الجبل في قلب الحركة اليهودية

حجم الخط
0

يحمل الواقع في رحمه بذور الافكار التي ستهدمه أو تستبدله بواقع آخر. وقبل دخول القبائل العربية إلى البلاد تم الاعلان عن النفي كعقاب، العقاب الذي فرض على موسى. مع خراب الهيكل الثاني بدأت فكرة النهضة التي عمرها ألفي سنة والتي انتهت بولادة الصهيونية. والصهيونية ايضا لن تفلت من هذا المصير الديالاتيكي. ولكن ما الذي سيأتي مكانها؟.
هناك أهمية توضيحية في النقاشات التي تُحدث الانقسام في اسرائيل. كل موقف من المواقف التية تم طرحها مؤخرا على صفحات «هآرتس»، عن الدين والدولة، الديمقراطية والقبلية، الأمن والخوف، لديه جذور حقيقية، الصراع بينها مثمر. عوزي برعام وعاموس وروني شوكن وجدعون ليفي وآخرين، يحاولون رسم التحطم في قبيلتنا.
برعام يرفض الاعتراف بالأخطار التي تكمن في الصهيونية التي لم يسبق أن كانت حركة علمانية اطلاقا. لأنها دمج بين نظريات يهودية قومية أوروبية امتصت الكثير من الجوانب الدينية الفاعلة. وفي الاعماق توجد بذور الخلاف كما يثبت التدفق الحالي إلى الهيكل الثالث ـ جوهر طاقة الانبعاث اليهودي.
كلمات انبعاث، القدس وصهيون القومية بدأت طريقها وهي بريئة من نوايا فعلية. في دغانيا ونهلال، في تل ابيب والنقب لا توجد مشاعر منتشرة حول يأجوج ومأجوج. أما في القدس وجبل تبوريا، فهي موجودة. من هناك تهدد الافكار الانبعاثية بالتدفق بكل قوة إلى الواقع العملي وهي موجودة في جوهر جهاز التدمير الذاتي لدولة اسرائيل الحالية.
عاموس شوكن مخطيء. افكار مثل العلاقة بين الشعب وارضه قد تتطور في المجال الميثولوجي الديني وتمر في حالة من العلمانية أو القومية، والعكس صحيح. مثل المواقف الاساسية للدولة الاوروبية العلمانية، التي قام بتنظيرها في تفسير الدين في القرن السابع عشر. المشكلة ليست في المصدر الديني بل في التعريفات التي اعطيت لمفهوم القومية اليهودية. هناك مجتمعات تنسحب إلى القومية المقلصة والقبلية المتطرفة ومجتمعات اخرى مدنية منفتحة وقادرة على الاستيعاب.
بسبب خصوصية الوضع الاسرائيلي تطور هنا موقف قومي ليس له مثيل في العالم، دمج بين السيادة والارض والقوة والدين واللغة. إما أن تكون وطنيا تدمج بين هذه المركبات الخمسة وإما أن تكون خائن. الوطني هو متدين يسجد للقوة، يتحدث العبرية وينتمي إلى الاغلبية اليهودية ويريد كل البلاد. وماذا عن من هو ليس كذلك؟ هنا يبدأ الاستبعاد والتمييز والعنصرية. ولم ينجح برعام وشوكن وآخرون في التخلص من هذا الاختبار للولاء.
قامت اسرائيل بناء على موافقة دولية: دمج بين الوعي المسيحي الذي يعترف بتواصل وجود الشعب اليهودي وصلته بأرض اسرائيل، وحق كل شعب في تقرير مصيره، وأهمية مساعدة اليهود بعد الكارثة. ومنذئذ لم نتمكن من كسر العلاقة المريضة مع «الاغيار» ولم ننجح في الفصل بين التوتر المسيحاني القديم وبين الانبعاث. وماذا بشأن الكارثة؟ مع مرور الوقت يزداد تأثيرها.
هذا هو المخاض والصراع هو حول طابع المولودة. البيت الثاني أوجد خرابه، والخراب أوجد الشتات، والشتات أوجد الصهيونية، والصهيونية أوجدت الاسرائيلية. يبدو أن المنافسة على الحرم سيتم حسمها بانفجار قوي، ويمكن أن تصعد الاديان المختلفة إلى السلطة، ويمكن أن تستيقظ العلمانية الاسرائيلية وتنجح في الانتنقال إلى المرحلة الثانية في التطور البيولوجي.
قامت اسرائيل في أعقاب نضالات حركة قومية أرادت استبدال الجماهير الموزعة في نظام سيادي مركزي. في 1948 سجلت الصهيونية نجاحا ملفتا بالنسبة لليهود وأحدثت تراجيديا فظيعة ـ بالنسبة للفلسطينيين. وعندها أنهت دورها. اسرائيل هي ديمقراطية علمانية ـ ليست انبعاثية ولا دينية ـ والتي تنتمي لجميع مواطنيها وفيها تتشكل الأمة المدنية الاسرائيلية التي تنتمي لليهود وغير اليهود، العلمانيين وغير العلمانيين.
هذه هي الدولة التي اختار اليهود أن يجسدوا فيها سيادتهم المستقلة. أي عليها أن تكون دولة يهود (كمواطنين) ولكن ليست دولة يهودية (كجوهر ديني قومي). قانون العودة يجب أن يُعدل كي يمنح حق استيعاب لمن هو مطارد بسبب يهوديته، ولكن ليس مواطنة تلقائية بناء على العرق. المجال الجماهيري يكون خاليا من التدين. أدوات اللعبة المستقيمة توضع في الدستور الذي يلزم الاغلبية والاقلية بالتساوي. كل جالية يمكنها أن تُعرف نفسها دون فرض هويتها ونمطها على الآخرين.
ستكون اسرائيل هذه شريكة في تقوية الفكرة الديمقراطية مقابل تراجع الليبرالية. منع من يريد الديمقراطية العلمانية من تجاهل فشل جهود القومية العلمانية من منح الشعور بالهوية والانتماء. كثيرون يداسون تحت عجلات قطار العولمة والرأسمالية.
دونالد ترامب، خروج بريطانيا، العنصرية التي استيقظت من جديد، كل ذلك يثبت أن ليس كل جميع الاجابات توجد لدى من يحافظون على الديمقراطية. ومع ذلك، هي ما زالت أفضل من كل البدائل. العلمانية الاسرائيلية الجديدة ستحتاج إلى الاجابة العميقة على الحاجة إلى الانتماء بالشكل الذي يفهمه الكثيرون منا. بيت تضامن مبنى بشكل لا يقتصر فقط على الأفق الضيق الحاخامي والانبعاثي والعنصري. القومية المدنية للرحمة والاستيعاب والانتماء للمساواة والاخوة. علمانية انسانية ضد كل هذا السوء الانفصالي.

هآرتس 11/9/2016

الجبل في قلب الحركة اليهودية
المدافعون عن الصهيونية يرفضون الاعتراف ببذور الانقسام والانهيار داخلها
ابراهام بورغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية