الجزائر ـ «القدس العربي»: طغى التعديل الحكومي على المشهد السياسي في الجزائر، خاصة وأن الجدل بشأنه مازال مستمرا رغم أنه في العادة بعد الإعلان عن التعديل الحكومي تهدأ الأوضاع ويتوقف الجدل، لكن هذه المرة الأمر اختلف.
الجميع يعلم أن التعديل الحكومي في الجزائر يخضع لمعادلة معقدة، وخاصة منذ مجيء الرئيس بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999، فأول حكومة شكلها بوتفليقة ثار حولها جدل كبير. جدل كان الأول ولكنه لم يكن الأخير، فقد تأخر الكشف عن أول حكومة في عهد بوتفليقة من نيسان/أبريل إلى نهاية كانون الاول/ديسمبر 1999. وقبل الكشف عن الحكومة نقلت وكالة الأنباء الجزائرية عن وكالة «رويترز» خبرا مفاده وجود خلافات داخل السلطة بشأن التعديل الحكومي، وأن جهات في المؤسسة العسكرية تقف ضد بعض الأسماء التي اقترحها الرئيس. خبر كهذا أثار ضجة كبيرة، فالنظام تعود معالجة خلافاته في السر والكتمان وحتى بالكاتم أحيانا، لكن لم يكن يخرج خلافاته إلى العلن، فالمظاهر كانت لها الأولوية على كل شيء، وهو منطق تغير بعد ذلك بسنوات. الغريب أن الرئيس بوتفليقة خرج عن صمته ليقول أنه هو من أمر وكالة الأنباء الجزائرية بنشر برقية وكالة رويترز من أجل فضح المتربصين بالجزائر، طبعا لا أحد فهم هذا التفسير، ولا عرف الجهات التي يتحدث عنها الرئيس المنتخب لتوه، لكن الجميع أدركوا أن عهدا جديدا قد بدأ.
وبصرف النظر عن التعديلات السابقة، ولعبة الكراسي الموسيقية، فإن التعديل الاخير الذي مر عليه أقل من أسبوعين أثار وما يزال الكثير من التساؤلات، ليس بالنظر إلى أسماء ومناصب وثقل المغادرين والوافدين والمحولين من وزارة إلى أخرى، ولكن من أول لحظة بدا أن هناك شيئا غير طبيعي في التعديل، فقد تمت ترقية عبد القادر مساهل من وزير منتدب للشؤون الأفريقية والمغاربية إلى وزير للشؤون المغاربية والأفريقية، أي أنه أصبح وزيرا قائما بذاته، في حين أنه كان وزيرا منتدبا لدى وزير الشؤون الخارجية، وبعبارة أدق فإن وزارة الخارجية أصبحت برأسين، رمطان لعمامرة وهو أكفأ وزير تولى الخارجية خلال الـ15 سنة الماضية، والثاني هو عبد القادر مساهل.
الجميع، حتى على مستوى الخارجية بدأ يتساءل عن الكيفية التي ستدار بها الأمور مستقبلا، كيف يتم تنظيم البروتوكول حول وزيرين للمهمة نفسها، تمثيل الدبلوماسية الجزائرية، علما وأن المنصب ( وزير الخارجية) أخذ بعدا آخر منذ تراجع أداء الرئيس بوتفليقة بسبب وضعه الصحي، ولكن الأهم من كل هذا هو أن لعمامرة حسب ما تسرب لم يكن راضيا عن هذا التعديل والتقليص في صلاحياته، وهو ما يكون قد دفعه لتقديم استقالته من منصبه كوزير للخارجية.
هذا «الخبر» بالنسبة للبعض و»الإشاعة» بالنسبة للبعض الآخر وجد ما يعطيه مصداقية، فقد غاب رمطان لعمامرة عن زيارة قائد أفريكوم إلى الجزائر، هذا الأخير أُستقبل من طرف عبد القادر مساهل، كما أن مرسوما رئاسيا صدر لتصحيح التعديل، وتضمن التعديل رفع لعمامرة لمستوى وزير دولة مكلف بالشؤون الخارجية والتعاون، كما تضمن تعيين يوسف يوسفي مستشارا في الرئاسة، ولكن هذا المرسوم جاء ليؤكد أن هناك شيئا ما ليس على ما يرام، لأن مرسوما آخر صدر في يوم التعديل الحكومي نفسه، لتعيين الطيب بلعيز، وزير الداخلية الذي فقد منصبه في هذا التعديل، كمستشار في الرئاسة، لكن لم تتم الإشارة إلى يوسف يوسفي الذي فقد منصبه كوزير للطاقة، بل إن الكثير من المحللين قالوا إن ابعاد يوسفي جاء عقابا له على فشله في تسيير ملف الغاز الصخري، بل إن إعادة تعيينه كمستشار يراها البعض مجرد محاولة للتغطية على ترقية لعمامرة وتجاوز التناقض الصارخ بشأن وجود رأسين في وزارة الخارجية.
الغريب أنه رغم الجدل الذي أثير حول هذا التعديل، لم تقدم اي جهة رسمية تفسيرا لهذا التخبط، ولم تعلق الخارجية على «خبر» أو «إشاعة» استقالة لعمامرة، خاصة وأن هذا الأخير لم يظهر بعد هذه الحادثة، وبعض التسريبات تتحدث عن وجود جهود حثيثة لاقناعه بالعدول عن قراره، خاصة وأنه الوزير الوحيد الذي حوله اجماع بشأن كفاءته وقدرته على إدارة الملفات.
تفسيرات كثيرة أعطيت لما جرى، فالبعض رأى أنه نتيجة منطقية لحالة الفوضى السائدة في أعلى قمة السلطة، وهو ما اعتبرته المعارضة أيضا دليلا على أن الرئيس بوتفليقة غير ملم وغير متابع لشؤون الدولة، والبعض الآخر رأى في ذلك أمرا مقصودا، لتحجيم لعمامرة، خاصة وأن اسم الرجل بدأ يطرح كبديل على رأس الدولة، لانه يملك من المؤهلات ما يجعله يقود البلاد، لكن الأكيد في الأمر أنه إذا ثبتت الاستقالة وتمسك بها وزير الخارجية، فإنها لن تمر دون إثارة عواصف.
جدل يتجدد
وكالة «رويترز» عادت لتثير جدلا مرة أخرى في الجزائر، من خلال برقية بشأن عملية يقوم بها الجيش الجزائري في منطقة البويرة، هي الأكبر منذ أشهر طويلة، وهي نتاج عمل استخباراتي محكم، أدى إلى القضاء على 25 إرهابيا بحسب بيان لوزارة الدفاع، واسترجاع كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر. الغريب في الأمر هو برقية للوكالة تصف من قتلوا بـ»المناضلين» أو «الناشطين» وهي برقية التي تناقلتها صحف ووسائل إعلام أوروبية مع الاحتفاظ بالمصطلح، نفسه، وفي مقدمة هؤلاء صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، وهو ما فجر جدلا واسعا على شبكات التواصل الاجتماعي، التي انتشر فيها مقال «لوفيغارو» كالنار في الهشيم، قبل أن يتبين أن الصحيفة الفرنسية أعادت نشر برقية وكالة «رويترز» لتقوم وزارة الإعلام باستدعاء مراسل الوكالة في الجزائر، وطالبته بتقديم توضيحات عن البرقية المنشورة.
جدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي تجد فيها الوكالة نفسها في مأزق بسبب خبر أمني، ففي سنة 2008 نشرت برقية عن انفجار قنبلة ووقوع قتلى في منطقة البويرة نفسها، وانتشر الخبر بسرعة في وسائل الإعلام الدولية، فلا أحد يشكك في أخبار وكالة بعراقة «رويترز» لكن بعد ساعات تبين أن الخبر كاذب، وانه لم يقع أي انفجار في البويرة، وقامت وزارة الإعلام آنذاك بسحب الاعتماد من المراسل الذي نشر الخبر، حتى وإن كان البعض يقول بأنه تعرض لمؤامرة من الجهة نفسها التي تعودت مده بالأخبار الأمنية!