في السنة القادمة سنحيي ذكرى مرور 100 سنة على وعد بلفور. في بداية الاسبوع أرسل أبو مازن مبعوثه إلى مؤتمر الجامعة العربية في موريتانيا من اجل الحصول على المساعدة في تطبيق فكرته الجديدة ـ تقديم دعوى ضد بريطانيا بسبب وعد بلفور. المشاركون صفقوا بأدب وقالوا: برافو، يا مالكي، صوتك جميل.
يجب قول الحقيقة: الآباء الروحانيون لأبو مازن، الحاج أمين الحسيني وياسر عرفات، كانت لهما أفكارا أفضل. فقد حاولا السير بخطى كبيرة: القضاء على إسرائيل. الحسيني قام بعدة عمليات دموية وعقد تحالفا مع ادولف هتلر. وياسر عرفات نجح تقريبا في تطبيق «نظرية المراحل» وجعل إسرائيل تسقط في شرك اتفاقات اوسلو. صحيح أنهما تسببا في قتل آلاف اليهود «فقط»، لكنهما حظيا باعتراف العالم بوجود «الشعب الفلسطيني»، «شعب» لا يميزه أي شيء عن باقي الشعوب العربية، لا الدين ولا الثقافة ولا اللغة، باستثناء ميزة واحدة: القاسم المشترك الذي يوحد الفلسطينيين هو الحرب ضد إسرائيل. لذلك لن يوافقوا بإرادتهم على الانتحار، ومحو هويتهم القومية والتنازل عن الحرب ضدنا.
اقتراح الدعوى القضائية لأبو مازن جاء ليضعه في نفس الصف مع آبائه الروحانيين. وهو ايضا جاء ليعيد عجلة التاريخ إلى الوراء. وليتهم بريطانيا بوعد بلفور الذي تسبب، حسب رأيه، بهرب مئات آلاف العرب من دولة إسرائيل بعد هزيمتهم في حرب 1948، التي يسمونها «النكبة».
يمكن بالطبع الاستخفاف بأبو مازن. والسؤال لماذا لا يقوم بتقديم دعوى ضد أبونا ابراهيم بسبب «النكبة» التي تسبب بها لسيدنا اسماعيل. لكن من الجدير التعمق بفكرة رئيس السلطة الفلسطينية كي ندرك أنها ليست مستخفة كما تبدو للوهلة الاولى. من وراء طلبه هذا يختفي الادعاء العربي القديم بأن دولة إسرائيل ليست دولة شعب عاد إلى وطنه، بل نتاج مصطنع للاستعمار البريطاني.
يجب أن تكون ادعاءات كثيرة ايضا لشعب إسرائيل ضد بريطانيا: بسبب عدم الايفاء بوعودها من وعد بلفور ورسالة الانتداب و»الكتاب الابيض» لماكدونالد في 1939، حيث قررت منع هجرة اليهود إلى البلاد من اجل السماح باقامة دولة مع اغلبية عربية، وبسبب اقتطاع ثلاثة أرباع ارض إسرائيل الانتدابية وتقديمها للعرب لإقامة دولة لهم في شرقي نهر الاردن، وبسبب اغلاقها بوابات البلاد اثناء الابادة في اوروبا ومنعت بذلك انقاذ الكثيرين. وايضا بسبب اقامة الجامعة العربية التي يُطلب منها الآن العمل على محاكمة أمها.
يبدو أن ادعاءنا يجب أن يكون مختلفا، وقادرا على دحض الادعاء العربي بأن إسرائيل ما هي إلا نتاج كولونيالي. لنفرض أنه في يوم ما ستقام محكمة تاريخية ضد بريطانيا بسبب وعد بلفور (لا تقلقوا هذا لن يحدث). في محكمة كهذه يجب انضمام إسرائيل إلى الادعاء والسؤال: من الذي عينك يا لورد بلفور كي «تمنح» الشعب اليهودي ارض إسرائيل؟ من هي بريطانيا لتحدد أن ارض إسرائيل تابعة للشعب الإسرائيلي؟ أو حسب اقوال رئيس حكومة بريطانيا اليهودي، بنيامين دزرالي، الذي هوجم لكونه يهوديا وقال «نعم أنا يهودي. ففي الايام التي كان فيها أجداد أجدادهم وحوش في جزيرة نائية، كان أجدادي كهنة في الهيكل في القدس». وقال ايضا لخصم سياسي: «في الوقت الذي قام فيه أجدادك بتربية الخنازير، كتب أجدادي التوراة». صحيح أن الشعب اليهودي احتفل بوعد بلفور واعتبره الوثيقة الدولية الاولى التي تحقق حلم هرتسل باقامة الدولة اليهودية، إلا أن اعتبار هذا الوعد العمود الفقري التاريخي في اقامة دولة إسرائيل، هو أمر يناقض التاريخ ويخدم الادعاء العربي.
استجداء غريبي الاطوار
على بعد مئة سنة، تجدر العودة ورؤية أهمية وعد بلفور. تذكر أن الهجرة إلى إسرائيل والصهيونية قد بدأت قبل ذلك بسنوات كثيرة. والفهم مرة اخرى أن مصادر حق الشعب اليهودي في ارض إسرائيل ليست وعد بلفور أو اتفاق سان ريمو لـ «عصبة الامم» في 1929، أو قرار الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947. كل هذه القرارات ليست سوى اعتراف أمم العالم بحقنا التاريخي. وليست مصدرا لهذا الحق.
عندما تم سؤال محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العربية في إسرائيل، في هذا الاسبوع عن اقتراح أبو مازن، لم يقل بالطبع «هذا لا يعنيني». فهو يعتبر أبو مازن زعيما له. ولم يعتبر أن الدعوى هستيرية. فهو مثل أبو مازن يسعد من كل خطوة تقلل من شرعية إسرائيل. لقد قال إن هذه خطوة «سياسية وليست قانونية». رئيس المنظمة اللاحزبية التي تمثل عرب إسرائيل، يبارك كل خطوة تضعضع حق دولة إسرائيل في الوجود. زملاؤه السابقون اعضاء الكنيست العرب، أعلنوا قبل اسبوع أنهم سيقرأون في الكنيست قصائد لـ «شاعر العودة»، محمود درويش، الذي حظي في صوت الجيش بمكانة مؤلف «وثيقة مفصلية للإسرائيلية».
على هذه الخلفية طلب المتهكم الإسرائيلي اليساري، روغل ألفر، الذي يكتب في صحيفة «هآرتس» («توفيق، تعال لنكون إسرائيليين»، 24 تموز)، طلب من العربي الإسرائيلي الذي اعتبر أن اليهود الذين سكنوا في اللد بعد حرب الاستقلال «غرباء لا يتعرف عليهم المكان». ألفر يستجديه: «تعال لنكون إسرائيليين. أنا أتنازل عن كلمة «يهودية» كتعريف لدولة إسرائيل… أولادك وأولادي هم إسرائيليون. يوجد الكثير المشترك بين أولادك وأولادي، مقارنة مع الفلسطينيين الذين ليسوا من مواطني إسرائيل… أنت وأنا دون انتباه أقمنا هنا شعب، الشعب الإسرائيلي… نحن «الكنعانيون» الجدد»….
ما الذي سيفعله ألفر ورؤساء اليسار الآخرون في إسرائيل عندما يستهزيء منهم العرب، حيث لا يتعاطون بجدية مع اليهود الذين ينكرون هويتهم؟ هؤلاء الذين يستجدون عرب إسرائيل لعدم رؤية أنفسهم جزءا من الأمة العربية أو جزءا من «الشعب الفلسطيني» ويوافقون على اعتبار يهود إسرائيل شركاءهم في الهوية القومية التي لم تكن موجودة. لماذا يوافقون على الشراكة مع من تنازل عن هويتهم (أبناء الشعب اليهودي)، بل فقط أحفاد مهاجرين، نتاج لحادثة سير كولونيالية، اشتروا حقهم بقوة السلاح والآن يستجدون أعداءهم ويطلبون «هوية مشتركة»؟.
هذه هي الجبهة المشتركة التي تقف أمام إسرائيل. القاسم المشترك لأبو مازن ومحمد بركة وغريبي الاطوار في اليسار الإسرائيلي هو انكار حق الشعب اليهودي في ارض إسرائيل.
معاريف 29/7/2016