لا تضيف شاشة «الحقيقة الدولية» جديدا وهي تحاول التحدث برامجيا عن الجدل الثقافي الفكري الذي يجتاح النخبة الأردنية هذه الأيام تحت يافطة «العلمانية والإسلام السياسي» بعد مقال جريء للكاتبة والشاعرة زليخة أبو ريشة بالغت وتورطت فيه ببعض التعميم وهي تتحدث عن ما يجري في مراكز تحفيظ القرآن الكريم في المملكة الأردنية .
بعض الذين حاولوا الرد على أبو ريشة أفرغوا كل محتويات حقدهم الدفين على الآخر وتحملت السيدة ما يمكن وصفه بنتائج حوار الطرشان، خصوصا على وسائط التواصل الإجتماعي .
لا يمكنك في الأردن مناقشة ما تفعله وزارة الأوقاف وكأنها تدار من قبل ملائكة وليس بشرا مثلنا يمكنهم التورط بخطأ، وبالضرورة يستطيع أي كان تخوينك وتكفيرك بمجرد السعي لمناقشة من يتقصمون هيئة الدفاع عن الدين .
الشتائم التي وجهت لأبو ريشة وللدكتور مروان المعشر لأنه دافع عن حقها في قول رأيها تشعرني شخصيا بالخجل، وبأن رحلتنا طويلة جدا وشاقة عندما يتعلق الأمر بثقافة الإختلاف.
قد لا أساند ما قالته أبو ريشة، ولكن التحدث عن طولها ووزنها وأصلها وفصلها وحياتها الجامعية والخاصة هي حجة الضعيف البائس، الذي لا يستطيع مناقشة فكرة .
صدقية المعشر
وأنا متأكد أن آخر تهمة يمكن أن تلقى بوجه شخصية من وزن الدكتور المعشر هي إنطلاقه في الرأي من قواعد طائفية فأنا أصوت لحكومة كاملة بوزراء من طراز المعشر لأنه أصدق وأوضح من عشرات المسلمين، الذين أعرفهم ويعملون بالسياسة والإفتاء .
ما قالته أبو ريشة بخصوص حصول أخطاء في إدارة مراكز التحفيظ القرآنية التابعة لوزارة الأوقاف سمعته شخصيا من وزيرين سابقين للأوقاف ومن ثلاثة وزراء في الحكومة الحالية لا يعجبهم الحال.
التحدث عن فساد في إدارة مركز وقفي لا يعني الإساءة للدين – ولا سمح الله للمقدسات الدينية – وهناك العشرات من علية القوم الذين يشاركون أبو ريشة برأيها وتقييمها والفارق الوحيد أنها «حرة فعلا وأكثر جرأة «.
الإسلام السياسي لديه بعض المشكلات الجوهرية، والإرهاب بإسم الدين يسيء للأمة كلها أكثر بكثير من العلمانيين، الذين يبالغ بعضهم في هجومه غير المبرر على كل مظهر ديني وبصورة تقترب من الإرهاب الفكري. أعلم شخصيا وبالملموس بأن بعض الذين شتموا أبو ريشة ووجهوا لها اتهامات مخجلة باسم الإسلام لا علاقة لهم بالإسلام ولم يمروا من جانبه بقدر ما هم جهويون وعنصريون وإقليميون وجهلاء في الكثير من الأوقات.
باراك بالزي الإسلامي
لا تقل في رأيي الشخصي نسبة البؤس الجذري عند الذين إحتفلوا بالصور التي تظهر الرئيس باراك أوباما بزي إسلامي عنها عند أولئك الأمريكيين الذين بالغوا في نشر تلك الصور على أساس أن أوباما «مسلم سرا»!
تفاجئني محطة «فوكس نيوز» التلفزيونية الأمريكية وهي تخصص برنامجا متكاملا للتحدث عن جذور المسألة، حيث إرتدى أوباما وهو شاب يافع زيا إسلاميا وهو يشارك في حفل إجتماعي لأحد المسلمين بشبابه .
محطة «العربية نت» تصدت للمسألة أيضا وأبرزتها، وأستغرب إثارتها من قبل بعض المعلقين على أساس أن أوباما «المسلم» رجل محاصر ومحارب بسبب خلفيته الدينية .
الفاسدون في العالمين العربي والإسلامي والطغاة والظالمون واللصوص أيضا يرتدون زيا إسلاميا ويرددون آيات من القرآن الكريم… هي فانتازيا بكل معنى الكلمة.
تركيع الفلوجة
تعودنا عند مشاهدة برنامج «حديث الثورة» على محطة «الجزيرة» أن نشاهد وجوها مصرية فقط ونلتقط حوارات ممتعة أحيانا ومضحكة أحيانا أخرى من الضيوف المصريين تتحدث عن الثورة والإنقلاب في مصر.
تغيرت المعطيات فجأة فظهر البرنامج نفسه بمقدمه المصري ليتحدث عن ما يجري في العراق، وتحديدا في «الفلوجة»… لوهلة إرتبكت شخصيا فما أعرفه أن البرنامج يخص مصر حصريا، فيما كان الملف العراقي الأبرز في حلقات «ما وراء الخبر».
في الأحوال كلها عنوان الحلقة الأساسي التنكيل في الفلوجة بعد مغادرة تنظيم «الدولة» منها بموجب السلطات العراقية… ثلاثة ضيوف الأول واضح أنه سني ويتحدث عن تحالف بين المجموعة الشيعية النافذة في الحكم العراقي والأمريكيين لإخضاع وتركيع الفلوجة، عقابا لها على موقفها المقاوم للإحتلال الأمريكي.
الضيف الثاني حقوقي شيعي بوضوح يصر على حصول إنتهاكات ومخالفات فردية ضد أهالي الفلوجة.
أما الثالث فهو مسؤول في منظمة «هيومن رايتس ووتش» لم يستمع له الجميع وهو يصرخ بأن الوقائع الفظيعة، التي رصدتها منظمته حصلت أصلا بعد مغادرة تنظيم»الدولة»، ثم طرح سؤاله المحرج على زميله الحقوقي العراقي: قل لي… كيف يحتجز فرد واحد 600 مواطن معا في الفلوجة بدون تواطؤ الجيش؟!
في تقديري المشهد كان واضحا للغاية في الفلوجة لتدميرها ومعاقبة أهلها على اختطافهم من قبل تنظيم الدولة من اللحظة، التي وقف فيها نوري المالكي إلى جانب قاسم سليماني على بوابات المدينة، فيما كان «الحشد الشعبي» يرقص ويحتفل.
القصة لا تحتاج لبرنامج باسم «حديث الثورة»، وإن كانت رسالة «الجزيرة» واضحة وهي تتخفف من الشأن المصري، فـ»الحشد الشيعي» هو النصف الثاني لتنظيم الدولة والأمة برمتها، وليس أهل الفلوجة فقط عالقة بينهما.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين