تَبني هدى حمد الحكايةُ رتْقا على فَتْقٍ، ووصلاً على فصلٍ، فَمِن التَشَظّي تلتئم صورة الرواية، ومن جنسين في الكتابة السرديّة تُقيم بناءً يأخذ من قصيرِ القَصص معنى، ومن الرواية معاني.
«سندريلات مسقط» روايةُ الجمْع والتقصيرـ الفارقُ بينها يفوق الجامعَ، فقد أقامتها السندريلا الراوية على شتاتٍ من الشخصيّات التي أَنْطَقَتْها وقَطَّعت حبلَ الوصلِ بينها إلاّ في ما ندر. هي روايةٌ تنحو منحى الجِدَّة في شكلِ البناء، وتدخل في ما برعت فيه الكاتبة من قدرةٍ على إثارة مشاغل المرأة وهواجسها.
وجهٌ آخر مُرَغّبٌ في الرواية أنّ عملت صاحبتها على الموافقة بين العجيب واليوميّ الاعتيادي، القابل للوقُوع، ذلك أنّ توظيف صورة السندريلا، لم يكن إعْمالا لآلة العجيب على وجهها المُطلق، ولم يكن أيضا إجراءً لما تحقّق من حكاية السندريلا، بل العكس تماما، فالسندريلا تَفَتّت وتَنَجَّمت وصارت سندريلات، لا يحملن من صورة السندريلا الأصليّة كبير أحوالٍ ولا وسيعَ أعمالٍ، ولا يرتبطن بأميرٍ يبتغين حسن رضاه، بل هنّ نافرات من ذلك، باحثات عن تحقّق وجوديّ وذاتيّ.
ترتبط السندريلات برجل جامع، هو الطبّاخ رامون، يُوحّد حكاياتهنّ، هو حبلُ النجاة بالنسبة إلى الذات الكاتبة، التي أَوْجَدَتْه لتُخْرج الحكاية من مقام القصّة القصيرة إلى مقام الرواية.
لقد اجتمعت السندريلات شأنهن شأن شهرزاد – ولكن دونما إكراه- حول الرجل، الخافتِ الصوت، يُوجِدنَه ليكونَ السامعَ المختلفَ، وسط جمْعٍ من الإناث، «وقبل أن تبادرن لتوبيخي، أودُّ إضافة شيء أخير. إن كان رامون استمع إلى الحكايات أم لا، فهذا لا يُغيّر شيئا البتّة. المهمّ أنّنا أوقدنا حكايات لم نقلها من قبل كما ينبغي. لقد قلتُ لرامون قبل أن ينضمّ إلينا ما قاله الثعلب للأمير الصغير عندما طلب تدجينه. قلتُ له: «يا رامون.. ينبغي أن تكون صبورا. إجلس على مبعدة مني قليلا. سأرمقك بطرف عيني، ولا تقل شيئا. فاللغة هي مصدر الخلاف. لكن بإمكانك أن تقترب مني شيئا فشيئا».
ثلاثة عوامل مهمّة وحّدت شتات أصوات الشخصيّات، ونقلت العمل من إطار التقطُّع القصصيّ إلى إطار الرواية، «رامون» جامع السندريلات الجنيّات، وموحِّدُ حكايتهنّ، الذي تبدو آثاره في فواتح الرواية، والشخصيّة الراوية التي يبدو صوتها وأثرها في البدايات والخواتم، إضافة إلى معطى معنويّ تشكّل في بناء الشخصيّة على التحوّل، واجتماع الشخصيّات الحاكيات على مبدأ اللّقيا، وقد تحوّلن إلى جنيّات، سندريلات.
لقد شكّلت «زبيدة» صوتَ الذات الراوية، الشخصيّة الجامعة المؤلّفة بين قلوبٍ شتّى وأصواتٍ جمّة، فصوتُها يعلو في بداية الرواية وفي نهايتها، أمّا الداخلُ، والحاصل بين البداية والنهاية فالأصواتُ عدَدٌ، كلّ شخصيّة لها صوتها، ولها ما ترويه، ومن تُبئّره، وتسلّط عليه عين النظر، وتخصّه بالحكاية، فالرواة شتاتٌ، متفرّقةٌ أصواتُهم، متعدّدةٌ مآتيهم، مختلفةٌ مشاغلُهم.
هي الشخصيّة الموحّدة التي يُمكن أن تشترك مع الذات الكاتبة في هَوسِها بالقصص، في توليدها للحكاية، في تحصيلها لبئر لا تنضب ممّا يُمكن أن يُروَى، فزبيدة هي السندريلا التي حافظت على «فردة» حذائها، معلنة أنّ الحكايات التي ما زلنا ننتظرها مقبلة، «امتدّ رقصي حتى ساعات الفجر الأولى، وأنا أصرخ لكلّ الأمراء الذين راقصوني مُتعمّدة ألاّ أفلت فردة حذائي هذه المرّة: «إنّ بئر جنيّاتي ممتلئة الآن يا عمتي مزنة، ولن أجفّ.. لن أجفّ».
هي التي تتداخل مع الذات الكاتبة، تُبين اختيارها للشخصيّات، وتكشف عمّا وراء الرواية من «ممكنٍ سرديّ»، وتدير القصص وتُوجّهه، وهي الخيط الرابط لما تفرّق من الشخصيّات، وهي التي تُدخل من الشخصيّات من شاءت، وتُخْرج من شاءت، فهي شخصيّةٌ من جهةٍ، تَروي حكايتها مع عمّتها مُزنة، وهي صاحبة الرواية في أغلب خطاب الرواية، أمّا الرؤية فهي متوزّعة على شخصيّاتها الأنثويّة، اللواتي يأخذن حريتهنّ في بيان الموقف من الأحداث والشخصيّات.
شتاتٌ من الشخصيّات الأنثويّة، تتوزّع متفرّقةً لتُشكّل كليّة المرأة العربيّة، في صِلاتها بجهاتٍ متعدّدة وفي طُرُق تفاعلها مع الوجود من حولها، «فتحيّة» البطّلة المتحوّلة، المنتقلة من عالم السمنة إلى فضاء الرشاقة والأناقة، تعاني من صورةٍ في بيت أبيها تسجّل ذكرى البدانة، «سارّة» وحكاية الموت الذي يقرف من العجوز، ولجوئها إلى تغسيل هذه العجوز على جهلها بذلك، «نوف» التي تقصّ حكايتها مع صدرها للمدلّكة ماسي، «ربيعة»، دائمة الركض، الموصولة برجل لا ينفذ إلى داخلها، ولا يغمرها بما تأمل، حوّلها إلى قطعة من البيت، إلى جزء منه، بدون إحساس أو تفاعل، «عليّ أن أكون ككل شيء في بيت رائد. بالغة الترتيب، ولمجردّ أن أكون شيئا غير هذا، تحدثُ حساسية مفرطة بيننا. حتى إن لم يتكلّم حول ذلك، كان وجهه ينمُّ دوما عن رُعب هائل من فكرة أني أتغيّر. ينقرُ بأصابعه الطاولة بتوتّر، لمجرّد أنّي أتحدث عن فكرة ما، عن شيء لم يكن مقترحا بيننا من قبل، عن رحلة، عن أصدقاء جدد، عن طفل.ياااه كم تؤلمني الآن فكرة أنني فقدتُ ذلك الطفل»، «تهاني» التي تتحوّل تدريجيّا، إلى خادمة في بيتها، بدءا بالانشغال التامّ بشؤون أبنائها، وانتهاء بكنس رائحة الخادمة من جسد زوجها، بعد معاشرته لها». الحقيقة أنّني لا أملك هذا الحق. سأقول شيئا أكثر سوءا من ذلك. «منذُ أن غادرت نانسي بيتنا وأنا أشعر بأنني أحلّ محلّها ببساطة. يوسف لا يريد أكثر من ذلك. خادمة مُطيعة ومُهذَّبة. تفعل كلّ شيء بإتقان وحذر. لا تضرب.. لا تصرخ، وتلتزم بحدود مساحتها، وفي المساء يمكن لهذا الزوج الطيب أن يتسلّل من غرفة بناته بعد أن يكون قد قصّ عليهنّ القصص إلى غرفتها، ويقضي بقيّة الليل معها.. إذن ما الفرق بيني وبين نانسي.. لا شيء البتة». و»ريّا» وتَحوّلُ علاقتها بالعجلة خصب، «عليّا» وقصّتها مع حكاية صديقتها بزيارة اليخاندو وآنا كريستينا، لبيتها، وأخيرا، زبيدة وصلتها بِوَلاّدة الحكايات العمّة مزنة.
شبكة واضحة من الشخصيّات النسائيّة اللواتي يكتسبن من السحر طاقةً تُفرّج عنهن، وتُلقي ما يحملنه من هموم وهواجس، السحر هنا ليس سحر التحوّل إلى جنيّة، وليس سحر «السندرلة»، بل هو سحر الحكاية وسرّ أثرها، إذ بُحن بما في نفوسهنّ وأفرغن ما في أجوافهنّ من تراكم حياتيّ وأبنَّ ما خفي ممّا يُثقل أنفسهنّ. حتّى «رامون»، المثقل بمجاهيلَ لم تُكشَف، والصوت المغيَّب إلاّ في مناسبات محدودة، والجهة التي صُنعت لِتَمَام الإصغاء والإنصات، يتحرّر من أثقاله، ويتحوّل، بعد فراغ الجنيّات من سرد قصصهنّ، «في ذلك الوقت كان رامون وعلى غير العادة يبتسم. لقد انجلى حزنه حقا. ها هو الآن يتحوّل إلى صائد أحذيّة حذق، بعدما تعمدت السندريلات ترك فرد أحذيتهن في أماكن من السهل اكتشافها».
يمتزج القابل للوقوع بالصورة العجائبية التي تستدعيها الذات الراوية، فيمتزج الواقعيّ بالخياليّ، لتشكيل خطاب مترسّخ في الواقع، مجنّح في الخيال، قوامُهُ نساءٌ مُتحدِّثات، متحقّقات في واقعٍ ما، داخلات في شؤون الحياة اليوميّة وتفاصيلها، من تربية أبناء، وخضوعٍ لمقتضيات الزوج، وإدراكٍ لخيانات ممكنة، باحثات عن هدوء نفسي ووجودي، وعن تحقُّقٍ مختلف يُخرجهنّ من العاديّ واليوميّ المُضجر، متحوّلات إلى جنيّات، يأخذن من السندريلا، صورة الانصراف قبل انتصاف اللّيل، تاركات من أحذيتهنّ أفرادا يَسهل العثور عليها، منتشيات بتحليقهنّ وبطيرانهنّ في شوارع مسقط.
تلك روايةٌ تشتّت مواضيعها، وتآلفت مقاصدها، وجمع أحداثَها وشخصيّاتها التحوّل وفق مستويات متعدّدة، هي روايةٌ تحوي نظرا ورؤيةً في طرق السرد، وفي ما يُمكن أن تسكت عنه المرأة وهي مدركة له، الحكايةُ داخل الرواية هي متنفّس المرأة وباعثها على التحليق والتجرّد من أعباء الحياة بتفاصيلها الجميلة أو المؤرقة.
٭ كاتب تونسي
محمد زروق