمانية أنها مدرجة في الوثائق التاريخية أن الإمام سيف بن سلطان هو الذي غرس أشجار الفاكهة في الجبل خصوصاً الرمان والجوز واللوز. ويُعد رمان الجبل من أشهر أصناف الرمان المعروف بجودته وسط الأنواع المتوفرة في العالم، كما أن العنب والتين والمشمش والتفاح والخوخ من الفاكهة المميزة، والتي يحملها المزارعون في المواسم إلى سوق نزوى بالبوابة التجارية للجبل والمحطة الأولى لهم، حيث تباع المحاصيل في المزاد، أو تصدّر إلى الخارج.
وتشكل تربية الحيوانات مصدر رزق لأبناء الجبل التي يبعيونها في المزاد أيضاً، لكن الجبل تتواجد فيه حيوانات برية مثل الوعـــل الجبلي والغزلان والذئاب والفهود، وهي أنواع تعيش في مناطق وعرة يصعب الوصول إليها، لكنها لا تزال موجودة.

الورد وصناعة ماء الورد

وما يشتهر به الجبل هو الورد وصناعة ماء الورد. هو مرود رئيسي لأهل الجبل. ولا يزال يتم إنتاجه حتى اليوم كصناعة منزلية بالطرق التقليدية المتوارثة جيلاً بعد جيل. وهو يستخدم في القهوة والحلوى العمانية وبعض المأكولات، وكذلك في العطور التي تشكل سمة بارزة ليس فقط في عمان إنما في الخليج عموماً، ما يجعله من المنتوجات التي يطلبها الزوار باستمرار، كما تستهويهم الأدوية الطبيعية التقليدية المصنوعة منزلياً من الأعشاب والنباتات والأشجار والتي يعتمد عليها سكان الجبل في مداواة التقلصات المعوية والانتفاخات.
وتشكل العصي المصنوعة يدوياً من أشجار العتم والعلعلان، مطلباً دائماً للزوار، ولا سيما العمانيون نظراً إلى ما تشكله من قيمة ورمز في الثقافة العمانية.
وتحفّز طبيعة الجبل على الاستكشاف، حيث يعمل المرشدون السياحيون على مرافقة هواة التسلق ورياضة المشي. وقد تم تنفيذ مشروع «المشي الجبلي» لمحبي المغامرة والمشي، وهو مشروع يربط بين الجبل الأخضر وعدد من الولايات المختلفة التي تقع على سفح الجبل الأخضر، وتتوزع بين طريق يربط الجبل الأخضر مع نزوى، وآخر يربطه مع إزكي وثالث مع نخل ورابع مع العوابي، إضافة الى مجموعة من طرق المسير المختلفة التي يسلكها محبو المشي وهواة الاستكشاف والمغامرة، وبينهم عدد كبير من الأجانب.

الكهوف والمغارات

كما أن استشكاف المغارات والكهوف يشكل عوامل جذب للسيّاح ومحبي المغامرات، ولا سيما أن الجبل الأخضر يضم عدداً من الكهوف التي يمكن اعتبارها أماكن سياحية، ومنها كهوف المعاول وعامر والضبع والريحانية وعبد والكور.
ويقصد الجبل الأخضر هواة «الأوف رود» حيث يمارسون رياضة قيادة السيارات على الطرقات الجبلية ويقطعون خلالها مسافات على ممرات ترابية متعرّجة وضيّقة ووعرة. وتشكل المناظر الطبيعية والمنازل القديمة والمنحدرات لوحات فنية لهواة التصوير الذين يخرجون وفي جعبتهم مئات اللقطات الفوتوغرافية ليس للاحتفاظ بها كذكرى زيارة مكان ما، بل كجزء من مهنة التصوير.
وعلى الرغم من النسبة المرتفعة في تزايد عدد السيّاح للجبل الأخضر، فإن تلك النسبة تعكس الإقبال على تلك البقعة الجغرافية، ذلك أن القدرة الاستيعابية للفنادق والشقق السكنية تبقى محدودة ولاسيما في فصل الصيف حيث تصبح الحرارة شديدة في المحافظات الأخرى من السلطنة ذات الطبيعة الصحراوية، بينما يكون الطقس عليلاً في الجبل.

الجبل الأخضر في سلطنة عُمان: استكشاف ماء الورد

رلى موفّق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية