أنطاكيا ـ «القدس العربي»: ضجة كبيرة أثارها الشريط المصور الذي تم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي التركية والسورية منذ أيام، والذي أظهر كميات كبيرة من الدواء، قالت مصادر إعلام تركية إن قوات «الجندرما» ضبطتها داخل منزل يديره سوريون، يقومون بتوزيع الدواء بعد الحصول عليه تحت مسمى (دعم الشعب السوري) بهدف الإتجار به، إلا أنه وفي كل مرة ومع كل حادثة تظهر العديد من الروايات التي تتحدث عما جرى وسط تعتيم كامل من قبل وسائل الإعلام التركية على التفاصيل الكاملة.
«تم القضاء على العصابة السورية لبيع المخدرات في مدينة الريحانية التابعة لولاية هاتاي» هكذا عنونت مصادر الإعلام التركية تقاريرها المقتضبة عن الحادثة المرفقة بشريط مصور، يظهر كميات كبيرة من الأدوية، قالت ان معظمها «مسكنات قوية» تستخدم في العمليات الجراحية ويتم بيعها كمخدرات، في الوقت الذي تجاهلت فيه منشورات السوريين حول الحادثة، مسألة نوع الدواء واتهمت الأشخاص الذين تم القبض عليهم بـ «بيع أدوية مخصصة للمساعدات».
وقال محمد علي عبد القادر، وهو أحد السوريين في مدينة الريحانية لـ «القدس العربي» إن المنزل الذي تمت مداهمته يقع على الشارع العام في الريحانية وبالقرب من منطقة «دوار الشجرة» وذلك بعد إبلاغ أحد الأشخاص عن قيام شخص سوري ببيع دواء مهرب وبدون وصفة طبية، وقد تبين أن نوع الدواء الذي سيتم بيعه هو «الترامادول» وهو مسكن عام قوي جداً يستخدم في حالات آلام الأعصاب والعضلات وآلام العمود الفقري والتهاب المفاصل، كما يمكن أن يستخدم في علاج الآلام الناجمة عن الجراحة وهو مسكن ألم قوي جداً ويستخدمه البعض ويتعاطونه كـ «مخدرات» ويتم بيعه بأسعار باهظة، حيث يصل سعر الحبة أحياناً إلى 20 ليرة تركية أي بما يعادل 200 ليرة تركية للـشريط الواحد التي يحوي 10 حبات» وهذا بدوره ما شكل سبباً رئيسياً دفع الجندرما لاعتقال الخلية المكونة من ثلاثة أشخاص، اثنان منهم من مدينة ريف إدلب والآخر من ريف حلب (مجهول الاسم) حتى الآن». لافتاً إلى أن «عملية الاعتقال تمت بعد مراقبة المنزل ومن ثم مداهمته، حيث عثر عناصر الجندرما مع دورية أخرى للمخابرات التركية على كميات كبيرة من أدوية المسكن والالتهاب ذات التأثير الشديد وقامت بمصادرتها واعتقال الأشخاص».
يضيف: «الغريب في الأمر أن هذه الخلية تنشط في الريحانية منذ عام على الأقل وتقوم ببيع الأدوية على أنها سورية (مفقودة في تركيا) لمن يلزمه الأمر، إلا أنه تبين أنها تتاجر في الأدوية ذات المحتوى (الأفيوني) التي تستخدم كمخدرات، كما عملت على إرسال كميات كبيرة من الحبوب والأدوية المخدرة إلى الداخل السوري مثل (الكابتاكول والترامادول والمورفين) المستخدمة جميعها في العمليات الجراحية، مشيراً إلى أنه وبعد البحث تبين أن هذه الأدوية يتم إرسالها من قبل داعمين غربيين إلى سوريا، عن طريق هؤلاء الأشخاص الذين قدموا أنفسهم على أنهم (جامعو تبرعات طبية) لسوريا من أجل إجراء العمليات الجراحية في مناطق المعارضة، أي أن ما يتم سرقته فعلاً هو مساعدات طبية مخصصة لسكان في الشمال السوري، في الوقت الذي حول هؤلاء تلك المساعدات لتجارة رابحة تدر عليهم آلاف الليرات التركية يومياً.
أدوية من أجل الإجهاض
وعلى الرغم من تداول الخبر لأول مرة من قبل وسائل الإعلام التركية، فهي لم تذكر سوى بضعة أسطر مفادها ان قوات الجندرما والأمن داهمت مقراً لبيع الأدوية في الريحانية التابعة لإقليم هاتاي، المحاذي للحدود السورية جنوبا، وأن الدوريات واجهت أفراد العصابة في منزلهم وأنهم غير معروفين وأنها صادرت كمـيــات كبـيرة من الأدوية التي يتم (جمعها بشكل حر) وأن التحقيق ما يزال جارياً لحد اللحظة بعد اعتقال أفراد العصابة.
وأكد أحد السوريين وكان صيدلانيا، في سوريا قبل أن ينتقل للعيش في مدينة أنطاكية التركية في محافظة هاتاي، لـ «القدس العربي» معرفته بهؤلاء، لافتاً إلى أنهم كانوا يبيعون إلى جانب الأدوية المخدرة وأدوية الالتهاب أدوية من أجل الإجهاض، وهو إجراء محظور في الدولة التركية ويعاقب عليه القانون عقوبات صارمة وخاصة إن كان خارج المشافي الخاصة التي تتلقى مبالغ طائلة من أجل القيام بمثل هذه العمليات. مضيفاً أنه يستبعد مسألة أن الأدوية مخصصة لسوريا، مشيراً إلى أن هؤلاء على الأغلب تجار دواء ويعملون في التهريب في المنطقة الحدودية السورية من جهة مدينة «الريحانية» التي تجري فيها عادة عمليات تهريب في مختلف المجالات (البشر، الأدوية والبضائع) وغيرها.
وهذه الحادثة ليست الأولى أو الأخيرة من نوعها، فقد قام الأمن التركي باعتقال العديد من كوادر المنظمات العام الماضي وحقق معهم، كما عملت الحكومة التركية على إغلاق عشرات المنظمات، بعد انتشار فضائح تتعلق بتقارير حول عمليات اختلاس وتبييض للأموال وسرقة ونهب وتلاعب بالمواصفات من قبل أفرع منظمات دولية عاملة في تركيا والداخل السوري. حيث قال أحد التقارير الذي صدر عن مصادر إعلام أمريكية، إن الولايات المتحدة علقت عمل 14 هيئة وفردا في تركيا يعملون في مجال الإغاثة، وذلك بعد أن كشفت عن دلائل ملموسة حول تورطهم في عمليات تواطؤ وتلاعب في عدة مناقصات، بالإضافة إلى دفعهم للرشاوى المرتبطة بعقود تسليم مساعدات إنسانية إلى سوريا، فضلاً عن فصل العديد من موظفي المنظمات من بينها منظمات «إنترناشيونال ميديكال كروب» المعروفة اصطلاحاً باسم «إي إم سي» والإيرلندية «غول» و»انترناشيونال ريسكيو كوميتي» المعروفة باسم «آي آر سي» التي كان يديرها وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد ميليباند، إضافة لجرائم أخرى تتعلق بموضوع النزاهة في العمل والابتعاد عن الخبرة كركيزة أساسية للتوظيف وتسلط الواسطات على المؤسسات المشرفة والداعمة للسوريين، إضافة لمسألة بيع معدات طبية خصصت لافتتاح مستوصفات سورية في المدن التركية وغيرها من قضايا الفساد التي أحالتها المنظمات الداعمة للقضاء التركي، لتقوم الأخيرة على إثرها بشن حملات اعتقال بحق كوادر مكاتب المنظمات في تركيا وإغلاقها.
الفساد في المجال الطبي يتفشى
ولعل الفساد في المجال الطبي لم يقتصر على مؤسسات الدعم السوري في تركيا فحسب، بل طال العديد من المنشآت والمراكز الطبية في الداخل السوري وخاصة في المناطق التي تسيطر عليها فصائل مدعومة تركياً «درع الفرات». فحادثة وفاة الطفلة ريماس حموش، نتيجة الإهمال الطبي وتقاعس الممرضين في مشفى اعزاز النسائي ما تزال موضع جدل كبير، لا سيما بعد أن ردت إدارة المشفى على لسان الطبيب زكريا مبارك، مدير مشفى اعزاز النسائي على التقرير الذي نشرته «القدس العربي» حول الحادثة، والذي قال إن «ما يقوله والد الطفلة ريماس حموش المدعو أحمد حموش بحق إدارة المشفى وتحميله مسؤولية وفاة ابنته عارٍ عن الصحة، ونحن قدرنا ذلك وأرجعناه لحزنه على طفلته، حيث وحسب ما قاله مبارك في حديثه عن الحادثة فإن زوجة أحمد حموش وهي والدة الطفلة قدمت للمشفى في حالة نزيف غزير في تمام الثامنة صباحاً من يوم الحادثة، وقد تم إجراء فحص نسائي لها وتبين أن فحصها تام ومؤهلة للولادة بصورة طبيعية، ولكن (إصغاء الطفلة/نبضها/حركتها) لم يظهر على جهاز «الإيكو» وبدورنا في هذه الحالات نضع ذوي الطفل في (صورة سلبية عن الموضوع) ولكن بعد الولادة تبين أن الطفلة حية وتم تحويلها إلى الإنعاش وتقرر نقلها للحواضن، وكان المهم حينها هو (الأم/الزوجة) لكونها كانت تعاني من نزيف حاد قد يهدد حياتها لا سيما وأن الولادة مبكرة (الشهر السابع) وهنا تكون فرصة نجاة الطفل ضعيفة جداً حتى في أفضل المستشفيات لا سيما وأنها تعاني من حالة (انفكاك مشيمي) وهذا يهدد حياتها» لافتاً إلى أن الأسباب المحتملة لذلك هي إما (حدوث رض في البطن – أو ممارسة العلاقة الزوجية – إضافة لوفاة عدة أطفال للزوجة من قبل أي أنها معرضة لهذا الأمر) وما يؤكد صحة هذه الأقوال هو لجوء أم الزوجة مع ابنتها الأخرى (شقيقة أم الطفلة) إلى المشفى ذاته، فهل من المعقول أن يحدث هذا وتكرر الأم خطأها وتلجأ للمشفى ذاته؟» وفق تعبيره.
ويستطرد: «شرحنا الأمر للأهل ولكنهم أصروا على رفع الدعوى، وبعد رفعها تم استدعاؤنا ومثلنا أمام النيابة وأبدينا استعدادنا للتعاون التام وفتح المشفى أمام جميع الجهات الإعلامية والقضائية وغيرها لرؤية المشفى وجهد كادره، وتعهدت بتنفيذ جميع ما تقره المحكمة، وفي البداية تم تعيين الطبيب الشرعي لكنه لم يكن ذا اختصاص في مجال الأطفال بل اختصاصه (أذن – أنف – حنجرة)، وتم استئناف القرار وتشكيل لجنة ثلاثية جديدة ترأستها الطبيبة ريم فرعون العلي، وهي من أبرز أطباء النسائية على مستوى سوريا ككل، مع طبيبين آخرين من أبرز أطباء المنطقة، وبعد صدور نتيجة الخبرة لصالح المشفى جاء والد الطفلة واتهم إدارتها بدفع رشاوى للجان» مشيراً إلى أن «القضية مستمرة حتى الآن وأدت لأضرار كبيرة ووصلت لحد الحديث عن (الأعراض) ولا ندري هدف والد الطفلة من التشهير بنا هل هو المال أم بسبب حزنه على ابنته»، مؤكدا أن طبيب الأطفال في مشفى «الهلال الأزرق» وهو الذي يجب إحالة المريض عليه قبل تحويله إلى تركيا، أقر بما أوردناه في تقاريرنا وهو الطبيب أحمد يوسف، الذي قال الطبيب الشرعي الذي أداننا في التقرير الأول أنه حصل على المعلومات منه وفي النهاية حصلنا على تقرير من الطبيب يخالف ما جاء به تقرير الطبيب الشرعي».
وعلى الرغم من كل التبريرات التي قدمها المشفى، يصر والد الطفلة أحمد حموش على أن «جميع ما ذكرته إدارة المشفى غير صحيح، وأن الطفلة توفيت نتيجة لإهمال كادر المشفى الطبي، وأن آثار خدوش كانت موجودة على جسد الطفلة قبل نقلها إلى تركيا حتى أن القضية تمت لملمتها من قبل كادر المشفى بعد وساطات وضغوط ومحاولة التشهير بالرجل عبر وسائل التواصل الاجتماعي والعديد من الصفحات التي ما زالت تنشر عنه حتى الآن، رغم أن الإعلاميين الذين سعى للتواصل معهم كانوا في كل مرة يحاولون نشر الحادثة، تعمد إدارة المشفى فوراً للملمة القصة عبر تقارير الخبرة الثنائية (المزورة)».