الجزائر ـ «القدس العربي»: تعيش الجزائر على وقع جدل عنوانه «عقوبة الإعدام» هذه الجملة تختصر النقاش العام الدائر في البلاد، ورغم أن الوقت وقت عطلة، إلا أن اختطاف ثم قتل الطفلة نهال سي محند البالغة من العمر أربع سنوات حرك مشاعر الرأي العام، وشحن عواطف الجزائريين، الذين راحت أغلبيتهم تدعم مطلب تفعيل حكم الإعدام، المجمد منذ سنة 1993.
كل شيء بدأ بقضية الطفلة ذات الوجه الملائكي التي اختفت منذ قرابة أربعة أسابيع من أمام بيت جديها في أعالي منطقة القبائل، البنت ذهبت من وهران غربي العاصمة مع أهلها لقضاء بضعة أيام في منطقة القبائل، ليكون قدرها أن تعود إلى بيت والديها في حي «وجدة» بمدينة وهران جثة أو بالأحرى أشلاء ممزقة بعد أن نكل بها خاطفها أو خاطفوها، أكثر من ثلاثة أسابيع والبحث جار عن الطفلة نهال، وعائلتها تحتفظ بالأمل في العثور عليها حية، لكن كل شيء انهار عندما عثر على أشلاء وعلى ملابس ملطخة بالدم، اشتبهت الأجهزة الأمنية أن تكون للصغيرة نهال، لكنها اضطرت لإجراء تحاليل الحمض النووي من أجل التأكد من ذلك، بسبب الحالة التي كانت عليها الأشلاء، قبل أن ينزل الخبر كالصاعقة على العائلة وعلى عموم الجزائريين، الأشلاء التي عثر عليها تعود إلى الطفلة نهال.
مشاهد بشعة يكفي تخليها لإشعال نار الغضب في الشارع الجزائري الذي ضاق ذرعا باختطافات الأطفال، التي بلغت أرقاما مرعبة، أكثر من 1000 طفل اختطف منذ سنة 2001، ولا أحد استطاع أن يجد تفسيرا منطقيا واحدا، لتنامي هذه الظاهرة، الأمر الذي أدخل الخوف والرعب على قلوب الجزائريين، الذين عانوا ما عانوه من الإرهاب خلال التسعينيات، واليوم يواجهون خطر الجريمة بكل أشكالها، واختطاف وقتل الأطفال والتنكيل بجثثهم هو بالتأكيد أحد أبشع أشكال الجريمة المنظمة التي تعرفها الجزائر.
في ثورة الغضب التي حركها مصرع الطفلة نهال، خرج مطلب تفعيل حكم الإعدام ضد القتلة والمجرمين الذين يتعرضون للأطفال بسوء، وكان طبيعيا أن يلتف الشارع الجزائري حول هذا المطلب الذي أضحت الأغلبية تطالب به، كحل تعتقد أنه رادع لكل من تسول له نفسه الحاق الضرر بطفل.
ويأتي هذا الطلب في وقت كانت فيه السلطات الجزائرية قد جمدت تنفيذ حكم الإعدام منذ سنة 1993 إذ كان آخر الذين نفذ فيهم حكم الإعدام هم المسؤولون عن عملية تفجير مطار هواري بومدين سنة 1992. وجاء تجميد هذه العقوبة في إطار اتفاقيات دولية وقعت عليها الجزائر، نتيجة الضغوط التي مورست عليها في تلك الفترة، خاصة في ظل الانفلات الأمني الذي كانت تعيشه البلاد بداية التسعينيات، ولجوء السلطات إلى محاكم خاصة بقضايا الإرهاب، الأمر الذي جعلها تتعرض إلى ضغوط مختلفة من أجل توقيف تنفيذ حكم الإعدام، وهو ما تم فعلا، إذ بقيت المحاكم الجزائرية تحكم بالإعدام في القضايا التي تستحق هذه العقوبة، ولكن العقوبة لا تنفذ، الأمر الذي جعل الملازم لمبارك بومعرافي قاتل الرئيس الأسبق محمد بوضياف سنة 1992 يبقى حيا حتى كتابة هذه السطور، رغم أن القضاء حكم عليه بالإعدام، وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من الإرهابيين الذين ألقي عليهم القبض وحوكموا وصدر في حقهم حكم بالإعدام ولم ينفذ.
آراء متباينة
الجدل الذي أثارته قضية نهال جعلت بعض الجهات تتحرك لتبني الموجة الغاضبة التي تسببت فيها هذه الجريمة البشعة، وفي مقدمة هؤلاء المحامي فاروق قسنطيني رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، وهي هيئة استشارية تابعة إلى رئاسة الجمهورية، إذ قال قسنطيني إن من غير الممكن تجاهل الأصوات المطالبة اليوم بإعادة تطبيق حكم الإعدام في حق قتلة الأطفال على الأقل، موضحا أن الديمقراطية تعني الإنصات إلى الشعب، والأخذ برأي الأغلبية، واليوم يمكن القول إن الأغلبية الساحقة من الجزائريين وبعد الجريمة الشنعاء التي تعرضت لها الصغيرة نهال تؤيد العودة إلى تنفيذ حكم الإعدام.
واعتبر رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان أن من حق الجزائر التراجع عن الاتفاقيات الموقعة، والتي أفضت إلى تعليق حكم الإعدام، ما دام هناك مطلب شعبي في هذا الاتجاه، موضحا أن اللجنة التي يشرف عليها لا يمكن أن تصم آذانها عن هذا المطلب الشعبي، وأنها قامت بإعداد تقرير منفصل سيسلم إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، لإطلاعه على صورة الوضع، ودعوته إلى النظر في القضية، لأن من غير الممكن أن تمر هذه الجريمة وغيرها مرور الكرام، ولا بد من التفكير وإعادة النظر في الطريقة التي تتم بها معالجة هذه الجرائم، والكلمة الأخيرة في الموضوع تعود إلى الرئيس بوتفليقة، على اعتبار أن القرار سياسي في الدرجة الأولى.
وذكر أن بالإمكان تطبيق حكم الإعدام على قتلة الأطفال والمعتدين عليهم، وليس العودة إلى تطبيق هذه العقوبة بشكل عام.
واحتج قسنطيني على أولئك الذين يقولون إن العودة إلى تطبيق الإعدام تراجع في مجال حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن الكثير من الولايات الأمريكية تطبق إلى حد الآن عقوبة الإعدام، ومع ذلك لم نسمع اتهامات بأن الولايات المتحدة الأمريكية دولة لا تحترم حقوق الإنسان.
من جهته اعتبر المحامي الحقوقي طاهر بن طالب إن الجزائر وقعت على اتفاقيات دولية سنة 1993 وأنها بموجب هذه الاتفاقيات والضغوط التي تعرضت إليها في تلك الفترة، أقدمت على تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام، وأن الشيء الذي يجب أن يعرفه المطالبون بتنفيذ عقوبة الإعدام هو أن الاتفاقيات الدولية تسمو على الدساتير الوطنية، وأنه لا يمكن التراجع أو النكوص أو الالتفاف حول أي اتفاقية دولية، ما لم يتم تعويضها باتفاقية جديدة.
وأوضح بن طالب أن القرار سياسي بالدرجة الأولى، وأنه لابد من استفتاء شعبي، أو لابد من تمرير المسألة عبر قانون يصادق عليه البرلمان المجتمع بغرفيته في جلسة استثنائية حتى تصبح العودة إلى تطبيق حكم الإعدام ممكنة.
واعتبر المصدر ذاته أنه من غير المنطقي المطالبة بتطبيق حكم الإعدام في حق قتلة الأطفال دون غيرهم من المجرمين، لأنه لا فرق بين من يقتل طفل ومن يقتل امرأة ومن يقتل شيخا أو رجلا، لأن القتل هو جريمة بشعة بصرف النظر عن الضحية.
من جهتها رفضت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان المطالب الداعية إلى تفعيل حكم الإعدام، مفضلة السباحة عكس التيار والمجاهرة بموقفها، في وقت اختار فيه الكثير من الحقوقيين الذين يرفضون مطلب تطبيق حكم الإعدام المجاهرة برأيهم، حتى لا يصطدموا بالشارع المحتقن والغاضب، إذ اعتبرت الرابطة أن حكم الإعدام لن يحل المشكلة، وأن من الضروري البحث مع المختصين حول الأسباب التي أدت إلى الى تفاقم الظاهرة بشكل كبير، لأن مزيدا من الجثث لن يحل الظاهرة.
سياسيون على الخط
القضية لم تبق بين أيدي الحقوقيين، إذ كان من الطبيعي أن يدخل السياسيون على الخط، فحزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يقوده أحمد أويحيى مدير ديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعلى غير العادة سارع إلى إبداء موقف صريح من القضية، إذ أكد أنه مع إعادة تطبيق حكم الإعدام، مؤكدا على أنه سبق أن رفع هذا المطلب في مؤتمره الاستثنائي سنة 2007.
ويقول الكريم مهني النائب في البرلمان عن التجمع الوطني الديمقراطي إن حزبه لم ينتظر مقتل الطفلة نهال ليطالب بالعودة إلى تنفيذ حكم الإعدام، ليس فقط ضد قتلة الأطفال، وإنما ضد المجرمين الذين يعتدون عليهم جنسيا، وكذا ضد المتورطين في الإتجار بالمخدرات، مشيرا إلى أن الأمين العام للحزب أحمد أويحيى تحدث عن هذا المطلب في المؤتمر الاستثنائي للحزب سنة 2007.
واعتبر أن نواب حزبه في البرلمان على استعداد لمناقشة وتمرير أي مشروع قانون تأتي به الحكومة في هذا الموضوع مع افتتاح الدورة البرلمانية الخريفية المقرر أن تبدأ في الرابع من سبتمبر/أيلول المقبل، وأن قانونا مثل هذا إن جاءت به الحكومة سيجد الدعم والقبول من لدن الكثير من النواب ليس فقط نواب التجمع بل نواب الأحزاب الأخرى، بما في ذلك الأحزاب المعارضة.
ونفى أن يكون الرجوع إلى تنفيذ هذه العقوبة هو تراجع عن المكاسب المحققة في مجال حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن الجزائر لا تقبل دروسا في مجال حقوق الإنسان، لكنها اليوم أمام ظاهرة تفاقمت وبلغت مستويات خطيرة، ولا بد من الرد عليها بقرارات صارمة. واعتبر أنه حتى وإن كان الإعدام لن يضع حدا نهائيا لظاهرة اختطاف وقتل الأطفال، إلا أنه كفيل بتقليصها بنسبة 80 في المئة، وأن ذلك سيضاف إلى الجهود التي تبذلها أجهزة الأمن من أجل الكشف عن هؤلاء المجرمين، وتحرير الرهائن، وهو الأمر الذي نجحت فيه كثيرا، لكن تبقى الظاهرة قائمة، باعتبارها شكلا من أشكال الجريمة الجديدة التي لم يكن المجتمع الجزائري متعودا عليها، ولا حتى أجهزة الأمن، وأنه بعد سنوات الإرهاب سيكون من الضروري التأقلم مع أشكال الجريمة الجديدة التي استشرت في المجتمع، والتي لا يمكن القضاء عليها إلا بتظافر جهود الجميع.
ودخلت الأحزاب الإسلامية على الخط، خاصة وأنها تعاملت مع مطلب تفعيل حكم الإعدام من زاوية إيديولوجية، إذ قالت حركة مجتمع السلم «إخوان الجزائر» إن تعطيل عقوبة الإعدام، لأسباب تتعلق بضغوط خارجية، يعتبر استفزازا للشعب الجزائري، لأن الإسلام دين الدولة في الجزائر، والقصاص شرعه الله لمثل هذه الحالات، معتبرة أن مطالبة شرائح واسعة من المجتمع الجزائري بالعودة إلى تطبيق حكم الإعدام أمر طبيعي، لأنه ينسجم مع هوية الشعب الجزائري المسلم، وأن من الضروري المسارعة بتطبيق حكم الإعدام في حق قاتل أو قتلة الصغيرة نهال، وأن نواب الحركة دافعوا خلال مناقشة مشروع تعديل قانون العقوبات عن تفعيل حكم الإعدام مجددا عقب تزايد الجرائم التي تستهدف الأطفال، كــمـا أن الرادع الوحيد لهذه الجرائم البشعة هو تطبيق حكم الإعدام.
من جهتها رفضت لويزة حنون زعيمة حزب العمال «تروتسكي» السير في درب المطالبين بتنفيذ حكم الإعدام مجددا، مشددة على أن العودة إلى هذه العقوبة لن يحل معضلة اختطاف واغتيال الأطفال التي استشرت وانتشرت بشكل مقلق في السنوات القليلة الماضية.
واعتبرت أن اللجوء إلى الأحكام الانتقالية هو سمة الدول الفاشلة، داعية الذين يستثمرون في مأساة الطفلة نهال، لشحن الجماهير والمطالبة بتفعيل حكم الإعدام بالتوقف عن ذلك، لأن حكم الإعدام إذا نفذ لا يمكن تصحيحه أو التراجع عنه، في وقت ما زالت فيه الأخطاء القضائية لا تعد ولا تحصى.
وشددت على أنه لو كان حكم الإعدام كافيا وكفيلا بوقف الجريمة، لكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد خلت من الجرائم، علما وأن الكثير من ولاياتها ما زالت تطبق حكم الإعدام.
هاشتاغ «الإعدام لخاطفي الأطفال» يغزو شبكات التواصل في الجزائر
تجدد النقاش في الجزائر حول تطبيق عقوبة الإعدام على خاطفي الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي، مباشرة عقب إعلان الجهات القضائية أن الأشلاء التي عثر عليها مؤخرا تعود للطفلة نهال ذات الأربع سنوات، مصحوبا بدعوات بتطبيق هذه العقوبة المنصوص عليها في القانون الجزائري لوضع حد لظاهرة اختطاف الأطفال كما جاء في موقع «سي ان ان».
وأعاد رواد فيسبوك بعث هاشتاغ #الاعدام_لخاطفي_الأطفال من جديد، بعد إطلاقه في حوادث مماثلة لقضية نهال، على غرار قضية ياسر وسندس وشيماء وهارون وإبراهيم ورمزي وغيرهم، ممن اغتالتهم أيادي الخاطفين، مطالبين بتطبيق عقوبة الإعلام على مختطفي الأطفال ليكونوا عبرة للآخرين وبغية وقف تنامي هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع الجزائري.
وتعاطت بعض الصفحات مع الموضوع بصيغ مختلفة، كما هو الحال مع صفحة «123 فيفا لالجيري» التي أوردت في منشورها حزمة من التساؤلات مفادها «إلى متى السكوت؟ إلى متى قتل البراءة؟ إلى متى يبقى المذنب دون عقاب؟ متى سيطبق حكم الإعدام؟ هل سنبقى بين مطرقة الاختطاف والاغتصاب والقتل للبراءة وسندان منظمات حقوق الإنسان اللعينة؟».
وكشكل من أشكال التضامن، دعت صفحة «حوادث المرور في الجزائر» في تدوينة لها الجميع إلى تغيير صورته الشخصية وتعويضها بصورة نهال مع الدعاء لها، موجهة نداء للإعلام الجزائري للوقوف مع قضية نهال وذلك بالتفاعل مع مطالب الشعب الجزائري الرامية إلى تطبيق عقوبة الإعدام «حتى يُشفى غليل أهل نهال ويتم إعدام المختطفين».
ولم تقتصر الحملة فقط على المدنيين، فقد انخرط فيها أيضا عناصر من أفراد الأجهزة الأمنية من شرطة ودرك وجيش وذلك بنشر صور لبزتهم العسكرية مرفقة بتعليقات تطالب بتطبيق الإعدام وهو ما يظهر بشكل جلي في صفحة «المفرزة الخاصة للتدخل الدرك الوطني الجزائري» التي كتبت أن «الدرك الوطني وجميع القوات الأمنية مع تطبيق قانون الإعدام لخاطفي الأطفال».