الجزائر: هجاء الربيع هل يوقف التغيير؟

حجم الخط
61

قام رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال بتصريح لافت قال فيه إن بلاده «لا تعرف الربيع العربي ولا هو يعرفها»، في تعليق على مظاهرات حصلت في مناطق جزائرية احتجاجا على زيادات ضريبية تضمنها قانون الموازنة لعام 2017، معتبرا ما حصل «يتعلّق بأقليات في بعض البلديات» وبـ»أطراف تحاول زعزعة استقرار البلاد».
يكرّر رئيس الوزراء الجزائري معزوفة الأنظمة العربية الاعتيادية حول زعزعة الاستقرار، ولا ينسى أن يضيف عليها «التوابل الإلزامية» الأخرى: المؤامرة الخارجية، متجاهلاً دوره كرئيس حكومة والسبب الحقيقي للاحتجاجات: رفع أسعار المواد الاستهلاكية وهو ما دفع، ببساطة، إلى حصول تلك الاحتجاجات كونها تتعرّض للقمة العيش والخبز وتجعل الحياة أصعب لملايين الجزائريين في بلد يعيش على بحر من النفط والغاز!
الاحتجاجات قوبلت، كالمعتاد، بالعنف وهو ما أدّى إلى تحوّلها إلى أعمال شغب وتوجّه المحتجون إلى مديرية الضرائب، التي هي الرمز المسؤول عن زيادة الأسعار، فأحرقوها.
إعلام النظام اتهم سكان منطقة بجاية الأمازيغ بأنهم يثورون من أجل الانفصال عن الجزائر، فيما قام وزير الداخلية بسحب ورقة «الجوكر» العظمى: الإرهاب، وهي الفزاعة المثالية التي تلجأ إليها كل الأنظمة لإسكات أي احتجاج على سياساتها، في تهديد ضمنيّ بأن الجزائر ستتعرّض لمصائر ليبيا وسوريا واليمن لو خرجت جماهيرها عن سيناريو الخضوع لأولياء الأمر والسكوت على تفاقم الأوضاع الاقتصادية، فيما مسؤولوها الكبار وجنرالاتها يرفلون بالأموال التي جمعوها من الفساد أو من سرقة المال العام.
الاقتصاد الجزائري، بحسب رئيس الوزراء نفسه الذي يرفض الاحتجاجات، فقد خلال ثلاث سنوات ما قيمته 80 مليار دولار. واعتبر السلال أن سنة 2016 كانت الأسوأ على الاقتصاد حيث فقدت الجزائر حوالى 30 مليار دولار من الاحتياطي.
السبب هو اعتماد الاقتصاد الجزائري على مداخيل النفط والغاز، ولم تنجح دولة الاستقلال على مدى عقود في الخروج من لعنة الاقتصاد الريعي، ولم تقم باستغلال الثروات الهائلة التي حصلت عليها في استدخال أشكال أخرى من الاقتصاد، أو في خلق صناديق استثمار لحماية مستقبل البلاد وأجيالها.
بدلا من ذلك كان الهم الأول للنخبة الحاكمة الجزائرية هو تثبيت أركان النظام الاستبدادي ومنع أي حراك سياسي حقيقي، وكذلك حماية استبداد اجتماعي لا يسمح بصعود الفقراء إلى طبقة النخبة المغلقة على الجيش والأمن ورجال الأعمال المصطفين والمسؤولين السياسيين.
خارجيا قام النظام بإشغال الجزائريين المطحونين اقتصاديا بأزمات سياسية خارجية لا طائل تحتها، كما هو الأمر مع المغرب ودعم «البوليساريو»، وانهمك في دعم أسوأ أشكال الطغيان الحاصل في سوريا، فكانت الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة التي زودت حاملة الطائرات الروسية المتجهة إلى سوريا بالوقود، كما وقفت بعنف مع نظام الأسد في الأمم المتحدة، ودعمت التدخل الإيراني هناك، وكل ذلك تحت دعوى سيادة الدول ورفض التدخل الأجنبي!
لا نتمنى، بالتأكيد، للجزائر أن تفقد استقرارها وأمنها أو تعود إلى أجواء العشرية السوداء، أو تنجرّ إلى حروب أهلية، لكن الضمانة الكبرى لذلك هي السير نحو الديمقراطية والكف عن الاستبداد والاستئثار بالثروة واللجوء إلى القمع في الداخل ومناصرة الدكتاتوريات في الخارج، اللتين هما وصفتا النخبة الحاكمة في الجزائر للاستقرار ومنع الربيع «الذي لا نعرفه ولا يعرفنا».

الجزائر: هجاء الربيع هل يوقف التغيير؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية