الجنتلمان الدمشقي وحكاياته المنسية: الأعيان ينتصرون في تدوين التاريخ السوري الحديث

يروم المؤرخ السوري سامي مبيض في كتابه «تاريخ دمشق المنسي: أربع حكايات 1916 ـ 1936» إلى إعادة سرد حكايا وقصص بعض أعيان المدينة في العقود الأولى من القرن العشرين، التي تميزت بكونها فترة تحولات كبيرة، ليس على صعيد دمشق أو البلاد وحسب، بل على صعيد الشرق الأوسط، خاصة مع سقوط الدولة العثمانية، ودخول الفرنسيين والإنكليز للمنطقة. وهو ما فرض على هذه النخب، التي تعلمت وعاشت وتلقت خبرتها الدبلوماسية في كنف الدولة المنهارة، أن تتأقلم مع هذا الحدث، من باب الواقع الجديد، وخلق فرص سياسية، وأحياناً كان الإرث العائلي والديني لها، يلعب دوراً في دفعها لأداء مهام ومغامرات عديدة، خاصة أن الحياة السياسية داخل المدينة، كانت تشهد تقلبات يومية، في ظل تصارع المشاريع بين القوى المحلية والاستعمارية.
«تاريخ دمشق المنسي»، عنوان قد يوحي للقارئ، بأننا أمام تاريخ جديد لمدينة دمشق؛ قد يكون تاريخاً للمهمشين فيها؛ للزوايا الصوفية؛ للثقافة الشعبية، أو ربما لتاريخ الطعام والخبز؛ لما لا، وهي تواريخ لم تحظ في الساحة الثقافية السورية بأولوية واهتمام يذكران في كتابات الباحث أو المؤرخ «المحلي»، وربما حتى على أجندة الجيل الأول من الباحثين الغربيين، ممن درسوا تاريخ سوريا الحديثة؛ إذ لم يتعاملوا إلا مع أعيان واقطاعيين، أما العامة، وكيف كانوا يعيشون حياتهم اليومية، وماذا كان يرتدون، وطبيعة البيوت والأحياء التي عاشوا فيها، كلها أمور لم تشغل حيزاً من تفكيرهم، وهو ما ينطبق حتى على كتابات هذا الجيل المتأخرة ( كتاب حنا بطاطو عن فلاحي سوريا)؛ أما إعادة النظر في هذه الأجندات البحثية، التي شهدها حقل الدراسات الغربية حيال سوريا خلال العقدين الأخيرين، جاءت من خارج هذا الحقل، مع الباحثين في العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية، الذين أبدوا اهتماماً في سنوات ما قبل الحرب ببناء مقاربات مختلفة، كما في حالة ليزا وادين «السيطرة الغامضة»؛ فعلى الرغم من أنها بقيت تعيش في عالم فوكو «السيطرة والمقاومة»، لكن الثيمة الجيدة في دراستها، هو ما كشفته عن نكت الناس المهمشين حيال السلطة، ويمكن الإشارة أيضاً إلى دراسة الأنثروبولوجية دان تشاتي حول حي الشعلان وتطور عمارته، والبدايات الأولى لتكون ما يسمى اليوم بسوق التنابل داخل هذا الحي.
كذلك يمكن أن نشير في السياق الباحث عن تاريخ بديل/اجتماعي لمدينة دمشق، إلى دراسة الأنثروبولوجية الأمريكية كريستيا سالاماندرا «عاصمة العفة» التي شملت لباس النساء «الشاميات» وسلوكهن، والأماكن التي يتناولن فيها الطعام، وأزواجهن؛ وأيضاً أعمال المؤرخة ليلى هدسون «الحجاب والهاتف المحمول في زمن بشار الأسد» التي حاولت من خلالها أن تدرس تاريخ الحجاب في سوريا خلال نصف قرن، عبر تتبع أشكاله ولحظات ارتدائه على امتداد ثلاثة أجيال داخل إحدى العائلات السورية، وكذلك كتابها «دمشق المتحولة: الفضاء والحداثة في مدينة إسلامية» وهو يتقاطع مع الفترة التي يتطرق لها سامي مبيض في كتابه، فترة تشكيل سوريا الحديثة.
وبالعودة إلى كتاب مبيض، نجد أن متنه، لا يُعنى بما أشرنا إليه، أو كنا نأمل ونمني النفس أن نجده بين ثناياه؛ فالمنسيون هنا، ليس العامة أو الناس العاديون (وفق تعبير آصف بيات)، بل بعض النخب السياسية/الاجتماعية التي هُمِّش دورها ليس على صعيد الحياة السياسية وحسب، بل ورمزياً أيضاً؛ إذ لم تأخذ حقها الكافي لاحقاً لا في كتب التاريخ ولا في الذاكرة الشعبية، وأحيانا ًما أسيء إليها كما حدث مع الرئيس محمد علي العابد الرئيس الأول للجمهورية السورية، الذي لم تسمع به أجيال سورية عديدة إلا من خلال شارع أو مطعم العابد الموجود في قلب المدينة. وغالباً ما صوره الوطنيون بعد الاستفلال، ولاحقاً القوميون بوصفه تابعاً لنظام الانتداب الفرنسي في سوريا.
إذن أبطال هذه الكتاب لم يكونوا هامشيين أو أبناء عائلات هامشية، بل من علية القوم. رغم ذلك، فإن ما وسم طابعهم الهامشي هو أن دورهم سرعان ما أُهمِل، وبات في ذاكرة النسيان؛ هنا لا يقطع مبيض مع أسلوبه ومنهجه في الكتابة التاريخية، وأعني كتابة التاريخ السياسي الذي بقي وفياً له ومنكبّاً عليه في السنوات الماضية عبر عدد من الكتب.
لكن ما يُثنى عليه في هذه المنسيات، أن مبيض لم يقتصر في إعادة تقميش حكاياتها على ما هو مدون في مذكرات بعض السياسيين الذين عايشوا تلك الفترة، أو الصحف، بل كثيراً ما يستعين بالأرشيف الفرنسي والبريطاني حول تلك الفترة، وهو أرشيف مليء بالتقارير والمراسلات اليومية عن الحياة السياسية واليومية في سوريا. إلا أن ذلك لم يجنبه الوقوع أحيانا في بعض الشطحات والمعلومات المبالغ بها، ففي تطرقه لأحداث 1860 ودور عبد القادر الجزائري في حماية المسيحيين داخل المدينة، يشير مبيض إلى أن «مجموعة من المرتزقة الهائجين هاجموا أحياء دمشق المسيحية، مستفيدين من الفوضى العامة، وقاموا بذبح ما لا يقل عن خمسة وعشرين ألف مسيحي». هنا لا يكشف لنا المؤرخ عن مصدر هذه المعلومة، على الرغم من أن عدد المسيحيين في خمسينيات القرن التاسع عشر كان يبلغ 14000! (ليندا شيلشر) كما نعلم أن المذابح لم تطَل كل مسيحيي المدينة.

حكومة الأمير سعيد الجزائري سبتمبر 1918

أربع منسيات تطرق لها مبيض في هذا الكتاب، الأولى عن حكومة الأمير سعيد الجزائري في سبتمبر/ايلول 1918؛ الثانية عن التجربة الفدرالية يونيو/حزيران 1922؛ الثالثة بناء جامعة دمشق في يونيو 1923؛ الرابعة جمهورية الرئيس محمد علي العابد. تروي المنسية الأولى ـ التي سنقتصر على ذكرها في هذا المقال ـ قصة الأسبوع الفاصل بين خروج العثمانيين ودخول الجيوش العربية والإنكليزية مدينة دمشق في نهاية الحرب العالمية الأولى. ورغم أن تلك المرحلة قد دُرِست بإمعان ودقة، مع ذلك يرى مبيض أن من تطرّق لها على مدى قرن كامل من الزمن قد تجاوز هذا الأسبوع المصيري من حياة دمشق، أو اختصره ببضع جمل قصيرة، متجاهلاً الأحداث الداخلية للمدينة ومُسقِطاً عن الدمشقيين شرف إنقاذ مدينتهم من الخراب والفوضى.
فقد شهد هذا الأسبوع أحداثاً جساما، تمثلت في انتشار النهب والسرقة في أرجاء دمشق، فما كان من أهالي المدينة إلا أن نهضوا، بمساعدة الأمير الجزائري ليمسكوا بزمام الأمور ويعيدوا الحياة والخدمات والأمن إلى مدينتهم بدون انتظار مساعدة من أحد، هاشمياً كان أم بريطانياً. بايع الدمشقيون الأمير سعيد حاكماً عليهم، وبذلك عطّلوا بشكل مؤقت وعود الإنكليز للشريف حسين بن علي بتعيين أحد ابنائه حاكماً على دمشق بعد مغادرة الجيوش العثمانية للمدينة.

عشرة آلاف جندي

لكن وبعد أسبوع من ولادة هذه الحكومة، دخلت القوات العربية والبريطانية مدينة دمشق بعشرة آلاف جندي، يقودهم الضابط الأسترالي الميجور آرثور أولدين، الذي سرعان ما توجه إلى فندق فيكتوريا ليرفع العلم البريطاني فوق ساريته، وليعتقل الحاكم العثماني جمال باشا وجميع رجالات الدولة، بدون أن يعلم أن جمال باشا كان قد غادر المدينة في الليلة الفائتة. فهناك ظهر له، عوضاً عن جمال، الأمير سعيد بطربوشه التركي الأحمر جالساً على مقعد شرقي مزين بالصدف الدمشقي، وسرعان ما بادره بالسؤال التالي: «لماذا دخلت شاهراً السلاح لمدينة مستقلة لها نظامها ولها تقاليدها؟ فاجاب الضابط: «دخلت بأمر من الجنرال أللنبي إلى مدينة يحكمها الأتراك لاحتلالها احتلالاً عسكرياً» فقاطعه الأمير سعيد مصححاً: «إذن ينبغي أن تعلم أنك على خطأ بقولك إنك دخلت لاحتلال مدينة تركية، وما كان ينبغي لك أن تدخل وجيشك إلى مدينة لها حريتها واستقلالها شاهرين سلاحكم في وجهها، ولولا أنكم تنتسبون إلى حكومة حليفة لما اعتبرناكم عندنا ولطلبنا منكم الانسحاب فوراً؟
سمع لورنس ما قاله الأمير، فتطاير غضباً منه ورغِب في وضع حد نهائي لدوره، معتبراً إياه جاسوساً ومغتصباً لحكم العائلة الهاشمية؛ فأرسل له ضابطاً بريطانياً يدعوه إلى مقابلته في مقره في فندق فيكتوريا، لكن سعيد رفض دعوته بحجة أنه متعب ويستعد للنوم الباكر.
وبقي الأمير، في الأيام التالية، يتجاهل دور لورنس، وعندما أدرك أن الأمور تميل باتجاه آخر، تقصّد أن لا يتنازل لأحد من الدمشقيين المقرّبين من بريطانيا من أمثال رضا باشا وشكري باشا، بل قام بتسليم مقاليد الحكم ومفاتيح السراي إلى الشربيق ناصر رسول الأمير فيصل لمدينة دمشق، منهياً بذلك أقصر فترة حكم عرفتها مدينة دمشق.
بعد هذه الحادثة، غدا حكم آل الجزائري للمدينة طي النسيان، كما عادت سيرة الأمير سعيد مجهولة لدى معظم الناس، إذ تعامل معه بعض المؤرخين بخفة وسخرية تامة. وقد حاول الأمير إنصاف نفسه عام 1968 عند نشر مذكراته، لكنها لم تنل الاهتمام المطلوب، كونها نُشِرت في الجزائر وليس في دمشق، وبسبب تاريخ صدورها، الذي جاء بعد أشهر قليلة من هزيمة 1967، لم يرغب أحد في تلك الأيام الصعبة مطالعة كتاب رجل عجوز من عصر بائد.

٭ كاتب سوري

 

الجنتلمان الدمشقي وحكاياته المنسية: الأعيان ينتصرون في تدوين التاريخ السوري الحديث

محمد تركي الربيعو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية