الجزائر وعقدة «أصحاب الجوازات»!

مازحني صديق قبل فترة وجيزة بأنني خسرت فرصة توليّ منصب مسؤولية عليا في الجزائر بحكم امتلاكي جوازاً أجنبيا، لأن الحكومة سنّت قانونا يمنع مزدوجي الجنسية من تقلد مناصب عليا في الدولة.
مازحت صديقي قائلا: «فليكن، الجزائر هي الخاسرة، لأنها ستُحرم من قدراتي ومواهبي ونبوغي»!
أستند في قولي هذا إلى خطاب جاهز يتردد في الجزائر، رسميا وشعبيا، عندما يراد التباهي بـ«التفوق» الجزائري في الخارج، فيقال: كفاءاتنا في الخارج.. صحافيونا الذين يصنعون أمجاد الإعلام العربي والأجنبي، الأطباء الجزائريون المتفوقون على أطباء العالم، الطيارون الجزائريون الذين يحققون المعجزات في سماء الآخرين، وغيره من الكلام المشابه الذي يرقى بعضه إلى حد الأسطورة!
لكن هذا الخطاب (المتجذر) والذي يُستخرج عند الحاجة وحسب الحاجة، يقابله القانون الجديد ليشكلا وجهين لحالة تمزق وانفصام تعيشها الجزائر.
كيف لحكومة تدّعي أنها تتجه نحو الانفتاح وإصلاح قوانين الأحوال الشخصية فتشرّع حصول أبناء الجزائريات المتزوجات من أجانب على جنسية أمهاتهم، أن تسنّ قانونا يحرم مزدوجي الجنسية من تقلد مسؤوليات عليا؟ كأنها تقول لهؤلاء الأطفال: طيب، نمنحكم جنسية أمهاتكم لكننا سنظل نعتبركم غرباء لأنكم تحملون جنسية آبائكم أيضا!
وكيف لبلاد لا تتوقف عن الاحتفاء بـ«جاليتها» في الخارج، وتنشئ لها الوزارات لترعى شؤونها، أن تمنع حكومتها هاته الجالية، ونسبة معتبرة منها تحمل جنسيات ثانية، من تولي مناصب في الدولة؟
الجزائريون في الخارج اصبحوا موضوع نقاشات مثيرة في الداخل، سياسيا واجتماعيا وثقافيا. علاوة على أنهم موضوع استثمار سياسي من أكثر من جهة، هم موضوع موقف (من الآخر) يمتزج بين الغيرة والشفقة، وأطفالهم محل تساؤلات وفضول وربما شفقة.
قبل عقود مضت، قريبة زمنيا من فترة الاحتلال الفرنسي والاستقلال عنه، ارتبطت الغربة والاغتراب في أذهان الجزائريين بفرنسا لأنهم كانوا يهاجرون إليها دون غيرها. كثيرون جدا منهم امتنعوا عن حمل الجنسية الفرنسية مدفوعين بمواقف سياسية وإدارية، وحتى نفسية وأخلاقية على الصعيد الفردي، واجتماعية على الصعيد العام لأن التجنس فرنسيا كان آنذاك مرادفا للخيانة. أيضا كانت الجزائر مصدر أمل وثقة في حكامها وفي مستقبلها، ما يعني تلقائيا تراجع حلم التجنس في اولويات شعبها.
اليوم، عندما أصبحت الجزائر في قبضة لصوص وفاشلين ومنظومة حكم عقيمة سارت بها إلى حفرة سحيقة، تغيّر الفهم وتبدلت نظرة الناس فأصبح حمل جنسية أجنبية حلما يا لحظ ما تحقق له!
لكن، وهذا قد لا يدين مباشرة الحكم الجزائري، هناك ظروف أخرى فرضت نفسها على العالم جعلت حمل جنسية ثانية جزءا أساسيا من حياة الشعوب في الثلاثين سنة الأخيرة. سنوات حركة الشعوب واختلاطها وتزاوجها، فترتب عن ذلك بالضرورة تجنس ملايين الناس خارج بلدانهم الاصلية، وبالخصوص أولئك القادمين من الجنوب والشرق.
وعليه لم تعد الوطنية مرتبطة بالجنسية الأصلية. لكن في بلد كالجزائر تروج السلطات الحاكمة، أن الانتماء للوطن يعني حمل جنسيته دون سواها. هذا الاعتقاد الذي يُبذل جهد كبير لترسيخه، يصب في اتجاه أن حمَلة الجوازات الأجنبية، إلى جانب الجزائرية، أقل وطنية ممن لم تتح لهم فرصة حمل جواز أجنبي، أو أُتيحت لهم واختاروا عدم حمل جواز ثان (وهم قلة قليلة جداً بلا شك).
ما تفعله الحكومة الجزائرية بقانونها الجديد تُشتم منه رائحة سياسية كريهة. وهو مجرد عبث سياسي وقانوني. فسنُ قانون كهذا لا يُغيّر شيئا من المأساة التي أصابت البلاد والمجتمع لأن الوطنية وحب البلاد لا علاقة لهما ولن يتأثرا بحمل جنسيات بلدان أخرى آوت آلاف الجزائريين في أحلك الظروف. وحمل الجنسية الجزائرية وحدها لا يعني بالضرورة انتماءً ناصعا للبلاد، ولا يجب أن يشكل صكا على بياض لأحد. فلا دليل على أن الذين ينهبون أموال الجزائريين ويستثمرونها في الخارج هم من أصحاب الجنسيات المزدوجة.
منذ أكثر من 15 سنة تشكلت عندي قناعة ذكرتها سابقا وأعيدها اليوم لأنها ما فتئت تترسخ لديّ: لكي تحب الجزائر أكثر، يجب أن تخرج منها. في الداخل (بما أن تقسيم هم ونحن، الداخل والخارج، بات مطلوبا!) يمضي الجزائريون يومهم يشتمون ويلعنون «بلاد ميكي» و«الغاشي الراشي» و«البلاد المدعية بالخلا». أما عندما يستقرون في الخارج ويبدأون في النظر إليها من بعيد وخارج طاحونتها اليومية، فتهدأ نفوسهم ويتصالحون معها. ويترافق هذا التصالح مع شعور يتجذر بسرعة هو مزيج بين الحسرة والشفقة والوجع.
المطلوب عاجلا أن ينتبه عامة الجزائريين إلى ديناصورات السياسة الذين يستثمرون في تقسيم الناس: هم ونحن، الذين غادروا والذين ضحوا وفضلوا البقاء.
أحد هؤلاء رجل اسمه أحمد أويحيى، مدير مكتب رئيس الجمهورية، قال في مؤتمر لشبان جزائريين منتصف الأسبوع الماضي إن «أصحاب الجوازات والإقامات» (في الخارج) «يريدون ضرب استقرار الجزائر». هكذا ليزيد من تلوث عقول لا تحتاج إلى مزيد. بينما الاستقرار الحقيقي مضروب منذ، وطالما، ابتُليت الجزائر بهذا الرجل في مواقع اتخاذ القرار.
لم تكن الجزائر بحاجة إلى اختلاق مشكلة حول «مغتربيها» لتضيفها إلى قائمة معضلاتها الكثيرة.
٭ كاتب صحافي جزائري

الجزائر وعقدة «أصحاب الجوازات»!

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية