الجزائر ـ «القدس العربي»: عاد أحمد أويحيى رجل المهام القذرة، كما يلقب نفسه، أو رجل كل المراحل وكل المهام في الجزائر، فهو الوحيد الذي استطاع البقاء في الواجهة من عهد الرئيس السابق اليامين زروال إلى عهد الرئيس بوتفليقة. الجزائريون يعرفونه منذ 1995، واسمه اقترن بأصعب الفترات التي مرت بها البلاد، لكنه، ورغم غيابه لفترات قصيرة، يعود دائما إلى المشهد بطريقة تثير التساؤلات.
دخول أحمد أويحيى إلى ساحة الأداء العام كانت نوعا ما مصادفة، وذلك عندما كان يؤدي الخدمة العسكرية في صيغة وظيفة مدنية برئاسة الجمهورية، الرجل القادم من منطقة القبائل، والذي ترعرع في العاصمة وتخرج في المدرسة العليا للإدارة، التي قدمت للجزائر الكثير من المسؤولين والسياسيين، دون أن يكونوا بالضرورة الأفضل، لكنها تبقى، نظريا على الأقل، خزانا للقادة والمسؤولين في عدة مجالات. بدأ أحمد أويحيى مساره في الدبلوماسية وشغل عدة مناصب، ولكن ظهوره إلى الساحة السياسية كان سنة 1993 بدخوله إلى الحكومة كوزير دولة، ثم بعدها بسنة عين مدير ديوان في رئاسة الجمهورية، بفضل العلاقة التي كانت تجمعه مع الجنرال محمد بتشين مستشار الرئيس زروال وذراعه الأيمن، بدليل أنه في السنة التي تلت تولى رئاسة الحكومة حتى حزيران/يونيو1997، تاريخ أول انتخابات برلمانية بعد تلك التي ألغيت سنة 1991، وكانت السبب في دخول البلاد في دوامة الإرهاب والخراب، وفي تلك الفترة أي ما بين 1996 و1997 تم تأسيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي خرج من رحم الإدارة، وكان من الطبيعي أن ينضم إليه كوادر الدولة في كل القطاعات، وبينهم أحمد أويحيى، وقد اتهم الحزب الذي قيل بأنه ولد بشنبات أنه زور أو زورت له الانتخابات البرلمانية والتشريعية التي جرت سنة 1997.
وبعد تلك الانتخابات جددت الثقة في أويحيى كرئيس للحكومة حتى كانون الأول/ديسمبر 1998، أي حتى إعلان الرئيس زروال عن استقالته من منصبه، فيما عرف آنذاك بتقليص الولاية الرئاسية، وهو مصطلح مهذب لتفادي استخدام مصطلح الاستقالة، الذي يتطلب شرح الأسباب والدوافع التي أدت إليه.
وعلى أي حال فإن تلك الفترة التي تولى فيها أويحيى رئاسة الحكومة أول مرة هي الأسوأ في مخيال الجزائريين، لأنها اقترنت بتأزم الوضع الأمني، وانهيار القدرة الشرائية، وسجن العشرات من كوادر الشركات الحكومية، لأسباب ثبت بعد سنوات أنها واهية، بعد وفاة بعضهم في السجن، ودمار حياة الباقين، وكذا فرض مجموعة من الرسوم، التي ما زالت حتى اليوم، رغم تحسن الوضع المالي للدولة، والاقتطاع من رواتب العمال.
ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن أويحيى الذي كان يصفه البعض برجل العسكر، نجح في أن يبقى على قيد الحياة سياسيا، بعد وصول الرئيس بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999، إذ تولى منصب أمين عام حزب التجمع الوطني الديمقراطي، حتى وإن كان قد أبعد عن الصف الأول حكوميا، بإسناد وزارة العدل له في أول حكومة في عهد بوتفليقة، ثم وزيرا بدون حقيبة ما بين 2002 و2003، لكنه عرف كيف يستغل الصراع الذي اندلع بين بوتفليقة ورئيس حكومته الأسبق علي بن فليس، واندفع أويحيى عارضا خدماته بكثير من التزيد، ويذكر الجميع كيف وصل إلى حد منع الوزراء من استخدام السيارات التابعة للدولة في الحملة الانتخابية لسنة 2004. الإجراء كان مقصودا به الوزراء المساندين للمرشح علي بن فليس، كلام مثل هذا يثير السخرية اليوم، خاصة بعد الحملة الانتخابية الأخيرة التي جرت في 2014، التي جندت فيها إمكانيات الدولة لصالح المرشح الرئيس الغائب الحاضر عبد العزيز بوتفليقة.
ورغم ذلك، إلا أن العلاقة ساءت بين بوتفليقة وأويحيى نهاية 2005، عندما أصيب بوتفليقة بأول وعكة صحية، معلومات تم تداولها، تفيد بأن أويحيى عقد اجتماع لكبار المسؤولين في الدولة لبحث الإجراءات الواجب اتخاذها في حالة تعقد الوضع الصحي للرئيس، هذا الاجتماع اعتبر بمثابة محاولة انقلاب، بدليل أن أويحيى أبعد من الحكومة بطريقة مهينة، عندما حرض عليه نواب في البرلمان، منعوه حتى من عرض حصيلة حكومته، وبدا واضحا من الصورة التي التقطت لبوتفليقة وهو يستقبل أويحيى أنه غاضب منه، إذ لم يكن حتى ينظر إليه، كما أن هذا الأخير المعروف بانضباطه في الكلام، وتحكمه في المصطلحات، أفلتت منه عبارة: «أتمنى للرئيس موفور الصحة» وهي جملة تحمل الكثير من المعاني.
وبعد سنتين ابتعد خلالهما عن الحكومة عاد لرئاستها سنة 2008، بعد أن أثبت خلفه عبد العزيز بلخادم أنه فشل أكثر من الفشل المعتاد في تسيير الحكومة، والغريب أن بلخادم أقيل وأويحيى تم تعيينه مجددا دون أن يستقبلهما الرئيس بوتفليقة، وبدا أن العلاقة أضحت سمنا على عسل بين أويحيى وبوتفليقة، لكن زعيم التجمع الوطني الديمقراطي ارتكب «خطأ» لما أبدى نيته في الترشح لانتخابات الرئاسة سنة 2014، فهو كان مقتنعا أن بوتفليقة الذي حكم لثلاث ولايات رئاسية سيرحل عن السلطة، فلم يجد حرجا في التعبير عن طموحه، والتأكيد على أنه ينوي الترشح، وذلك خلال برنامج تلفزيوني، لما قال ردا على سؤال طرحه عليه صحافي، لم يتمالك نفسه من إطلاق ابتسامة لما سمع السؤال: «الرئاسة هي لقاء رجل مع قدره» هذه الجملة وهذا الطموح عجلا بإبعاده عن الحكومة في وقت أول في أيلول/سبتمبر 2012، ثم عن الحزب في وقت ثان في كانون الثاني/يناير2013.
لما حسم موضوع ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رابعة، أستدعي أويحيى للمشاركة في الحملة الانتخابية التي غاب عنها بوتفليقة لأسباب صحية، وكان المقابل تعيينه كمدير ديوان في رئاسة الجمهورية، وكلف مباشرة بعد الانتخابات بقيادة المشاورات الخاصة بتعديل الدستور، واستمر في ظل الساحة السياسية إلى غاية أسابيع ماضية، عندما عاد الكلام عن توليه الأمانة العامة لحزبه من جديد، وذلك تمهيدا لشيء ما. هذه التوقعات تحققت بعدها بأيام، إذ ألقى عبد القادر بن صالح رئيس البرلمان المنشفة واستقال مجبرا من الأمانة العامة للحزب، فاسحا الطريق أمام عودة أحمد أويحيى، هذا الأخير كشف عن نواياه من أول يوم، بفتحه هجوما على المعارضة، التي قال أنها استقوت ليس بفضل قوتها وإنما بسبب غياب تأثير أحزاب السلطة في الساحة السياسية، داعيا أحزاب السلطة إلى التكتل فيما بينها وتشكيل قطب وطني.
أويحيى لم يتحرج في أول مؤتمر صحافي يعقده من الخوض في كل المواضيع، بما في ذلك تلك التي يتم الحديث عنها في الكواليس وصالونات السياسة، وفي مقدمتها موضوع توريث الحكم في الجزائر، إذ أكد على أن ذلك مستحيل، وأن الشعب الجزائري لا يقبل بالملكية، وأن الرئيس بوتفليقة ليست له نية لتحويل الجزائر إلى ملكية، وثالثا، أن السعيد بوتفليقة مستشار الرئيس وشقيقه ليس له طموح لخلافة شقيقه في الحكم، كما خاض أويحيى في مواضيع أخرى، خاصة ما تعلق بجهاز المخابرات، الذي أثنى عليه وعلى الدور الذي قام به تضحياته في سبيل الوطن، ووصف قائده الفريق محمد مدين بالأخ.
عودة أويحيى تمهد بحسب بعض المراقبين لمرحلة مقبلة، ولمرحلة ما بعد بوتفليقة على وجه التحديد، فهناك من يرى فيه رجل المرحلة المقبلة، وأنه الرئيس الذي سيخلف بوتفليقة، فيما يرى فريق آخر أن استدعاءه يدخل في إطار تحضير مرحلة انتقال السلطة، أما فريق ثالث من المراقبين فينظر إلى استدعاء أويحيى على أنه دليل تأزم الوضع داخل السلطة، فرضته الحاجة إلى وجود سياسي محنك قادر على مواجهة المعارضة، ولو بالكلام فقط.