الجديد قديم عدّلته نواميس الحياة

حجم الخط
0

 

ينبغي أن نقرأ الأفكار التي تطرح نفسها بين الحين والحين قراءة متأنية. لا لأن هذه الأفكار تحمل جديداً ولكن لأنها تثير ما أثير في شكل حديث ومن خلال منظور عصري. فهي تعيد ما قيل من قبل في أطر مضمونها واحد، وأوانيها متعددة. ونحن نعرف أن المادة السائلة ذات العنصر المتماثلة والمنسجمة ستظل هي.. هي، سواء أسُكبت في إناء فخاري قديم، أم صُبّت في إناء بلوري حديث. يتغير دائماً شكل الإناء، ويبقى محتوى المادة المصبوبة هو.. هو.
وتعلمنا التجارب المسنة حين نخوض غمارها، أننا دائماً في حاجة ماسة إلى آلة زمان تختصر لنا المسافات، وتجعل حلقات الزمان ذات صلات حميمة، بل إن إيجاد مثل هذه الآلة أمر هام لأبعد الحدود حتى لا تنقطع أوصال الزمان وتتباعد مراحله. فنحن من الميالين إلى مراجعة التراث والتمرس بما فيه من روائع، كما نحن نفتح الأبواب على مصاريعها لنستقبل الأنسام الندية في آثار الأدباء الجدد، ما دامت تعبر عن واجهات زمانها بصدق، وعفوية، وإضافة، وما دامت تعيش داخل عصرها وهي تمارس طقوس الإبداع. فمن حقها ذلك وليس من الحكمة أو الصواب إشهار سيف الإدانة وإصدار حكم عليها لمجرد ورود أغلاط طفيفة في ثنايا أعمالها لا تمس جوهر الموهبة من قريب أو بعيد. فمثل هذه الأغلاط يمكن إصلاحها مع الزمن ونمو عادة التأمل الذاتي لأننا إن فعلنا ذلك كنا كأستاذ الرياضيات الذي حكم على التلميذ النابغة ألبرت أينشتين بالغباء، لأنه لا يملك الحاسة التي تلمس قاع الغيوب أو التي تكشف شرارة الموهبة الكامنة وراء بعض الملامح. وإغلاق النوافذ أمام المواهب الشابة عبثية لا طائل من ورائها وليس في مقدور كائن من كان أن يغلق هذه النوافذ أمام الأجيال الجديدة ما دامت تملك زمام الموهبة التي تفرض نفسها على الساحة، لأن الوقوف كالجنادل لمنع تدفق الأمواه لا يمنع تلك الأمواه من أن تستحدث لنفسها طريقة أخرى تعبّر بها عن ذاتها. ولقد وقفت العوائق ضد منظار غاليليو، كما وقفت ضد القابلات في الأزمنة القديمة مما عرّض الملايين من الأمهات للموت المحقق. ولكن ناموس الحياة ومنطقها العادل يتغلب دائماً ويتدخل في الوقت المناسب لصالح البشرية.
والأشياء لا تظل جامدة على شيئيتها عبر العصور محبوسة داخل صفة الثبوت والسكون العدمي المطلق، لأن الغرض الأول للأشياء يتأقلم مع البيئات الجديدة ملبياً احتياجاتها، منسجماً مع رغباتها. لذا لم يبق هذا الغرض على حاله، بل تغير وتعدل، ففي كل عصر يصوغ الإنسان أفكاره حسب احتياجاته الملحة ورؤاه الخاصة وأسلوبه المميز في التعامل مع الحياة، ولا يمكن أن تكون أفكاره امتداداً أميناً لأفكار هذه الخلائق الغابرة والتي تمثل جماع تراث الماضي المجيد. إن الأرض التي كانت كروية في يوم من الأيام أصبحت تدور الآن في مدار بيضي أو بيضاوي كما يقولون. فالدوران لم يتغير، وإنما تعدل المجال الذي تدور فيه الأرض. حتى المعرفة اليقينية أو التي تشبه اليقين المطلق إذا اصطدمت بما يجعل الثابت منها غير ثابت فإنها يجب أن تعدل من وضعها. ولعل الأشعة التي تخترق الأجسام الصلبة، والتي أبت أن تخترق موضعاً بعينه في مدافن قدماء المصريين في أحد الأهرامات ستجعل العلماء يعيدون حيثيات تلك الأشعة ومعادلاتها بإيجاد البدائل الملائمة لمنطق الغرض الأول للأشياء.
إن القول بأن الجديد لم يعط شيئاً، خرافة وأكذوبة بلقاء، فالجديد في كل عصر أعطى، وغطى مساحة تاريخية هامة. والقول بأن القديم يجب إهالة تراب النسيان عليه أغلوطة كبرى، فالقديم قد أعطى وأجزل العطاء، وما زال يوحي ويعطي كمصدر إلهام، وقد غطى على مدار الزمان مساحة تاريخية عريضة. ثم إن جذور الماضي العريق هي التي منحت المشاتل الجديدة فرصة أن تختار الأسمدة والأزياء التي تلائمها. ولولا وجود ذلك التراث العظيم لأصبح كل أب طفلاً لقيطاً مجهول الهوية، ولصار كنبات العليق يبحث عن أكتاف شجرية ليريح عليها جسمه الهزيل.
وإذا قلنا إن التقاء الماضي بالحاضر في أثناء مسيرة الحياة ظاهرة صحية، ففي إمكاننا أن نقول إن المجال بلا ظاهرة فراغ، أما الظاهرة داخل مجالها فهي «المكان» تتحرك فيه رئة الزمان شهيقاً وزفيراً. ولا يمكن أن ننظر إلى الحياة وهي تتشكل إلا داخل الثنائيتين، «الزمكان»، إن صح هذا التعبير. ومعنى ذلك أن الماضي كان المحطة التي انطلق منها الإبداع وما زال يمتد في عصور حضارية تأخذ برقاب بعض وبدون فواصل أو فجوات إلا في مراحل التحول من عصر إلى عصر. وقليلون جداً هؤلاء المبدعون الذين يقفون في منتصف محطات الإبداع تحت مظلة التأمل الباطني لغربلة الأشياء بالإطلال على الماضي لمراجعة ملفاته، وبتجاوز «الآن» ليصبح قطعة من الماضي المجيد، بالنظر إلى جميع الاتجاهات في لحظة واحدة. وهؤلاء بحكم انتمائهم إلى أجيال مختلفة، متباعدة المرامي، متباينة الميول والمشارب، ولمرورهم على تجارب عديدة كانت وما تزال نظرتهم إلى الأشياء تتسم بالموضوعية والنقاء والشفافية وهم لذلك يؤمنون بقيمة الصراع الشريف بين القديم والجديد من أجل الإضافة ورفع قامة الأعمال الإنسانية إلى أعلى، بإعطائها فصائل دم جديدة. وهذه الفصائل وجدت وما تزال توجد في كل عصر وأوان لبناء خلايا الحياة كقطع غيار لا بد منها. وهذا الصراع سيظل متصفاً بالديمومة والاستمرارية شئنا هذا أم أبينا. والآثار التي تكون وليدة الصراع بعضها يعيش عدة عصور ثم ينسحب من الساحة، وبعضها يظل حياً في كل عصر وأوان.
ولعل هذا ما يفسر لنا بقاء التراث الكلاسيكي الخالد حتى يومنا هذا عند سائر الأمم العريقة، كإلياذة هوميروس وأوديسته، وألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وروائع المتنبي وأبي العلاء المعري ودانتي ألليجيري وغيرهم، والأشياء تنمو من تلقاء ذاتها نحو الأحسن باحثة عن قوالب مريحة تتيح لجسدها التمدد الطبيعي، فمن الذي يستطيع إيقاف ذلك التناغم الداخلي فيها؟
إن السرير الذي ننام عليه الآن هو نفس السرير «الأول» الذي اخترعه الإنسان القديم على شكل أرجوحة بين أغصان شجرتين متقابلتين، أو على شكل مصطبة، أو صخرة منحونة بدقة وعناية. وقد أخذنا فكرة «السرير» معنا ونحن ننتقل عبر العصور في شكل سلالات تحافظ على بقاء النوع ولم يبق سرير على حاله، بل تغير، وتطور، حتى صار في الشكل الحضاري الذي نراه الآن. وقد حافظت فكرة السرير على جوهر مضمونها في الأزمنة، لذلك فإن الجديد قد يكون قديماً عدلته نواميس الحياة وقوانينها ومنطقها العجيب.

مجلة «الدوحة»، العدد 12، كانون الأول (ديسمبر) 1983

جسارة الحداثة

كان الشاعر السوداني (1936 ـ 2008) رابع أربعة شعراء سودانيين لعبوا دوراً بالغ الأهمية في تطوير مضامين الشعر السوداني وأشكاله، واقتراح مغامرات حداثية مبكرة وإشكالية: محمد الفيتوري، جيلي عبد الرحمن، وتاج السر حسن. لكنّ تأثيرات هؤلاء لم تقتصر على المشهد السوداني، بل امتدت إلى عمق الحداثة الشعرية العربية؛ عبر مصر خصوصاً، لأنّ الفيتوري وفارس وحسن عاشوا بين القاهرة والإسكندرية، ولم يكن غريباً بالتالي أن مجموعة فارس الحداثية «الطين والأظافر» صدرت سنة 1956، أي قبل سنة من صدور مجموعة صلاح عبد الصبور «الناس في بلادي».
وإذا كان هؤلاء بمثابة جيل لاحق لرواد قصيدة التفعلية، من أمثال نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونزار قباني وخليل حاوي، وإنْ بسنوات قليلة في الواقع؛ فإنّ تجاربهم الشعرية اتسمت بالجسارة والرصانة والوعي الفني من جهة أولى، كما كانت طليعية في محيطات نشوئها بالنظر إلى ما جوبهت به من معارك صدّ محافظة أو حتى رجعية، من جهة ثانية. كذلك اتسمت هذه التجارب بنزعة مشتركة جامعة، هي استلهام التراث العربي والإسلامي في قطب أوّل، وإعلاء شأن الهوية الثقافية والإنسانية الأفريقية/ السوداء في قطب ثان. وأمّا في الموضوعات السياسية، فإنّ فارس ـ صحبة هؤلاء الشعراء وسواهم ـ أسبغوا على القصيدة الوطنية بُعداً إنسانياً وشعورياً مميزاً وغير مألوف.
بدأ فارس بنشر المقالات في «الرسالة» و»الشعب» المصريتين، وعالج موضوعات شتى في السياسة والأدب والنقد، بينها سلسلة مطالعات متميزة حول الأدب العباسي. وفي الشعر، بعد «الطين والأظافر»، أصدر «نقوش على وجه المفازة»، «صهيل النهر»، «قصائد من الخمسينيات»، و»القنديل المكسور».

الجديد قديم عدّلته نواميس الحياة

محيي الدين فارس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية