الجزائرـ «القدس العربي»: تفاجأ الجزائريون ومن دون سابق إنذار بهجوم إعلامي كاسح، وُظفت فيه مشاهد مرعبة من أرشيف الأزمة الأمنية، التي عايشتها قطاعات واسعة منهم، رعاهُ التلفزيون الرسمي، وحملت لديهم انطباعات متباينة عن الرسائل المبطنة التي أراد متعهدو الحملة تمريرها.
سلسةُ التخويف الممنهج، لم تكن يتيمةً اقتصرت على شاشة التلفزيون فقط، بل تزامنت مع فوضى عارمة تشهدها الساحة السياسية، تغلفها تهديدات متعددة المستويات أطلقها الوزير الأول، تنبأ خلالها بمستقبل ضبابي ينتظر جموع المواطنين.
فما هي دلالات هذه الحملة؟ وهل تعبر مثلما تذهب عدة قراءات إلى ترتيبات تتم على هرم السلطة لخلافة الرئيس بوتفليقة؟
إرهاب وترهيب
الفيديوهات والصور القاسية التي بثت على التلفزيون الرسمي لم تكن لذاتها مثار الجدل، فسبقتها حملة دعائية متواصلة، ومتكررة، في ساعات الذروة روج لها القائمون على الفقرة، مع الإعلان عن عرض مشاهد لأول مرة يطلع عليها الجزائريون.
الحلقة تزامن بثها مع الذكرى السنوية الـ12 لاعتماد قانون المصالحة الوطنية، وكان الحدث يمر طيلة السنوات الماضية، مرور الكرام، ولم يثر سابقا أي لغط، أو يسمع به أحد، أو كانت لتخلف هذا القدر من الاستهجان من قبل فئات المجتمع.
وما زاد من انتباه الجمهور الدعاية التي رافقت تلك الحصة، والإعلان عن بث صور «صادمة» تعرض لأول مرة بكل ما شكلته من قسوة في أذهان المشاهدين، من دون مراعاة للمعايير المهنية التي تحتم الإشارة إلى بشاعتها، أو حتى إخفاء وجوه الضحايا، وعدم بث صور الدماء.
أدرك الجميع لحظتها أن الأمر يتعلق بالرسائل التي أرادت أطراف السلطة تمريرها، وهذا تزامنا مع سيمفونية الرعب، والترهيب، التي باشرها قبل أيام خلت الوزير الأول أحمد أويحيى.
المسؤول التنفيذي خاطب نواب المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان) ومن خلفهم جموع المواطنين، بلغة قاسية، ومستفزة.
أعلن المتحدث في مداخلاته عن مجموعة تدابير، وصفت على أنها بداية عهد الترهيب، والتخويف، وهذا تزامنا مع عرضه لبرنامج حكومته.
وقدم الرجل الذي لا يجد حرجا في وصف نفسه بصاحب «المهام القذرة» قراءة سوداوية، للوضع العام في البلد، ضمنها أرقام وإحصاءات كانت تصب جميعها في كون البلد يسير نحو الهاوية والدرك الأسفل منها.
وأشار أويحيى إلى أن الجزائر تعيش أزمة مالية حادة، استخدم معها وصفا معروفا لدى الجزائريين، ويدركون دلالته، بالقول أن «الموس وصل إلى العظم»، وهي كناية عن خطورة الأحوال وتبعاتها.
استطرد لاحقا، أن «هذا الوضع جعل الحكومة تقرر اللجوء إلى التمويل غير التقليدي، وإقراض الخزينة العمومية من بنك الجزائر، لمنع انهيار الاقتصاد»، ليزف من دون أي تأنيب للضمير نبأ خسارة حكومات الرئيس بوتفليقة المتعاقبة، خلال السنوات الثلاث الأخيرة فقط، نصف إيراداتها ومداخيلها الجبائية.
الرجل المسؤول عن الحكومة، ومنذ إسناده تلك المسؤولية، لا يجد حرجا في التذكير بصعوبة الوضع بسبب تراجع مداخيل النفط التي تشكل أكثر من 90 % من إيرادات البلاد، والأعباء التي تتكبدها السلطات بوصفه تارة أخرى.
كما تحدث عن خسارة مئات المليارات من احتياطي الصرف الذي كانت تخزنه الجزائر لسنوات في بنوك دولية، لم تقدم للجزائريين حتى الآن أرقاما دقيقة وموثوقة عن مآلها وأين صرفت، وكيف تبخرت نسب منها.
المقاربة التشاؤمية التي تحدث بها رئيس الوزراء كانت مقدمة لإعلان سلسة من الإجراءات، وأولها «الانطلاق في تنفيذ قرار طبع النقود، لتمويل الخزينة العمومية لفترة انتقالية لخمس سنوات».
وأدرك الجميع بعد الإعلان عن هذه التدابير أن مالآت أصعب، وأمرّ، وما سيصاحب تلك القرارات من إجراءات تصب في خانة إرهاق المواطنين بأعباء مالية، ورسوم، وضرائب على المداخيل.
ولمّح لهذه التدابير القاسية أكثر من مرة أويحيى، وتحدث عن تعليمات سيتم إصدارها لاحقا، مع امكانية رفع أسعار بعض المواد ورفع الدعم عن أخرى.
سر التوقيت
توقيت بث صور الرعب التي توحي إلى سنوات الفوضى التي عاشها الجزائريون واكتوى بنارها قطاع واسع من المواطنين، ذاقوا مرارة الأزمة الأمنية بكل صورها البشعة المأساوية، جاء متزامنا مع الإعلانات الصاخبة لرئيس الحكومة الذي لم يترك مناسبة، إلا وأعلن خلالها عن قرار مؤلم يمس المواطنين.
وتعَوَّد الجزائريون على تأويل مثل هذه الصور، وتشفيرِ رسائلها الضمنيةِ، كلما شاهدوها، وبثت لهم بشكل مكثف.
وخلال الاستحقاقات الانتخابية السابقة، أصبح أمرا طبيعيا، أن يشاهد الجميع بعضا من تلك الصور، يتم تداولها بالتناوبِ، بين المؤسسة الرسمية، والقنوات الخاصة المعبرة عن لسان حال السلطة، ومن دون أي ذكرى، أو مناسبة تربطها بتلك الحقبة.
وسريعا يفهم الجميع الرسالة، أن «الخيار للشعب إما يرتمي في أحضان السلطة، ويسير في فلكها، ويتماهى مع خياراتها، ويوافق على كل ما تتخذه من قرارات، أو الخراب والدمار الذي يشاهده في تلك الصور المأساوية».
سريعا تحولت صور المأساة التي عاشها الجزائريون تسعينيات القرن الماضي، إلى رديف للخوف، والتهديد، وتصله الرسالة التي تحملها وأريد نقلها له.
صاحب المهام القذرة
رئيس الوزراء أحمد أويحيى لا يجد أي حرج في إطلاق صفة صاحب المهام القذرة عليه شخصيا في المناسبات العامة، ولا يستفزه اللقب الذي أصبح لصيقا به ويعاد استنساخه بشكل مستمر ودوري.
وأدرك المسؤول من أول وهلة عين في المنصب، أن خلافته لعبد المجيد تبون على رأس الجهاز التنفيذي، كانت لهدف أساسي، تسيير المرحلة المقبلة، بأقل الخسائر الممكنة.
ويعلم أويحيى الضالع في خبايا الحكم، وأهله، والمتنفذين فيه، أنه مطلوب منه العبور بسكة الجناج الذي أتى به للحكم إلى بر الأمان، تمهيدا لترتيب الخلافات الجارية على منصب الرئاسة، وتفادي أية مطبات تقلب الموازين.
السياسي الجزائري الذي رافق عددا من الرؤساء، وتماهى معهم، واندمج في مسارات خططهم، ينفذ باحترافية عالية كل المهام المسنودة له، ويتجاوز كافة العراقيل، ويؤدي أدواره من دون إرهاق نفسه بحسابات الربح والخسارة.
ويتطلع أويحيى حاليا إلى وضع الجماهير في صورة التحولات الجارية على هرم السلطة، وتعبئتها للوقوف خلف مرشح السلطة، وتزكيته، لتلافي أي مفاجآت، وسد الطريق أمام منافس مهما كان حجمه.
وينطلق الرجل في تنفيذ المهام بتكريس صورة واضحة عن حجم التحديات الاقتصادية التي يقبل عليها الجزائريون، واستفزازهم بقرارات مرعبة يمكنه اللجوء لها، لتعديل الاختلالات الناجمة عن عقود من سوء التسيير لاقتصاد الدولة القائم على ريع النفط.
تفنن الماسكون بدواليب الدولة، في استخدام وسائل تلهية للجماهير، وتفننوا في تفريغ شحنات الغضب، وتنفيسها باللجوء لأساليب أثبتت نجاعتها بشكل جلي.
وقبل سنوات حققت أطراف السلطة نجاعة في استثمار انتصارات المنتخب الوطني لكرة القدم في عدد من المنافسات الدولية، واستخدامه كعامل إلهاء يحقق نتائج مبهرة، في أكثر من منافسة.
البداية في استغلال أثر كرة القدم في تجييش الجماهيير كانت مع المواجهة السابقة للجزائر مع المنتخب المصري، وحققت كل النتائج المرجوة منها، لكن تراجع مفعول هذا العنصر مؤخرا، مع الخيبات التي سجلها منتخب كرة القدم.
غياب أفيون الكرة
يسجل المتابع للشأن الجزائري ظهور وبروز نقاشات متعددة في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الجلسات العامة، أصبحت بديلا للاهتمام السابق بعالم الكرة، والرياضة.
لا يكاد الجدل حول ظاهرة تشد الاهتمام، حتى تأتي قضية أخرى تسحب منها الأضواء، وتتحول لمسألة وطنية تهم فئات المجتمع قاطبة.
البداية كانت مع الترويج لعدد من المستحضرات، والمواد المستخدمة كعلاجات، كان نجومها الراقي بلحمر، وصاحب المكمل الغذائي زعيبط، وشكلت لأشهر مثار نقاش عام في ربوع الجزائر واستحوذت اهتماما منقطع النظير.
من الأحمدية إلى الكركرية
لا تتوقف القضايا الخلافية عن إثارتها من قبل وسائل الإعلام، مع ما تثيره من جدل واسع يمتد من صفحاتها إلى منصات التواصل الاجتماعي، مرورا ببرامج التلفزيون، وصولا إلى تجمعات الجزائريين في كل مكان.
وخلال الفترة الأخيرة سجل المتابعون عددا من المواضيع الهامشية تحولت إلى قضايا رأي عام، انطلاقا من النقاش حول الشيعة في الجزائر، ثم متابعات الأحمديين، وصولا إلى فرقة الكركرية المتصوفة التي حشدت الاهتمام.
مع بداية الموسم الدراسية تناسى الجزائريون كل القضايا المصيرية المتعلقة بإدارة البلد، والصراعات الموجودة في هرم السلطة، وإدارة مواردهم، والفضائح المالية، لينشغلوا بموضوع حذف وزيرة التربية نورية بن غبريط للبسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) من الكتب المدرسية.
انقسم الجميع بين غاضب من المسؤولة، واعتبر الأمر قضية مصيرية تهم الأجيال المقبلة، وتنعكس على سلوكات أبنائهم، وبين فئة وجدتها مثار جدل لا طائل منه وقضية هامشية، وآخرون باركوا الأمر لاعتقادهم أن هذه العناصر تساهم في تخلف الجزائريين.
ولم تتوقف دائرة الجدل حول القضايا الهامشية، وكل مرة يتم استنساخ مسألة خلافية جديدة ينقسم بشأنها الجميع، ويربطون تخلف البلد بهذه النقاط التي اعتبروها حيوية.
فراغ متعدد المستويات
تشير القراءات حول المنحى الذي وصل إليه المنتظم الجزائري، إلى أن البلد يعاني من فراغ متعدد الجوانب، على مستوى النخب السياسية، والاجتماعية، والإعلامية، والثقافية، مع تصحر شامل في أكثر من صعيد. وتأتي هذه المحصلة نتيجة لسياسات ممنهجة لإبعاد الجزائريين عن التفكير بمنطق في مصيرهم، والالتزام بالنقاش الجاد حول القضايا المحورية والأساسية.
وتستند هذه الرؤية على ما آل إليه الوضع منذ وصول الرئيس بوتفليقة للحكم سنة 1999 وسعيه المستمر لتفجير الطبقة السياسية، وزحزحة كافة الأصوات المعارضة، وتدجين الأحزاب، لتسبح جميعها في فلك السلطة.
ونجحت السلطة في العقود الأخيرة في تغييب أي صوت معارض لتوجهاتها، كما ساهمت في فرض وصايتها على النقابات، والجمعيات، بمختلف توجهاتها، لتخلو الساحة من أي بديل من شأنه عرقلة سياساتها وتوجهاتها.
تهيئة استباقية
كان واضحا من خلال تعليقات المغردين والنشطاء في مختلف منصات التواصل الاجتماعي، أن الرسالة المبطنة من تزامن تهديدات أويحيى للجزائريين من قبة البرلمان، مع مشاهد الرعب والإرهاب التي بثها التلفزيون الرسمي، وصلت للجميع.
أدرك الجزائريون أن الأمر يتعلق بتهيئة الجميع لقرارات مصيرية ستتخذ لاحقا، لامتصاص الغضب، وفي الوقت نفسه تمرير أجندات تتعلق بترتيبات تجرى على هرم السلطة.
لا يزال الغموض سيد الموقف بخصوص مسألة خلافة الرئيس بوتفليقة، وحتى الآن وَأد حِلفُهُ أي حديث عن تفعيل المادة 102 من الدستور، لكنهم لم يجدوا بعد مفتاحا سحريا لموضوع الرئيس المقبل.
وحتى يتم الفصل في الموضوع، يدرك الجزائريون أنهم أمام مزيد من الرسائل من هذه الشاكلة، وقرارات مصيرية تؤثر على حياتهم، سيكون الوزير الأول مكلفا بتنفيذها، حتى رسم خريطة طريق جديدة.
ذكرى الصور
الصور التي بثها التلفزيون الرسمي كانت احتفاء بذكرى قانون المصالحة الوطنية، الذي صادق عليه الجزائريون في 28 أيلول/سبتمبر 2005، وأصدره الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، بعد استفتاء عام، وجاء استكمالاً لقانون الوئام المدني الذي كان أصدره في عام 1999.
وينصّ قانون المصالحة الوطنية على جملة من الإجراءات والتدابير المتصلة بتسوية آثار الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد، بينها العفو عن المسلحين الذين يقبلون وقف العمل المسلح وتسليم أسلحتهم، وإلغاء المتابعات القضائية التي كانت تلاحقهم خلال فترة نشاطهم في صفوف المجموعات المسلحة.
ووقع عدد من الإعلاميين والنشطاء بيانا وجهوه إلى سلطة الضبط ينددون فيه بتجاوز التلفزيون الرسمي لقانون المصالحة الوطنية، الذي يحظر استعادة صورة المأساة الوطنة أو المتاجرة بها.
فهل تتدخل السلطة لمعاقبة التلفزيون، ومن أشرف على رسائل التهديد، ووقع عليها، وصرح بها؟
سليمان حاج إبراهيم