الجزائر ـ «القدس العربي»: تعيش الجزائر غليانا اجتماعيا كان متوقعا، على خلفية القرارات التي بدأت الحكومة تأخذها تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بها. قرارات غير شعبية أخرتها الحكومة حتى لم يعد لديها أي بديل، معلنة بذلك نهاية سياسة شراء السلم الاجتماعي، وفاتحة الأبواب على مصراعيها لغليان اجتماعي ينذر بانفجار في أي لحظة، خاصة وأن المقبل أسوأ، والسنوات العجاف بدأت ولا أحد يعرف كم ستستمر.
انتهى شهر العسل الذي دام سنوات طويلة بين الحكومة وبين الجبهة الاجتماعية، الجزائر عرفت خلال السنوات الـ15 الأخيرة بحبوحة مالية غير مسبوقة في تاريخها، المبالغ التي أنفقت خلال السنوات السمان تقدر بـ 1000 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم بكل المقاييس، يكفي لإعادة بناء اقتصاد دولة، لكن جزءا كبيرا من تلك الأموال تبخر، وجزء آخر استثمر في مشاريع بنية تحتية كانت معطلة منذ عقود، مثل المطار الجديد في العاصمة، وأخرى تم التفكير فيها وتجسيدها مثل الطريق السيار شرق غرب، لكن بعض تلك المشاريع شابتها شبهة الفساد، وكانت محل مسلسل فضائح نشر على صفحات الجرائد، بالإضافة إلى ما استثمرته الحكومات المتعاقبة في عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فيما يعرف بالتحويلات الاجتماعية، خاصة مع تعلق بالمشاريع السكنية الضخمة، أو الزيادات في الرواتب، رغم أن السلطة الحالية ظلت محافظة على نوع من التقتير في الانفاق حتى سنة 2005، لتفتح الباب بعدها على مصراعيه للإنفاق، ووصلت حد التخلي عن ديونها لدى دول إفريقية وعربية، مبالغ تجاوزت الـ 500 مليون دولار، دون أن يكون هناك أي مقابل، فأغلبية تلك الدول لا تدعم مواقف الجزائر وسياستها الخارجية.
السلطة الحاكمة قررت بداية من سنة 2006 سياسة شراء السلم الاجتماعي، فرئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحيى «مدير الديوان الرئاسي حاليا» كان قد رفض الزيادات في الرواتب، معتبرا أن تلك الزيادات لا مبرر تنمويا لها، ولا تعكس إلا واقعا اقتصاديا مبنيا على الريع النفطي، ولكن الرئيس بوتفليقة تخلى عن خدماته وكلف «رجل الثقة» ( آنذاك) عبد العزيز بلخادم برئاسة الحكومة، وكان من أولى قرارات بلخادم الزيادة في الرواتب، وتراجع أويحيى عن موقفه السابق، وأصبح مؤيدا للزيادات في الرواتب، وبأثر رجعي، وانتقلت عدوى المطالبة بهذه الزيادات من قطاع إلى قطاع كالنار في الهشيم، وكل مرة يزداد حجم العبء المالي بالنسبة للدولة، ولكن برميل النفط كان يتجاوز الـ 140 دولارا، وكانت الجزائر غارقة في أموال البترول لا تعرف ما تعمل بها، على حد قول وزير المالية الأسبق محمد ترباش الذي قال ذات مرة، لدينا أموال كثيرة ولا ندري ما نفعل بها؟ وهو تصريح كاف لوحده ليعطي صورة عن حجم التيهان المالي أو الريعي الذي عاشته الجزائر في تلك السنوات. واهتدت السلطة الحاكمة إلى حيلة وضع اليد في الجيب لإسكات أي حركة مطلبية أو احتجاجية إذا ما شكلت صداعا بالنسبة لها، حتى وإن كانت المطالب غير مشروعة ومبالغا فيها.
وتجسد سياسة الإنفاق في آخر مشاهدها في حملة الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، فرئيس الوزراء وقبل أشهر قليلة من موعد إجراء الانتخابات، كان يطوف على الولايات ويمنح أظرفة مالية خارج قانون الميزانية الذي صوت عليه النواب، أي خارج رقابة البرلمان، ويذكر الجميع تصريحه في الحملة الانتخابية التي كان فيها مديرا لحملة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وهو يخاطب الشباب: «خذوا أموال القروض الخاصة بمشاريع الشباب وانفقوها أو تزوجوا بها، الخير كثير»!، بعد سنة واحدة تقريبا كانت البنوك تحجز ممتلكات هؤلاء الشباب التي اشتروها بالقروض، لأنهم لم يسددوا ما عليهم، ووجد البعض الآخر نفسه مهددا بالسجن، فالانتخابات أسدل الستار عليها، والوعود التي سمعوها والخطب المعسولة لا تلزم إلا من صدقها!!
جهنم الأسواق النفطية
مع بداية سنة 2015 بدأت أسعار النفط تتهاوى، ومعها أحلام العظمة التي أصابت الممسكين بزمام الأمور بدوار لم تستفق منه إلا على صدمة انهيار أسعار النفط، ففي سنة واحدة كانت الحكومة قد استهلكت ثلثي أموال صندوق ضبط الإيرادات، وهو الصندوق الذي كانت تضع فيه الفائض في الأموال بين ما كان يدخل الخزينة من أموال نتيجة ارتفاع أسعار البترول وما كان يتم انفاقه، فالعجز خلال سنة 2016 يرتقب أن يتجاوز الـ 35 مليار دولار، وكل المؤشرات حمراء وسوداء، ولا تبشر بخير.
صحيح أن انخفاض أسعار النفط يعود بالدرجة الأولى إلى تقلب الأسواق الدولية، لكن الكثير من الخبراء كانوا يحذرون من أن ارتفاع أسعار النفط سيليه انهيار لا محالة، لأن تقلبات السوق تخضع لمنطق الدورة، فبعد عشرية ونصف تقريبا من ارتفاع الأسعار، من الطبيعي أن تدخل دورة الانهيار، وأن تبقى تحت عتبة الخمسين دولارا لخمس سنوات على الأقل، فالولايات المتحدة تسير إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من البترول، والغاز الصخري الذي استثمرت فيه أموالا ضخمة بدأ يقلل حاجتها إلى الاستيراد، كما أن نسب النمو في الصين والهند تراجعت كثيرا، الأمر الذي انعكس سلبا على الاستهلاك، وعلى الحاجة إلى الطاقة والبترول على وجه التحديد.
الحكومة الجزائرية التي وجدت فجأة نفسها في سقوط حر لم تصل بعد إلى قاع له، حاولت في وقت أول اللعب على وتر خطاب التطمين، بل رفضت أساسا استخدام سياسة التقشف، فالكلمة مزعجة، وتوحي بشبح الأزمة التي عاشتها الجزائر خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكنها في الواقع سارعت لاتخاذ إجراءات تقشفية تحت أسماء أخرى.
نهاية عهد
في إطار سياسة التقشف المطبقة بمنطق التقسيط «غير» المريح، لجأت الحكومة إلى قرار إلغاء التقاعد المبكر والنسبي، وهي من المكتسبات التي تحققت للطبقة الشغيلة خلال السنوات القليلة الماضية، إذ كان بإمكان أي موظف الاستفادة من التقاعد بعد استكمال 30 سنة عمل، دون أي شرط للسن، كما كان بإمكان الموظفين الاستفادة من تقاعد نسبي عند بلوغ الـ 55 من العمر، لتقرر الحكومة أنه لا تقاعد قبل الستين عاما، بصرف النظر عن عدد سنوات الخدمة، وهو قرار اتخذ بمناسبة اجتماع الثلاثية الذي ضم الحكومة وأرباب العمل والمركزية النقابية، لكن النقابات المستقلة، والتي تعتبر فاعلة في عالم الشغل، وإن كانت أغلبيتها غير معترف بها رسميا، أعربت عن رفضها للقرار، واستنكرت استفراد الحكومة بملف مثل هذا دون الرجوع إلى النقابات، خاصة وأن هناك مهنا أكثر صعوبة من غيرها، مثل قطاع التعليم، ورغم هذا الرفض، إلا أن رئيس الوزراء أكد أنه ضروري، لإصلاح صندوق التقاعد الذي يعاني من عجز مالي كبير، وأن الحكومة اضطرت لوضع يدها في الجيب من أجل سد ذلك العجز، لكن بدون إصلاح حقيقي، فإن الصندوق مهدد بالإفلاس، وبالتالي عدم القدرة على سداد معاشات الملايين من الموظفين المتقاعدين.
النقابات المستقلة شكلت تكتلا فيما بينها يضم 17 نقابة، عقدت لقاءات من أجل مناقشىة القرارات التي اتخذتها الحكومة في إطار سياسة التقشف، وقررت أن تعطي الحكومة فرصة لمراجعة قرارها، قبل اللجوء إلى التصعيد، لكن الحكومة لم يكن بإمكانها التراجع عن القرار، خاصة وأنها لم تعد تمتلك إمكانيات وضع اليد في الجيب، وبقي الغليان مستمرا، فالنقابات كانت تراهن على أن الحكومة ستتراجع عن قرارها خوفا من ظهور حركة احتجاجية، والحكومة كانت تعتقد أن النقابات ستقبل بالأمر الواقع، لكن الذي حصل هو أن الأمور وصلت إلى الانسداد، وبدا أن الحركة الاحتجاجية آتية لا محالة.
انطلاقة شرارة
النقابات المستقلة قررت أن تخوض معركة لحمل الحكومة على التراجع عن قرار إلغاء التقاعد المبكر والنسبي، وحددت يومي 17 و18 تشرين الأول/أكتوبر الماضيين للدخول في إضراب وطني، الإضراب كان ناجحا بالنسبة للنقابات في حين أن السلطات قالت إن النسبة لم تتجاوز الـ21 في المئة، وستدخل النقابات في إضراب جديد يومي 25 و26 تشرين الأول/أكتوبر، ويخيم شبح الإضراب المفتوح على عدة قطاعات استراتيجية مثل الصحة والتعليم، فالنقابات إذا وجدت أن الحكومة لم تلتفت إليها بعد الإضرابات المحدودة التي تقوم بها ستقرر الدخول في إضراب مفتوح، وهو الأمر الذي لن يكون في صالح أي جهة، بل قد يدفع بالسلطة التي تحشرها النقابات في الزاوية إلى التصرف بمنطق تسلطي صدامي قد يفتح أبواب المجهول.
وقالت نورية بن غبريت وزيرة التعليم إنه يتعين على النقابات التعقل، وعدم السير في طريق التصعيد، مشيرة إلى أن قضية إلغاء قرار الحكومة بخصوص التقاعد المسبق لا يمكن اتخاذه على مستوى وزارتها، وأن الموضوع يخص الحكومة وكل القطاعات، وأنه لا مناص عن الحوار من أجل التوصل إلى حل الملفات والقضايا العالقة.
من جهته كان وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي محمد الغازي أقل دبلوماسية، إذ أكد أن التراجع عن قرار إلغاء التقاعد أمر مستحيل، وأن على النقابات تقبل الأمر الواقع، وإن كانت هذه الأخيرة تتصور أنها من خلال الإضرابات ستحمل الحكومة على التراجع إلى الوراء فيما يتعلق بإصلاح قانون العمل وصندوق التقاعد.
ورغم تحذيرات وزير العمل إلا أن النقابات دخلت في إضرابها الأول، مع التأكيد أنها ستدخل في إضراب ثان، وهو ما جعل الوزير يصعد في لهجته ويتهم النقابات المستقلة بأنها ضخمت نسبة الاستجابة للإضراب الذي دعت إليه، مشيرا إلى أن النسبة لم تتجاوز الـ9 في المئة.
وأشار الوزير الغازي إلى أن أغلبية موظفي قطاع التعليم الذين يركضون وراء التقاعد المبكر يفعلون ذلك من أجل العمل في القطاع الخاص وتقديم دروس خصوصية، بشكل غير قانوني، مشددا على أنه إذا لم يتم وضع حد للنزيف الذي يتعرض له صندوق التقاعد فإنه سيكون عاجزا عن دفع المعاشات.
وقال صادق دزيري الأمين العام للاتحاد الوطني لعمال التربية والتكوين إن الإضراب ضروري، وأنه جاء كنتيجة لتعنت السلطات ورفضها التحاور مع النقابات، بل اتخاذها لقرارات مصيرية بالنسبة لعالم الشغل دون إشراك نقابات القطاعات المختلفة، الأمر الذي جعل النقابات وبعد طول انتظار تلجأ إلى التصعيد.
واعتبر أن أول مطلب هو التراجع عن إلغاء التقاعد المبكر والنسبي، لأنه يمثل تراجعا عن مكسب من المكاسب التي تحققت للطبقة الشغيلة بعد نضالات طويلة، مشيرا إلى أن النقابات تطالب بأن تتخذ الحكومة إجراءات لضمان وحماية القدرة الشرائية للموظفين من أصحاب الدخل الضعيف، وكذا إشراك النقابات المستقلة في صياغة قانون العمل المطروح على البرلمان.
أما نوفل شيبان الأمين العام لنقابة ممارسي الصحة العمومية فاعتبر أن الإضراب نجح، وأن نسبة الاستجابة كانت كبيرة، مؤكدا أنه لم يتبق أمام النقابات من حل سوى التصعيد، ولغة الاحتجاجات والإضرابات، لأن السلطات لم تشأ الالتفات إلى النقابات والحديث إليها والتفاوض معها بجدية، وليس من أجل تنظيم اجتماعات بغرض الظهور أمام الإعلام والرأي العام في صورة متفتحة على الحوار.
وشدد على أنه لما كانت الحكومة تستعد لإلغاء التقاعد النسبي والمبكر، أعلنت النقابات المستقلة عن رفضها لهذا القرار، لكن الحكومة لم تعر اهتماما لرأي النقابات، والآن لم تتبق من وسيلة إلا النزول إلى الشارع من أجل تجسيد المطالب المشروعة.
المعركة مستمرة والقبضة الحديدية متواصلة بين الحكومة والنقابات، خاصة وأن أحدا من الطرفين لا يبدو عازما على التراجع، فالنقابات ترى أن هذه المعركة مصيرية، وأنها إذا تراجعت فإنها ستفتح الباب أمام تراجعات أخرى، خاصة وأنها تدرك أن فقدان هذا المكسب ما هو إلا البداية، لأنه كلما اشتدت الأزمة المالية والاقتصادية، كلما لجأت الحكومة إلى قرارات أخرى أكثر تضييقا على الطبقة الشغيلة والمجتمع بشكل عام، في حين أن الحكومة ترى أنها لا تملك إمكانيات التراجع أو حتى تأخير هذا القرار، وهي إذا تراجعت فإنها ستضطر لذلك في كل مرة ستتخذ قرارات تقشفية، خاصة وأن الآتي أسوأ، والأزمة ما تزال في بدايتها، وأنها ستلجأ إلى قرارات أكثر صعوبة خلال قادم الأشهر، وبالتالي الأمور تسير إلى الانسداد، وتفتح أبوابا كانت مغلقة بفضل مليارات الريع البترولي التي تبخرت بعد انهيار أسعار الخام.