■ لم يكن فلسطينيا، كان الرجل بريطانيا بحتا، افترش العراء أمام مبنى مجلس العموم البريطاني، فنصب خيمة من الكرتون يعلوها علم فلسطين ولافتات تدين الجرائم الاسرائيلية، متظاهرا بالعلم ومرابضا في جبهة الخيام، مطالبا المجتمع الدولي بالتحرك من أجل قضية إنسانية يعتبر الصمت عليها عارا!
كنا نمر به لنسلم على بلادنا، ولنتأكد أن في الغابة متسعا للآلهة والعصافير، كما للأبالسة والوحوش! رحل هذا الفلسطيني الذي لم يكن فلسطينيا، حسب الوثائق الرسمية المعترف بها دوليا، ولكنه رحل بعد أن استيقظ البرلمان من موته متأخرا. كنت في القطار لما تناولت خبرا نشرته صحيفة «المترو» البريطانية، عن رحيل صاحب أطول اعتصام في التاريخ، مررت بالمكان لأرى كيف يبدو بعده، فلم أعثر به سوى على فلسطين، التي كرس حضورها غيابُ الرجل، ولكنني تذكرته وأنا أرى مجلس العموم البريطاني يستعير من قبره علم الخيمة ويرفعه تحت سقف القبة!
النيماتودية
أتذكرون لما كنا نجن وتطق عروقنا غيظا من تصريحات المجتمع الدولي والأمم المتحدة التي تجنح للتعويم، أو الانحياز لدولة الجريمة الاسرائيلية؟ أتذكرون كيف كنا نقيم الدنيا ونقعدها لما نرى الطواويس السياسية تمنح اسرائيل حق الدفاع عن النفس في مواجهة الإرهابيين الفلسطينيين؟!
أتذكرون لما سننا أقلامنا كشفرات حلاقة مستعملة ونحن نلعلع ونردح مطالبين هؤلاء ولو بإدانة واحدة واعتراف صريح ومباشر بخطورة وفظاعه الانتهاكات الاسرائيلية! كل هذا ذهب أدراج الرياح بمجرد أن تحقق لنا ما أردناه، سرعان ما غيرنا موجة اللعلعة لنهرول بأقدام مبتورة نحو إدانه مطالبنا بحجة رفضنا للعب الكلامية والبهلوانيات السياسية، فسبحان مغير اللعلعات!
أسعفنا الموقع الالكتروني الخاص بمجلس العموم البريطاني لمتابعة ما تعذرت متابعته على «الجزيرة مباشر»، لبعض ما شاب الترجمة ربما من ارتباك أو اختصار اقتضته حاجات النقل الحي على الهواء، والذي لم تلق له الفضائيات الأخرى بالا، فلديها من برامج «لهشك بشك» وحفلات الدم ما يغني ويفيض عن حاجة المائدة!
في المجمل يمكن اختصار أهم ما ورد في تصريحات رجالات البرلمان في النقاط التالية:
1 – أن يدين برلماني إنكليزي الخطاب السياسي لبلاده الذي يتذرع بعدم احترام حماس للسلطة وعدم كفاءة السلطة لتولي مسؤولية دولة تمزقها الافتراقات الحزبية، ويستشهد بالعصابات الصهيونية التي كانت تتقاتل في ما بينها عند إعلان الدولة اليهودية، أمر لا تجب الاستهانة به.
2 – أن يعتذر برلماني آخر للشعب الفلسطيني لأنه كان صديقا لاسرائيل، ولم يكن يعرف حقيقة ما ترتكبه من جرائم قبل وصوله رسالة من شاب فلسطيني يطلعه فيها على هول المعاناة ويستعرض جوانب القهر والظلم والكبت التي يعاني منها فهذا ما لم يكن يجرؤ عليه من كانت عقدة الخوف والنفاق هي الاعتبار الوحيد لضمان راحة ضميره السياسي في دهاليز المناصب الرفيعة!
3 – وإن رأى أحدهم أن اسرائيل ارتكبت خيانة عظمى لبريطانيا التي دعمتها، مبطنا اتهامه بعلاقة اسرائيل بأمريكا واستغنائها عن الملعب البريطاني، قد حمل في طياته ندما ضمنيا على إرث الوعد المشؤوم، يصب في كل تأويلاته في صالح الطرف الفلسطيني، ما دامت السياسية لعبة ورق، وعلى اللاعبين استغلال الحظوظ الطارئة للدخول في اللعبة من خلال ورقة اليانصيب!
الجلسة كانت حقيقية، لأنها استعرضت كل ما كان مسكوتا عنه، ومختنقا تحت أفواه مكممة، وجاءت تلبي ضرورة الخروج عن قاعدة الانحياز للمجرم ونقل الكرة من ملعبه إلى ملعب الضحية، لتسجل الهدف الذهبي في المباراة الإعلامية الأطول في التاريخ، لأنها وعلى مرأى العالم لم تخضع لرقابة تقص ما لا يروق لأصحاب الكمامات الواقية من الاعتراف بالضحية، وهو ما كان يشكل لنا عقدة تاريخية، في حربنا مع ترسانة إعلامية دولية تغير الأدوار وتضع القاتل في خانة المقتول، فلماذا إذن نخرج من جحورنا الصحافية لنلقي بكل احتجاجاتنا في سلة القمامة، بحجة رفضنا للهايات الأطفال وأمصال التخدير الكلامي؟!
مراسلة «أ ر تي» في لندن اعتبرت الحدث تاريخيا ومشحونا بنفس عاطفي لم يشهد له التاريخ مثيلا، وقناة «فلسطين» اكتفت بإعادة بث خطاب الريس في مؤتمر إعادة إعمار غزة من أجل تدميرها، والعضو غير المراقب الذي اعتبره موقع «بي بي سي» البريطانية في تقريره الصادر بتاريخ 30-11-2012 شهادة ميلاد حقيقية لفلسطين وأن كان رمزيا حسب تعبير مراسلتها يولاند نيل، هو العضو المتجمد الذي لن تخرجه من الثلاجة نتيجة التصويت بقدر ما ستفعله إرادة أهل الضحايا بالتوجه للمحكمة العليا في بريطانيا ورفع قضايا جرائم حرب على الصهاينة، وعدم انتظار الريس لنغنشة العضو العاطل عن القيام.. بمهامه وواجباته ال.. ال.. الطبيعية، فأين اللبيب الذي من التلويح بالعضو.. يفهم؟!
لسنا بحاجة لإقامة الأفراح والليالي الملاح على طريقة مخاتير السلطة في القرية السياحية: فضائية «فلسطين»، عندما احتفلت بالعضو، بل نحن بحاجة إلى رتق الثوب الفلسطيني الذي تمزق وعرى البلاد أمام مخاليق الله، فلم يبق من أسمالها البالية حتى ما يفي بغرض ورقة التوت في ستر العورات، فالنائب الإنكليزي الذي رأى في الاستيطان أفظع جريمة أو مجزرة كان يناهض تفشي الكائنات المجهرية التي تلتهم الأرض كديدان النيماتودا، وهي من اتخذ منها عباس شريكا للسلام! نلوم من إذن؟ كل ما علينا فعله الآن هو أن نرأف بالمجهر لأن النيماتودية خرجت من عينه لتفقأ عين القرى السياحية في الماخور الفضائي!
عد لما اعترف به وزير الدفاع الأمريـــكي «جيمـــس فوستل» في مذكراته حين قال: «الضغط الذي مورس على الأعضاء للتصويت لقيام الدولة اليهودية عام 1948، كان فضيحة» لتوقن أن العالم يتغير، وأن اعتراف «الهآرتس» الاسرائيلية بتاريخية القرار وأسبقيته، ثم إلحاقه بعد يوم واحد بخطوة إسبانية مثيلة حسب موقع «العربية»، يعتبر إنجازا لا ذنب للعالم بتقصيرنا في استغلاله!
غسل الصحون الفضائية
بصراحة أنا أحسد السيسي، لأنه لم يزل عريسا في ليلة الدخلة، فمنذ مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013 حتى ليالي الأنس في «القاهرة والناس»، والزفة شغالة على ودنه، إش إش يا عم مين أدك؟!
الغرابة أنه العريس الوحيد الذي يُحتفى به من غير الحاجة إلى عروس، ربما لأنه نبي وفرعون في وقت واحد، وقد لا تدري كيف يجمع الزمن بين الأنبياء وقتلتهم في شخص البرنيطة العسكرية، ولكنها المعجزة التي احتفلت بها القناة وهي تستضيف صحافية من فئة براعم، في زفة «قالولوا»، والتي كتبت هذا في مقالتها المدوية، وكان يبدو من حديثها أنها مرعوبة «يعني غير مقتنعة» بتشبيه الريس بالأنبياء لذا أصرت في كل مرة على اقتباسها لكل ما قيل عنه من أوصاف تمتع بها «خوفو» آخر أنبياء السلالة، فماذا تقول؟ لقد زوجوا الريس للمعجزة التي لم يزل البحث عنها جاريا، ثم احتفلوا بتفقيس معجزاتي بعد عملية تلقيح من طرف واحد تماما على طريقة الديدان المخنثة، فهل تلومهم؟!
نصيحتي لك أيها القارئ ألا تتابع «الجزيرة»، يكفيك فقط أن تتابع حفلات غسل الصحون الفضائية على «النايل سات»، لترى «الجزيرة» في كل طبق مصري، يستبسل في وصلات غسل انتحارية، ويعرج على ما تبثه «الجزيرة» في كل طنة ورنة، أنت في «الجزيرة» إذن حتى وأنت تشاهد تلفزيون مصر الرسمي، أما «الجزيرة»، التي أطلقت شرارة هذه الوصلات بعد عزل مرسي، تسلم الدفة للبيض المفقس في مولد «قالولوا»!
الضحك من غير سبب!
أجراد يوغرطة هو الجنون الذي كنا نبحث عنه في برامج يجب ألا يُختار لها سوى من يتمتعون بما يفوق الموهبة ليصل بها إلى مرتبة العباقرة تماما كما وصف وائل كفوي هذا الجزائري العبقري المجنون، الغريب في الأمر هو أن أحلام اختنقت من صوته كما علقت، وهو تعليق أصبح مستهلكا إلى درجة القرف، وليس في مكانه ما دام المجنون استطاع إجادة الغناء بالاختناق!
الظلم الذي يقع على بعض المتسابقين من التعليقات المتفذلكة هو نكسة نقدية وهزيمة إبداعية أمام إبداع وجده كفوري صعبا ولم يتمكن حتى من محاكاته!
أما الضحك المجاني الذي تحمل رايته نانسي عجرم، فهو بعيد كل البعد عن المعايير الأخلاقية والمهنية والجدية في تولي مسؤولية الحكم في برنامج شحذ له المتسابقون كل طاقاتهم وأحلامهم، ليحظوا بالوقوف في حضرة المشاهد ولجنة يفترض بها إدراك حجم المسؤولية المنوطة بها، وحجم الآمال المعقودة عليها، أما الضحك بلا سبب والسخرية من أحلام بهذه الطريقة فهو استخاف مبتذل لا يمكن أن ينم سوى عن تفنن باستفزاز رخيص، نجحت أحلام بالترفع عنه، وقد لا أدري ما سببه رغم أنني أدري، فكأن راغب علامة لم يزل يدير البرنامج بالريموت كونترول، كيف لا ومواطنته تنصاع للدور الذي عزل هو بسببه!
إن الضحك العصابي المهووس يضر بالجنون الإبداعي، وينم عن توتر نفسي وأزمة ذهنية لا تؤهل صاحبها لموقع المسؤولية، وتستلزم طرده من «وادي عبقر» وحرمانه من تعويذة سقراط!
٭ كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر