من الصفحات الإشكالية في تاريخ العراق المعاصر صفحة انقلاب الجنرال بكر صدقي عام 1936، الذي يعتبر اول انقلاب عسكري في منطقة الشرق الاوسط.
والجنرال بكر صدقي (1886 ـ 1937) كردي ولد في قرية عسكر قرب مدينة كركوك، درس في الاستانة في المدرسية العسكرية وتخرج ضابطا في الجيش العثماني وقاتل مع الجيش العثماني في الحرب العالمية الاولى، ولم يكن ضمن الضباط الذين انشقوا او تمردوا على القوات العثمانية والتحقوا بالتمرد الذي اعلنه الشريف حسين بن علي شريف مكة ضد الدولة العثمانية، مثل الكثير من الضباط العراقيين الشباب، الذين قاتلوا برفقة الامير فيصل بن الحسين وشاركوا في تأسيس المملكة السورية، ثم المملكة العراقية.
كان بكر صدقي ضابطا مهنيا صارما تربى على تقاليد الطاعة العسكرية العثمانية، لكنه انضم إلى الجيش العراقي عند تأسيسه عام 1921 برتبة ملازم اول، وهنا تجدر الاشارة إلى أن قرين بكر صدقي وابن قريته الجنرال جعفر العسكري (1886-1936) مر بمراحل حياة بكر صدقي نفسها، إلا انه كان برتبة فريق ويحمل لقب باشا، وكان قائدا لجيش الامير فيصل عام 1916في معارك الشام، وهو الذي أسس الجيش العراقي عام 1921، فكيف حصل هذا الفارق؟ ولماذا كان الجنرال جعفر العسكري الضحية الوحيدة الذي اغتاله الانقلابيون في يوم الانقلاب؟ ربما لان الكثير من النقاط في سيرة الجنرال بكر صدقي العسكري ما زالت غامضة لم يكشف عنها التاريخ.
كانت حقبة الثلاثينيات في العراق حبلى بالاحداث، ابتدأت بتوقيع المعاهدة البريطانية – العراقية، التي اعتبرت امتدادا للانتداب، ثم حصول العراق على الاستقلال ودخوله إلى عصبة الامم في الثالث من اكتوبر عام 1932، ولكن وبعد اقل من عام توفي الملك فيصل الاول مؤسس المملكة العراقية في ظروف غامضة في سويسرا عام 1933، عندما كان هناك في رحلة علاج، تاركا خلفه الملك غازي الاول متخبطا في ظروف صعبة، فقد كان الملك الشاب (21 عاما عندما تولى الملكية) قليل الخبرة، كثير الاندفاع، يحدوه طموح يقوده إلى اتخاذ خطوات غير مدروسة في الوضع العراقي الشائك، وربما كانت اولى مهمات الامير غازي الاول، عندما كان نائبا للملك في غياب والده في رحلة العلاج عام 1933 هي معالجة ما عرف بالازمة الاثورية في التاريخ العراقي، إذ حصل تمرد كبير في مناطق سكنى القبائل الاثورية، التي لجأت إلى العراق عقب الحرب العالمية الاولى، وكانت هذه القبائل مقربة من البريطانيين لانها قاتلت مع الحلفاء في الحرب العالمية الاولى وتعرضت لبطش العثمانيين، ما حدا بها إلى الهجرة إلى ايران اولا ثم دخول العراق عندما كان تحت السيطرة البريطانية المباشرة عام 1919، وعندما تأسست الدولة العراقية عام 1921 منحت القبائل الاثورية التي كانت تعرف بـ (التياريين) النازحيين من منطقة حيكاري في تركيا الجنسية والمواطنة العراقية، وانخرط منهم قرابة 4500 مقاتل في قوات (الليفي) التي كانت تساعد في حفظ الامن ومساعدة القوات البريطانية في قمع التمردات التي حصلت في العـــــراق، وازدادت مطالب الاثوريين حتى انهم طالبوا عصبة الامم بوضع حل لهم ـ قبل دخول العراق إلى عصبة الامم ـ بحكم ذاتي في مناطق سكناهم شمال دهوك، وعندما ازداد التوتر بين حكومة رشيد عالي الكيلاني ووزير داخليته حكمت سليمان من جهة، وبين بطريريك الكنيسة النسطورية المار شــمعون، وعدم خضوعه لتهديدات الحكومة التي طالبته بانهاء التمرد، طلب وزير الداخلية من الجيش العراقي التدخل لقمع التمرد، وقد كان قائد الوحدة العسكرية التي قمعت التمرد الاثوري عام 1933، هــــو اللواء بكـــشر صدقي العسكري الذي ابدى وحشية مفرطة في التنكيل بالاثوريين، مقاتلين وعوائل، في ما عرف بمجزرة سميل، لكنه في نظر الرأي العام العراقي اصبح بطلا شعبيا، حافظ على وحدة العراق، بحسب ادعاء بعض الصحف العراقية الصادرة انذاك.
وتجدر الاشارة إلى أن حقبة الثلاثينيات كانت حقبة بروز الكاريزمات العسكرية التي تتسابق لبناء بلدانها وفق وجهات نظر بعيدة عن الحياة الديمقراطية والليبرالية، ففي شرق العراق كان الجنرال رضا خان ( 1878-1944) الذي عرف في ما بعد برضا شاه بهلوي الذي اطاح بالسلالة القاجارية واسس سلالة ملكية جديدة باسمه، وكان يسعى حثيثا لإدخال ايران إلى عصر الحداثة، ولو بالقسوة المفرطة في تطبيق القوانين، ومن الشمال كان الجنرال مصطفى كمال (1881- 1938) الذي عرف بكمال اتاتورك قد اطاح بالخلافة العثمانية واسس الجمهورية التركية الحديثة، وبالقسوة نفسها ادخل تركيا إلى عصر الحداثة، اما عالميا فقد برزت نماذج الجنرال موسوليني في ايطاليا والجنرال فرانكو في اسبانيا والفوهرر هتلر في المانيا والجنرال ميتاكساس في اليونان، كل ذلك جعل من الجنرال بكر صدقي يرنو إلى هذه التجارب بعين الاعجاب، وفي داخله امل يحدوه أن يكون كاريزما عراقية تبني تجربتها في بلد تتعثر فيه الديمقراطية الوليدة.
الملك الشاب غازي الاول مدفوعا بالرغبة في احاطته بشعبية مبنية على معاداة البريطانيين اشتغل على تقوية الجيش وزيادة عديده وعدته، فبعد تأسيس القوة الجوية عام 1932وفرض التجنيد الالزامي عام 1936وتشكيل الجيش وفق نظام الفرق العسكرية الحديث، كان نصيب الجنرال الطموح بكر صدقي في هذا التغيير هو قيادة الفرقة الاولى في الجيش ومقر عملها شمال العراق، وهنا تجدر الاشارة إلى أن اغلب الضباط الشريفيين خلعوا بزاتهم العسكرية واصبحوا رجال سياسة يتوزعون المناصب السياســـية في ما بينهم، ولم يبق منهم من احتفظ ببزته العسكرية سوى الجنرال جعفر العسكري، الذي كان وزيرا للدفاع عندما اطاح بكر صدقي بحكومة جنرال اخر ممن خلعوا بزاتهم العسكرية وهو ياسين الهاشمي عام 1936.
في صراع الساسة في هذه الحقبة المضطربة استعمل ياسين الهاشمي وحكمت سليمان زعماء العشائر العراقية في الفرات الاوسط، عبر اعلان التمردات العشائرية للاطاحة بحكومات منافسيهم السياسين (علي جودت الايوبي ثم جميل المدفعي) ليكلف الملك زعيم المعارضة ياسين الهاشمي بتشكيل الحكومة عام 1935، فما كان من الحكومة الا أن تطلب من الجنرال بكر صدقي أن يقمع تمرد عشائر الفرات الاوسط، وهنا احس الجنرال الطموح انه اللاعب الاهم في السياسة العراقية وجاءت الفرصة لينفذ حلمه.
وفي 29 اكتوبر 1936صباحا ابتدأت قوات الفرقة الاولى زحفها نحو بغداد، حيث كانت في مناورات في محافظة ديالى (50 كيلومترا شمال شرق بغداد) وبمساندة قائد القوة الجوية الوليدة حديثا العقيد محمد علي جواد الذي حسم الانقلاب بالقاء اربع قنابل على مقر الحكومة والبرلمان، فما كان من حكومة الهاشمي إلا أن تستقيل، ليكلف الملك غازي الاول حكمت سليمان حليف الجنرال بكر صدقي بتشكيل الحكومة، والمفارقة أن قائد الانقلاب لم يطلب إلا أن يكون قائدا للجيش (رئيس الاركان) وان يصبح زميله في الانقلاب الجنرال عبداللطيف نوري وزيرا للدفاع.
رحبت جماهير واسعة بالانقلاب، وقامت مظاهرات مؤيدة للانقلاب في اغلب المدن الرئيسة في العراق، وقد مثل اليسار الداعم الرئيس للانقلابيين ولكاريزما الجنرال بكر صدقي، اليسار بشقيه الراديكالي ممثلا بالحزب الشيوعي حديث الولادة (تأسس الحزب الشيوعي العراقي رسميا في 31 مارس 1934) واليسار المعتدل ممثلا بجماعة الاهالي برموزها كامل الجادرجي وحسين جميل وجعفر ابو التمن واخرين، حتى أن الشاعر محمد مهدي الجواهري القريب من اليسار حينها اصدر جريدة باسم «الانقلاب» وكتب فيها العديد من المقالات والقصائد التي تمتدح الانقلابيين،وقد صدر منشور باسم الحزب الشيوعي العراقي، في الاول من نوفمبر 1936 اعلنوا فيه تأييد الانقلاب، لكن شهر العسل هذا لم يدم طويلا اذ كانت الانتلجنسيا اليسارية تعتقد أن بإمكانها استخدام الجنرال الطموح في الوصول إلى التغيير، ثم اعادة العسكرالى ثكناتهم، لقد تم تشكيل (جبهة الاصلاح الشعبي) بين جماعة الاهالي والحزب الشيوعي، التي فازت باغلبية مقاعد البرلمان الذي تم انتخابه تحت سطوة العسكر، وقد انتخب في هذا البرلمان ثلاث من القيادات الشيوعية هم عزيز شريف وعبد القادر اسماعيل وذبيان الغبان، ولكن وفي محاولة من الجنرال لتطمين بريطانيا وتهدئة مخاوفها من تنامي نفوذ اليسار، أدلى بكر صدقي بتصريحه المعادي للشيوعية في 17 مارس 1937، الذي اوضح فيه أن تربة العراق غير صالحة لزراعة الافكار الشيوعية، وكان تمسك العسكر بالتدخل في كل امور الحكومة، ما ادى إلى شلها هو الدافع الرئيس لعدد من الناقمين على الانقلاب إلى تدبير اغتيال الجنرال بكر صدقي العسكري والعقيد الطيار محمد علي جواد في مطار الموصل، وقد كان متوجها لحضور مناورات الجيش التركي الخريفية، ممنيا النفس بلقاء مثله الاعلى الجنرال اتاتورك، ليعود جثة إلى بغداد يتم تشيعه تشييعا رسميا ولتطوى صفحة من التاريخ المعاصر للعراق مازال يكتنفها الكثير من الغموض.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي